"أوبر وكريم" والـ"التاكسي الأبيض"... معركة تكسير العظام مستمرة في مصر

المحكمة تقر باستمرار عمل شركتي النقل... وجدل بشأن التصعيد بين المتنازعين... والركاب يساندون الأكثر تطوراً للخدمة

سائق مصري يعمل لدى شركة أوبر للنقل في مصر يتحقق من خريطة الطريق على هاتفه. (أ.ف.ب)

منذ تدشين عمليهما في مصر عام 2014، ما تزال شركتا النقل الأجنبيتين "أوبر" الأميركية و"كريم" الإماراتية، التي من المرجح أن تستحوذ الأولى على الأخيرة في صفقة تجاوزت الـ3.1 مليار دولار، تثيران الجدل في  مجال نقل الأفراد؛ ففي الوقت الذى يراهما البعض وسيلتي مواصلات أكثر يسراً وتنظيماً، يعتبرهما أصحاب "التاكسي الأبيض" ألد أعدائهم، بعدما استحوذا على جزء كبير من "زبائنهم" دون الخضوع لشروط المنافسة العادلة في قطاع النقل المصري، وفقاً لسائقي التاكسي الأبيض.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومؤخراً، جددت الشركتان الجدل، بعد أن أودعت المحكمة الإدارية العليا، حيثيات حكمها بقبول الطعن المقام من "أوبر وكريم" المختصتين بالنقل الجماعي، لوقف تنفيذ وإلغاء الحكم القاضي بوقف نشاطهما، ووقف عملهما في مصر، حيث قضت المحكمة بعدم قبول الدعوى الأصلية المقامة من سائقي التاكسي الأبيض لزوال شرط المصلحة. فضلا عن إثارة الشركتين للجدل مرة أخرى، مع أنباء عن استحواذ شركة "أوبر" الأميركية، على منافستها التقليدية "كريم" الإماراتية.

صراع في أروقة المحاكم المصرية

في مارس/ آذار 2018، قضت المحكمة الإدارية بالقاهرة، بوقف نشاط "أوبر" الأميركية ومنافستها الإماراتية "كريم"، بعدما رأى سائقو سيارات الأجرة العادية "التاكسي" أنهما تمثلان منافسة غير مشروعة، وذلك قبل أن تعلق محكمة الاستئناف بالقاهرة الحكم بعد شهر من صدوره.

وخلال العام الماضي، تصاعدت حدة الطعون والتقاضي في المحاكم المصرية، بين أصحاب "التاكسي"، وبين شركتي "أوبر" و"كريم"، حتى ألغت المحكمة الإدارية العليا المصرية، أواخر فبراير/شباط 2019، حكماً قضى بوقف نشاط شركتي سيارات الأجرة الخاصة "أوبر" و"كريم"، بعد قبول الطعن المقدم من شركتي "أوبر وكريم" للنقل، على الحكم الصادر بوقف نشاطهما في مصر، وقضت المحكمة بإلغاء حكم إيقافهما واستمرار نشاطهما في مصر.

المحكمة الإدارية العليا أكدت في أسباب حكمها أن سائقي التاكسي الأبيض طالبوا في دعاواهم بإلغاء قرار جهة الإدارة السلبي، بالامتناع عن اتخاذ الإجراءات القانونية والتقنية حيال الشركات التي تقوم بمزاولة نشاط نقل الركاب عن طريق تكنولوجيا المعلومات باستخدام سيارات ملاكي، لمخالفة هذا النشاط لأحكام قانون المرور، مع عدم وجود تنظيم قانوني يحكم مثل هذا النوع من النشاط داخل البلاد.

ومع صدور القانون رقم 87 لسنة 2018 لتنظيم خدمات النقل باستخدام تكنولوجيا المعلومات، متضمناً تنظيماً متكاملاً لنشاط الشركات التي تزاول خدمات النقل البري باستخدام تكنولوجيا المعلومات، بينها شركتا "أوبر" و"كريم"، فإنه وفقاً لحكم المحكمة الإدارية، يكون المُشرع قد وضع قواعد قانونية جديدة لتنظيم هذه الخدمات، ومن بين تلك القواعد ضرورة حصول هذه الشركات على تراخيص من الجهة الإدارية المختصة بمزاولة هذا النشاط، ما يعني أن المشرع قد تدخل بموجب أحكام هذا القانون لتنظيم الخدمة المذكورة، ما يترتب عليه زوال مصلحة الطاعنين.

ووفق مصدر قضائي مصري، فإن قرار المحكمة الإدارية العليا جاء إثر صدور قانون 87 في يونيو/ حزيران 2018 لتنظيم نشاط خدمات سيارات الأجرة غير العمومية التي يتم طلبها عبر تطبيقات الهاتف الجوال، رغم احتجاج سائقي سيارات الأجرة العادية لأنهم يدفعون رسوماً على استخدام سياراتهم. بيد أن القانون الجديد نص على وجوب أن يحصل كل سائق على ترخيص استغلال وبطاقة خاصة بقيمة ثلاثة آلاف جنيه (نحو 170 دولار أميركي) سنويا.

وتعتبر شركتا "أوبر" و"كريم" مصر سوقاً بالغة الأهمية خصوصا في العاصمة القاهرة، التي يفوق عدد سكانها 20 مليون نسمة. وأعلنت "أوبر" إن لديها أربعة ملايين مستخدم في مصر، كما أعلنت في 2018 عن نيتها استثمار نحو 100 مليون دولار خلال خمس سنوات في البلاد. في وقت استثمرت شركة "كريم" 30 مليون دولار في مصر.

سائقو التاكسي يبحثون التصعيد

وبينما أعرب مسؤولون وعملاء تابعون لـ"أوبر" و"كريم" لـ"إندبندنت عربية" عن امتنانهم لقرار المحكمة، واستمرار نشاطهم في مصر، تواجه الشركتان معارضة قوية من جانب سائقي سيارات الأجرة التقليدية.

علاء محمد، رئيس "رابطة التاكسي الأبيض" (رابطة أهلية)، وصاحب دعوى المطالبة بوقف نشاط "أوبر" و"كريم" في مصر، أعرب عن استغرابه من حكم المحكمة الإدارية العليا، بـ"زوال سبب المصلحة" في دعوته و42 آخرين من أصحاب التاكسيات، ضد "أوبر وكريم"، مؤكدا أن الهدف من رفع الدعوى كان لتقنين شركتي النقل العالميتين في مصر، وإخضاعهما لقوانين المنافسة العادلة، وفق تعبيره، والتي تطبق على أصحاب التاكسي الأبيض، من ضرائب ورسوم وغيرها. حيث دفع مقيمو الدعوى بأن الشركتين تستخدمان على نحو غير قانوني سيارات خاصة كسيارات أجرة، وأن الشركتين مسجلتان كمركز اتصالات وشركة إنترنت على الترتيب.

وطالب علاء، بإنشاء "اتحاد" أو "نقابة" لأصحاب التاكسي الأبيض تحت رقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، قائلا: "هناك 376 ألف تاكسي في مصر كلها، بحجم استثمارات يزيد على 60 مليار جنيه".

وأوضح علاء إنه لا يوجد اتحاد ينظم أصحاب سيارات التاكسي في مصر، أو يدافع عن حقوقهم بعد المنافسة غير العادلة مع شركات أوبر وكريم، وهو ما جعلهم يرفعون هذه الدعوى، متعهداً بمزيد من التصعيد ضد عمل الشركتين في مصر.

"أوبر وكريم" يبحثان مزيداً من الاستثمارات

في المقابل، ذكر عبد اللطيف واكد، المدير الإقليمي لأوبر لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن استمرار عمل الشركة في مصر "يعد خطوة إيجابية نحو مستقبل صناعة النقل التشاركي في مصر، وأن هذا القرار سيسمح بمزيد من الاستثمارات في السوق المصرية، وخلق المزيد من الفرص الاقتصادية، معرباً عن التزام شركته بأن تكون جزءاً من شبكة النقل في البلاد وأن تتيح خدمات نقل مرنة وآمنة، وفي متناول اليد لأكبر عدد من المصريين".

تقول أوبر إن مصر أكبر أسواقها في الشرق الأوسط، حيث وفرت 200 ألف وظيفة، منها 40% لم يكن أصحابها يعملون من قبل، وذلك مع وجود أكثر من 160 ألف سائق، وأربعة ملايين مستخدم، منذ أن دشنت خدمتها عام 2014. وتوصلت أوبر، إلى اتفاق مع مصلحة الضرائب المصرية لسداد ضريبة القيمة المضافة التي قالت كريم إنها تدفعها منذ مارس/آذار 2018.

في الاتجاه ذاته، قالت مدير العلاقات الخارجية في شركة "كريم" داليا سيف النصر، إن الشركة تضم وحدها أكثر من 100 ألف سائق يقومون بعمل مليون رحلة أسبوعيا، بخلاف خدمة الدراجة البخارية، وبقاؤها للعمل في مصر يسمح بتطوير سوق النقل ونموها لخدمة المواطن بجودة عالية في النهاية.

الاستحواذ

وعلمت "إندبندنت عربية"، من مصادر متعددة في شركتي "أوبر" و"كريم"، أنه من المرتقب خلال الساعات المقبلة، ستعلن شركة "أوبر" الاستحواذ على شركة "كريم"، بصفقة تصل قيمتها لـ3.1 مليار دولار.

وبحسب مصدر في شركة "أوبر" بالقاهرة، فإن الصفقة تشهد لمساتها الأخيرة، موضحاً في الوقت ذاته أنه على مستوى التنفيذ في مصر ما تزال الشركتان تعمل كل واحدة منها على حدة، ولم يصدر الأمر بعد بدمج عمل الشركتين في مصر، ونحن في انتظار الإعلان الرسمي وتفاصيله. معتبرين أنها خطوة جيدة، لتفادي تضارب المصالح في عمل الشركتين في مصر على المستوي الدولي، على اعتبار أنهما أكبر شركتين تقوم أعمالهما على تطبيقات البرامج في الهواتف الجوالة.

وقبل يومين، وبحسب ما ذكرته وكالة بلومبرغ نقلاً عن مصادر، ستقدم شركة "أوبر" 1.4 مليار دولار نقداً، و1.7 مليار دولار سندات قابلة للتحويل. وستتحول الشهادات المالية إلى أسهم في شركة أوبر بسعر يعادل 55 دولاراً للسهم.

وتشهد شركة أوبر، ومقرها مدينة سان فرانسيسكو الأميركية، ازدهاراً كبيراً في الفترة الأخيرة، وتوسعت إلى نقل الطعام والمواد اللوجستية، وبعد أكثر من 10 مليارات رحلة، توسّعت خدمات الشركة التي تصل قيمتها السوقية إلى 120 مليار دولار.

وبلغت قيمة "كريم" التي انطلقت في دبي عام 2012، في عام 2016 حوالي مليار دولار، وكانت واحدة من بين الشركات الناشئة الأكثر قيمة في الشرق الأوسط. ولدى الشركة أكثر من مليون سائق ومشغل في أكثر من 100 مدينة بحسب موقعها الرسمي. وتعمل شركة كريم حالياً في 90 مدينة بأكثر من 15 دولة، وتتعامل مع أكثر من 30 مليون مستخدم وما يزيد على مليون سائق.

وعقدت الشركتان في يوليو/ تموز الماضي محادثات أولية من أجل الاندماج في الشرق الأوسط أملا في حل أزمة التنافس المكلف لكليهما.

ما يريده مرتادو وسائل النقل

وفق عدد ممن استطلعت آراءهم "إندبندنت عربية"، فإنه ورغم ارتفاع أسعار خدمات أوبر وكريم، لاسيما في الآونة الأخيرة، بعد إقرارهم دفع ضرائب القيمة المضافة للدولة، فإن السبب الرئيسي في استمرار اعتياد الزبائن على خدماتهما، يكمن بسبب شكواهم من أن سائقي سيارات الأجرة يرفضون تشغيل العدادات، أو أجهزة التكييف مع ارتفاع درجات الحرارة صيفاً، فضلا عن رفض بعض سائقي سيارات الأجرة توصيل بعض الركاب إلى مناطق بعينها اعتراضا على الزحام في هذه الأماكن.

وبعد تلويحها بيدها لأكثر من سائق تاكسي أمام جامعتها بمنطقة العباسية (وسط القاهرة)، ورفض أغلبهم نقلها إلى منزلها في إحدى مناطق ضواحي الجيزة (غرب القاهرة)، لعدم رغبتهم في تشغيل العداد، أو بسبب الزحام، لجأت "ع.ف" الشابة العشرينية، إلى أحد التطبيقات على هاتفها الجوال، للاستعانة بخدمات أحد شركتي "أوبر وكريم".

تقول "ع.ف": "إنها عانت كثيراً من وسائل النقل الجماعية التقليدية، بسبب التكدس الزائد عن الحد بها وطول الانتظار، بجانب امتناع أصحاب التاكسي الأبيض عن استخدام عداد الأجرة، أو مساومتها في الأجرة المراد دفعها مقابل توصيلها.

 تضيف الشابة العشرينية: "يختلف الأمر تماماً مع استخدامي لتطبيق إحدى الشركتين العالميتين العاملة في القاهرة، إذ تمتاز بالأمان نظرا لأن السائق يتم التعرف عليه من خلال التطبيق، بجانب احتساب الأجرة طبقاً للمسافة المقطوعة عبر التطبيق وليس حسب الأهواء".

المشهد هذا وغيره الكثير، يتعرض له طالبو المواصلات في مصر ممن لا يملكون سيارتهم الخاصة، على يد بعض سائقي التاكسي (الأجرة)؛ ما دفعهم إلى الاتجاه نحو تطبيقات حجز سيارات الأجرة وعلى رأسها "أوبر" و"كريم".

 يقول بسام، شاب في الثلاثين من عمره، وكثيراً ما يستخدم "أوبر وكريم": "زملائي وأصدقائي يعتقدون أن هاتين الشركتين سهلتا لهم حياتهم، وبعضهم يرسل أبناءه إلى المدرسة مع أوبر". معتبرا أن التعاون مع هاتين الشركتين بات إحدى السمات التي اعتادها أبناء الطبقة المتوسطة والعليا في مصر، لأسباب منها أن "التاكسي يفاوض على السعر، ويشغل الراديو بصوت مرتفع للغاية ويدخن".

في المقابل، لا يخفي "م.ن"، أحد أصحاب التاكسي الأبيض، ضيقه من قلة عدد مرتادي سيارته ومثيلاتها في مصر، متهما "أوبر" و"كريم" بسرقة رزقه، قائلا: "نسير في الشوارع لساعات من دون أن نجد زبائن". ويضيف "أضطر لدفع نحو 60 ألف جنيه مصري (3200 دولار أميركي) للحصول على ترخيص للعمل كتاكسي في حين أنهم ليسوا مضطرون للحصول على هذا الترخيص أصلا".

ورغم اعترافه بأخطاء سائقي التاكسي الأبيض، يقول، علاء محمد، رئيس رابطة التاكسي الأبيض، إن السبب الرئيسي في عزوف المواطنين عن ركوب سيارات الأجرة المعتادة، هو التفاوت الواسع بين الارتفاع في الأسعار وتعريفة التاكسي الأبيض"، وهو ما يدفع سائقيها إلى اللجوء لعدم تشغيل العداد أو مطالبة الركاب بأجرة أعلي"، على حد تعبيره.

وذكر علاء أن أحد المقترحات التي لجأ إليها القائمون على "أوبر" و"كريم"، لحل الخلاف مع التاكسي الأبيض، هو دمج سيارات الأجرة تحت مظلتهم، إلا أن أغلب أصحاب هذه السيارات رفضوا الأمر، قائلا: "عرض علينا دخول أوبر وكريم، ولو وافقنا كنا سندفع صافي ربح 22.5%، هذه الشركات تسعي لمقاسمتنا في أكل عيشنا".

تطبيقات منافسة في السوق المصرية

وبالتوازي مع حالة الجدل الدائرة في مصر بين سائقي التاكسي الأبيض، وشركتي "أوبر وكريم"، تظهر مبادرات شبابية أو من قبل رجال أعمال آخرين بين الحين والآخر، لطرح مشروع جديد متعلق بقطاع النقل في مصر.

وخلال الشهور الأخيرة، كان أحدث هذه المشروعات، مشروع "سوافل" للنقل الجماعي، والذى يعتمد على تسيير خطوط ثابتة، بأتوبيسات صغيرة، بين أماكن مختلفة في القاهرة لنقل مرتادي هذه الخطوط بأسعار مناسبة، ما يوفر الطاقة والأموال، ويساعد في مواجهة الزحام المنتشر في شوارع مصر، مستهدفين موظفي القطاع الخاص والحكومي.

وبعد أسابيع من ظهور "سوافل"، دشنت شركتا "أوبر" و"كريم" خدمة "الباص" للإسهام في منظومة النقل الجماعي داخل مصر، من وجهة نظر القائمين عليها.

المزيد من اقتصاد