Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بيلاروسيا ساحة مواجهة جديدة بين موسكو والغرب

يتزامن التوتر الداخلي في بيلاروسيا مع حراك دولي غربي رافض نتائج الانتخابات الرئاسية

الرئيس البيلاروسي هو الضامن لبقاء الإنجازات الحالية على الأقل في العلاقة مع روسيا (رويترز)

تشهد بيلاروسيا منذ نحو عشرة أيام احتجاجات على نتائج الانتخابات الرئاسية، التي فاز بها الرئيس الحالي ألكسندر لوكاشينكو، ويطالب المحتجون الرئيس البيلاروسيّ الحالي بالتنحيّ، وإجراء انتخابات رئاسية جديدة، بحضور مراقبين من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وتقول لجنة الانتخابات المركزية إنّ لوكاشينكو، الذي يتولى السلطة منذ عام 1994، حصل على 80.1 في المئة من الأصوات، بينما حصدت مرشحة المعارضة الرئيسية سفيتلانا تيخانوفسكايا 10.12 في المئة، واضطرت إلى اللجوء إلى ليتوانيا، وطلبت من لوكاشينكو التخلي عن السلطة، في موازاة دعوتها إلى الحوار والتظاهر.

مع استمرار الاضطرابات، طلب لوكاشينكو المساعدة من الرئيس الروسي، وقال إنّ بوتين وعد بتقديم ما سمّاه "مساعدة شاملة" في حالة التهديدات العسكرية الخارجية لبيلاروسيا، وأكد الرئيس الروسي أنّ بلاده مستعدة لمساعدة بيلاروسيا "وفقاً للاتفاق العسكري المشترك بينهما، وذلك إذا لزم الأمر".

حاول لوكاشينكو شقّ طريق أكثر استقلالية، ووسّع اتصالات بلاده مع الغرب، ولم يرضخ لرغبات موسكو في بناء قاعدة عسكرية روسية أكبر في بيلاروسيا، وربط علاقات ناعمة مع حلف الناتو، وكافأه الاتحاد الأوروبي على هذا النهج المترنح بين المعسكرين في 2016 بإلغاء عقوبات ضد مسؤولين بارزين في بيلاروسيا.

بحثاً عن التوازن

وفي وجود خلافات مع روسيا حول ملفات الطاقة، حدث توتر عميق بين موسكو ومينسك، لدرجة أن السلطات البيلاروسية ألقت القبض على عناصر من شركة فاغنر العسكرية الروسية الخاصة قبل الانتخابات الرئاسية، واتهمتهم بمحاولة زعزعة استقرار البلاد، لكن الوضع يبدو مختلفاً الآن. مع تعرّض سلطته للخطر، تخلّى لوكاشينكو عن مناوراته لتحقيق التوازن بين موسكو والغرب، وعاد إلى روسيا طالباً الحماية.

بعد انضمام دول البلطيق إلى الناتو عام 2004، وتوجّه أوكرانيا نحو الغرب عام 2014، أصبحت مينسك أحد أهم عوامل ضمان الأمن القومي الروسي، بالتالي لا يمكن اختزال أهمية بيلاروسيا العسكرية بالنسبة إلى روسيا، بمجرد وجود منشآت عسكرية روسية على أراضيها.

نهج لوكاشينكو لا يعجب موسكو، إضافة إلى تعطيله المستمر تنفيذ معاهدة الاتحاد لعام 1999، ومع ذلك، نجد اليوم الرئيس البيلاروسي هو (رسميّاً) الضامن الذي سيُبقي الإنجازات الحالية على الأقل في العلاقة مع روسيا، سواء عضوية بيلاروسيا في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، أو في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.

في المقابل، لا يوجد لدى المعارضة حتى اليوم برنامج واضح، مع غياب زعيم قادر على ضمان المستوى الحاليّ للعلاقات الروسية البيلاروسية، ومن هذه الزاوية فإنّ أي تعويل روسي على المعارضة البيلاروسية مخاطرة غير مضمونة النتائج، وهو ما يجعل موسكو تستمر في متابعة تطور الأحداث، مع عدم وضع البيض في سلة واحدة حتى اللحظة الأخيرة، فأهمية مينسك الكبرى بالنسبة إلى روسيا من زاوية الأمن القومي للأخيرة، تفسّر سياسة موسكو الحذرة للغاية في الأزمة البيلاروسية.

ونجد على الضفة الأخرى في الغرب، الآن لوكاشينكو رئيساً منبوذاً وغير شرعي، وقد نشهد دعم نشاط للمعارضة البيلاروسية من جانب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لأنه سيكون رهاناً يربح فيه الجميع، فإذا فازت المعارضة سيكون من الممكن وقتها سحب البلاد من دائرة نفوذ روسيا، وإذا فشلت سيبقى كل شيء على حاله.

بين روسيا والمعارضة

وليس مستبعداً أن تستغل موسكو الوضع الحالي لتشكيل جناح قوي مؤيد لروسيا في المعارضة البيلاروسية، ويمكن الاعتماد عليه سياسيّاً من دون القلق من خسارة بيلاروسيا شريكاً اقتصاديّاً وحليفاً عسكريّاً.

وعندها، يمكن لروسيا الدفع نحو انتخابات جديدة، يأتي عبرها رئيس مؤيد موسكو، خلفاً للوكاشينكو، فما تريده روسيا هو أن تبقى بيلاروسيا مؤيدة لها، وتغيير الوجوه لن يكون مزعجاً لموسكو، إذا لم يرتبط ذلك بتوجه جديد نحو الاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو، والأوضاع حتى الآن لا تعكس ذلك، فالمعارضة لم تعلن إدراج بيلاروسيا ضمن الاتحاد الأوروبي بين أهدافها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى مراقبون أنه ليس من مصلحة روسيا ترك حركة المعارضة البيلاروسية تنهار، لأن الاحتجاجات التي شارك فيها عشرات الآلاف ضد لوكاشينكو، بالتحديد هي التي تحرمه فرصة العودة إلى نهجه السابق في المناورة مع الغرب على حساب موسكو، وتأجيل قضايا تعميق الاندماج مع روسيا مجدداً، مع الأخذ بالاعتبار أن المعارضة البيلاروسية لم تلوِّح في مينسك بأعلام أوروبية خلال التظاهرات الشعبية.

صحيح، إنّ الأحداث في بيلاروسيا تذكّر بسيناريو جورجيا أو أوكرانيا، أو حتى أرمينيا "شكليّاً"، إلا أن لكل دولة وضعاً مختلفاً، والمشترك هو التنافس الغربي الروسي، فالغرب يريد عزل تلك الدول عن موسكو، وضمها إليه عبر تحالفات عسكرية واقتصادية، على غرار دول البلطيق، بينما موسكو تريد أن تبقى هذه الدول مناطق عازلة بينها وبين الناتو، وأن لا تتحوّل إلى بؤر صداع في خاصرتها.

مع أنّ الاحتجاجات البيلاروسية لم تكن تحمل أي شعارات، أو لافتات معادية روسيا، لكن "ما قيل" بأنها مطالب مجلس المعارضة التنسيقي، ومقره في الخارج، "ولم يتضح بعدُ مصدرها" تظهر أن الهدف هو قطع كل أشكال التعاون مع موسكو، وهذه المطالب "في حال كانت صحيحة" تعني أن هذه الدولة تتجه نحو السيناريوهات السابقة نفسها في الصراع بين روسيا والغرب، والأمور يمكن أن تأخذ منحى مختلفاً في أي لحظة، وهذا ما يجعل احتمال التدخل الخارجي في الأحداث البيلاروسية مرتفعاً جدّاً، والمؤكّد أن موسكو ستكون مستعدة للتدخل العسكري بسرعة إذا حاول أيٌّ من الدول الغربية، استخدام قواته المسلحة في بيلاروسيا.

مع وجود خصوصية لبيلاروسيا، فهي ليست جورجيا، لا توجد أقاليم عرقية تريد الاستقلال أو الانفصال، وليست أوكرانيا أيضاً، فالمعارضة فيها ليست حيوية، ودور رجال الأعمال وتأثيرهم محدود، ولا يُذكر أن شهدت بيلاروسيا أي انقسامات دينية أو عرقية.

يبقى القول، إنّ سيناريو مشابهاً لما حدث في أرمينيا عام 2018، يبدو أقرب إلى التنفيذ وأكثر واقعية اليوم، كما أنه قد يناسب جميع الأطراف الخارجية، بوصول شخصية غير معادية موسكو على الأقل في المرحلة الأولى، ومعروف أنه في السيناريو الأرميني، ترأس الحكومة الزعيم السابق لحركة الاحتجاجات نيكول باشينيان (غربيّ التوجه)، بديلاً لسيرج سركسيان المؤيد روسيا، واختار الكرملين وقتها المراقبة، ومع تجدد اشتعال أزمة القوقاز بين أرمينيا وأذربيجان، واستمرار الركود الاقتصادي، تبدو يريفان اليوم أبعد ما تكون عن الخروج من أي تكتل اقتصادي أو عسكري يجمعها مع روسيا.

المزيد من تحلیل