Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

روسيا تتجه إلى أفريقيا بالأمن والمصالح الاقتصادية

يمكن لموسكو تحقيق نفوذ في القارة إلا أنه سيبقى أقل مما حققته واشنطن سابقاً

التعاون العسكري بين روسيا والسودان بدأ منذ عقود (حسن حامد)   

في اتجاهها نحو أفريقيا، إضافةً إلى المصالح الاقتصادية واتفاقيات التعاون العسكري مع عدد من دول القارة منذ عام 2015، تعتزم روسيا إقامة قواعد عسكرية في ست دول أفريقية هي مصر والسودان وإريتريا وموزمبيق ومدغشقر وأفريقيا الوسطى. من ضمن أهداف موسكو نحو في أفريقيا، ما أعلنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عن تحقيق استراتيجية "التحوّل" باتجاه آسيا وأفريقيا عقب فرض العقوبات الغربية على بلاده بعد ضمّها شبه جزيرة القرم عام 2014.

وهناك إشارة إلى سعي روسيا إلى حماية دورها في ليبيا ووقوفها مزاحمةً للدور الأميركي في أفريقيا، الذي انحصر في المجال العسكري. وإزاء الانسحاب الأميركي التدريجي من دول القارة وتحوّل التعاون الصيني الأفريقي من مشاريع التنمية والتركيز على المواقع الاستراتيجية التي تضمن قيام مشروع طريق وحزام الحرير، فإنَّ روسيا ربما وجدت الساحة مناسبةً لتوجّهها، خصوصاً مع الانسحاب الجزئي للقوى الدولية.

قمة تمهيدية

كانت استضافة روسيا للقمة الروسية الأفريقية المشتركة في مدينة سوتشي، يومَيْ 23 و24 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، فريدةً في نوعها من حيث التوقيت والظرف الدقيق الذي تعيشه القارة الأفريقية وتعاني منه روسيا في تحرّكها الإقليمي في الشرق الأوسط وعلى مشارف أفريقيا. وكان التركيز على مصر لتحقيق عدد من المكاسب، أهمها إمكانية أن تلعب موسكو دور الوسيط في نزاع سدّ النهضة وزيادة آفاق التعاون الاقتصادي والتجاري، خصوصاً في مجال البنى التحتية، باعتبار مصر البوابة الرئيسة للقارة السمراء، وفي قلب الشرق الأوسط والأقرب إلى بؤرة الصراع العربي الإسرائيلي.

قمة سوتشي كانت تمهيداً لعودة روسية علنية إلى أفريقيا، إذ أعلنت وزارة الخارجية الروسية في مايو (أيار) الماضي  تعيين أوليغ أوزيروف، سفيراً فوق العادة ورئيساً لأمانة منتدى الشراكة الروسية الأفريقية ليقود التحضير لمنتدى "روسيا-أفريقيا" عام 2022، المكمِّل لأهداف قمة سوتشي.

لم تغب روسيا عن أفريقيا بالكامل وإنَّما نشطت في التعاون التجاري مع دول القارة، الذي فاقت قيمته الـ20 مليار دولار عام 2018. وتمثَّل ذلك في التعاون الثنائي وتوجه الشركات الروسية نحو قطاعات التعدين والطاقة الأفريقية. كما اشتمل على التعاون العسكري الذي تمثَّل في الإمدادات العسكرية وتوريد الأسلحة وتدريب كوادر القوات المسلحة والشرطة، ووصل إلى توقيع 21 اتفاقية عسكرية، إضافةً إلى اتفاقات لتوليد الطاقة النووية لأغراضٍ سلمية بين روسيا وبعض الدول الأفريقية مثل إثيوبيا وأوغندا.

من الأمس

بدأ الاهتمام الروسي بقارة أفريقيا، بخاصة شمالها، منذ القرن الثامن عشر بالتوجه نحو سواحل البحر الأبيض المتوسط، ضمن سياسة توسّعية اعتمدت على اعتبارات عسكرية وسياسية وتجارية. في تلك الفترة، انتهج الإمبراطور بيوتر ألكسييفيتش رومانوف، قيصر روسيا الخامس، سياسة تحديث استطاعت تحويل روسيا القيصرية إلى الإمبراطورية الروسية وأصبحت بذلك إحدى أهم القوى، إضافةً إلى الإمبراطورية العثمانية. ولكنها لم تصل إلى حدّ تحقيق أطماع استعمارية في شمال أفريقيا، لأنَّ الإمبراطورية العثمانية على الحدود الجنوبية لروسيا حالت دون تحقيق ذلك. وتطوّرت علاقات روسيا في أفريقيا إلى علاقات دبلوماسية وتجارية واقتصادية وثقافية بلغت ذروتها في ستينيات القرن الماضي.

تجاذبت أفريقيا القطبية الشرقية والغربية وشكّلت تكوينها السياسي والثقافي والاقتصادي. الآن، بعدما تغيّرت ملامح المنطقة ورسمت خريطة جديدة تختلف عن تلك التي عهدتها روسيا (الاتحاد السوفياتي سابقاً)، عادت موسكو من جديد بعد انسحاب القطبية الأحادية الأميركية، ورمت بثقلها للعب دورٍ تستعيد فيه وجودها في القارة.

إلى اليوم

أهم ما يميّز عودة روسيا إلى أفريقيا في هذه الفترة، خلو الاتفاقات ومواثيق التعاون التي وقّعتها من أي برامج أيديولوجية. فتمويل الرئيس السوفياتي نيكيتا خروتشوف بناء السدّ العالي ودعم الجيش المصري في ستينيات القرن الماضي، كان مبنيّاً على ولاء مطلق بأفكاره الماركسية.

وبعدما وضعت روسيا قدمها في مصر، اتجهت نحو السودان وقدَّمت طلباً لبناء قاعدة عسكرية في ميناء بورتسودان. وهذا الوجود المبدئي يحقّق لها أهدافاً عدّة، منها أن السودان يُعدُّ المدخل الأنسب لأفريقيا جنوب الصحراء عبر بوابة البحر الأحمر، حيث الثروات من اليورانيوم والذهب والكوبالت والنفط. وهذه المخازن الطبيعية قد تكون مصدر صراع مستقبلي بين روسيا وأميركا، وإن انسحبت واشنطن من شمال أفريقيا فإنّها عزّزت وجودها في أفريقيا جنوب الصحراء وضمنت الممرّات المائية التي تؤمّن لها عبور نفط الخليج من مضيق باب المندب.

يضمن وجود روسيا على البحر الأحمر، الذي يربط بين ممرّات بحرية مهمة، تحقيق وضع يتيح لها التمدّد نحو شرق البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط وخليج عدن وبحر العرب والمحيط الهندي وأفريقيا في الوقت ذاته. 

سلاح روسي

في عام 2015، أعلنت هيئة الأبحاث الجيولوجية السودانية عن طلب شركة روسية التنقيب عن الذهب واليورانيوم في البحر الأحمر وولاية نهر النيل، ووضعت تصوّراً خيالياً لاحتياطي الذهب. وكشفت الأيام عن أنّ الشركة لا وجود لها في الواقع. ثم جاءت زيارة الرئيس السابق عمر البشير إلى روسيا عام 2017، معلنةً عن هدفٍ أمني واستراتيجي، إذ عانى السودان في ظلِّ النظام السابق مَمَّا تعاني منه دول المنطقة التي أوصلتها الأحداث والصراعات إلى الاكتفاء بأمن قُطري محدود، حتى تحصل على أحلاف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وباعتبار السودان جزءًا من منطقة متصارعة، وفي ظلِّ حصاره الدولي وفرض العقوبات الأميركية عليه، لجأ إلى روسيا لإيجاد منفذ. وقعت تلك الخطوة في إطار التعاون القائم منذ عقود بين موسكو والخرطوم في المجال العسكري، إذ إنَّ سلاح القوات البرية والجوية السودانية روسي الصنع. وكانت الخرطوم تطمع في تطوير التعاون إلى دعم عسكريّ تقني لتحديث عتاد القوات المسلحة ورفع التمثيل العسكري مع روسيا إلى مستوى مستشارين وبناء قواعد عسكرية روسية في البحر الأحمر. كما حصل السودان على طائرات روسية مقاتلة من طراز سوخوي (Su-35) من الجيل الرابع.

أما بالنسبة إلى روسيا، فإنَّ حضورها العسكري في السودان، وإذا تمركزت سفنها الحربية على ساحل البحر الأحمر، سيؤمّنان لها أهمية استراتيجية منقطعة النظير، من حيث فتح معبر مباشر لها إلى المحيط الهندي بما يخدم المصالح الروسية والهندية والإيرانية، إذ لا يمكن للسفن الروسية المرور إلى المحيط الهندي إلّا عبر قناة السويس، أو بعد الالتفاف حول أفريقيا ما يحمّلها أعباء لوجستية وزمنية.

تأثير محدود

في سياستها تجاه أفريقيا، تستعرض روسيا قدرتها على تطوير المصالح الاقتصادية مع الشركاء الأفارقة، إلّا أنّ تأثيرها الاقتصادي كقوة متوسطة بالمقارنة مع أميركا والصين سيكون محدوداً. كما يحدُّ فرض عقوبات غربية على روسيا من حجم استثماراتها وعوائدها، خصوصاً أنّ القارة الأفريقية خرجت لتوِّها من تجربة الصين التي استفادت من استيراد الموارد الطبيعية مقابل تصدير السلع المصنَّعة.

وعلى الرغم من أنّ عوائد الاستثمارات الصينية لم تكن بحجم التوقّعات الأفريقية، إلّا أنّ الشروط الصينية المرنة، والسرعة التي تميّزت بها في إنجاز عمليات الاستثمار قد لا تحقّقها روسيا نظراً إلى بطء مشاريعها وغياب المعلومات بين الطرفين وضبابيّتها. ولذلك نجد أنّ روسيا اتجهت إلى التركيز على مجال الأمن، إذ لعبت بورقة مكافحة الإرهاب، كما شكَّلت القوات العسكرية الروسية والخاصة حضوراً واضحاً في التدريب العسكري وعمليات التسلّح، إضافةً إلى تدخلها في مناطق النزاع ودعمها قوات حفظ السلام بالتعاون مع الاتحاد الأفريقي والدول الأفريقية، وتدخّلها ليس بعيداً عمّا حدث في تشاد والسودان ومالي وأفريقيا الوسطى وليبيا.

وتعوّل الدول الأفريقية على أنَّ روسيا بإمكانها استغلال وضعها باعتبارها إحدى الدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن، لتأييد قرار العقوبات على بعض الدول أو رفعها. ففي عام 2010، فرضت روسيا قيوداً اقتصادية على إريتريا إضافةً إلى عقوبات عسكرية في 2013، أعاقت تزويدها بالأسلحة والمعدات العسكرية. وعندما أصدر مجلس الأمن قراره القاضي برفع العقوبات عن إريتريا في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، أقرّت روسيا مرسوماً برفع العقوبات الاقتصادية والعسكرية.

إذا تحقَّق بناء القواعد العسكرية الروسية في أفريقيا، فإنَّها ستظل أقل بكثير من الوجود العسكري الأميركي في القارة، الذي يتضمّن ما لا يقل عن 34 قاعدة عسكرية، إضافةً إلى القواعد العسكرية الصينية ودول أخرى. وعلى الرغم من توجّه الولايات المتحدة نحو الشرق الأوسط والنمور الآسيوية، إلّا أنّ وجودها العسكري في أفريقيا سيؤثِّر في حجم النفوذ الروسي.

المزيد من تحلیل