Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شبح الإفلاس يطارد البنوك التركية وسط نزيف الليرة

استمرار الخسائر يدفع أنقرة إلى المنافسة على أعلى معدلات التضخم بالعالم

خسرت الليرة التركية عشرة في المئة من قيمتها خلال شهرين فقط (رويترز)

تتجه الليرة التركية صوب مستوى متدن قياسي، بعدما قلل وزير المالية براءت ألبيرق من أهمية تقلبات العملة وأكد على قدرتها التنافسية. وتدافع الأتراك صوب شراء العملات الأجنبية في الأسابيع الماضية ودعا محللون لإجراءات أكثر حزما مثل تشديد رسمي للسياسة النقدية لتحقيق استقرار في السوق ومواجهة المشكلات الاقتصادية الأعمق.
وتراجعت الليرة على نحو طفيف إلى 7.3400 مقابل الدولار، وسجلت مستوى قياسي منخفض عند 7.3650 يوم الجمعة الماضي لتتراجع بنسبة 19  في المئة مقابل الدولار الأميركي منذ بداية العام لتكون أحد أسوأ عملات الأسواق الناشئة أداء. وقال ألبيرق لقناة سي.إن.إن ترك مساء أمس الأربعاء "إن الليرة "ستهبط وتصعد" مضيفا أن التنافسية أكثر أهمية من مستوى سعر الصرف". وأشار إلى أن الاقتصاد قد ينكمش بما يصل إلى اثنين في المئة هذا العام.

وفي الوقت الذي تواصل فيه الليرة التركية انهياراتها مقابل الدولار الأميركي، فإنّ أنقرة باتت تنافس على صدارة دول العالم في أعلى معدل تضخم بعد تسجيلها المركز الـ14 بقائمة أعلى معدل تضخم على مستوى العالم، كما تقترب البنوك التركية من الإفلاس مع استمرار تهاوي الليرة.، نتيجة تشابك الملفات السياسية بالاقتصادية، خصوصاً في ما يتعلق بالعلاقات التركية الأميركية.

ومنذ أكثر أسبوع وتُتداول العملة التركية فوق مستويات السبع ليرات مقابل الدولار الأميركي، إذ جاء ذلك بعد استقرار شهدته خلال الأشهر الماضية عند مستويات 6.85 ليرة لكل دولار.

ومع تراجع  الليرة التركية إلى رقم قياسي، قرر البنك المركزي التركي ضخ نحو ملياري دولار في السوق، لوقف نزيف خسائر العملة المحلية.

وفي ظل هذه الأرقام غير المبشّرة، توقعت مؤسسة غولدمان ساكس للخدمات المالية والاستشارات، حدوث تقلبات عنيفة لليرة التركية خلال النصف الثاني من العام الحالي.

وقبل أيام، أعلن البنك المركزي التركي تخفيض تكلفة السيولة، التي يوفّرها للمتعاملين الرئيسيين من خلال عمليات السوق المفتوحة، إلى "صفر"، وذلك في محاولة لتضييق السياسة النقدية من دون اللجوء إلى رفع أسعار الفائدة الرئيسية.

يأتي ذلك بعد مطالبات من الرئيس أردوغان للبنك المركزي بمزيد من الخفض لأسعار الفائدة، في محاولة لدعم الاقتصاد التركي المنهار. إذ يمارس الرئيس التركي ضغوطاً لتوجيه السياسات النقدية للبلاد، بعدما أقال المحافظ السابق للبنك المركزي لرفضه خفض أسعار الفائدة.

تحذيرات مستمرة من ارتفاع معدلات التضخم

وفق البيانات الرسمية الصادرة عن هيئة الإحصاء التركية، فقد بلغ معدل التضخم النقدي في تركيا على أساس سنوي 11.76 في المئة خلال يوليو (تموز) الماضي. وعلى الصعيد الشهري بلغ معدل التضخم 11.76 في المئة خلال الشهر الماضي، بعدما كان 12.62 في المئة خلال يونيو (حزيران) الماضي، وكان 11.3 في المئة بمايو (أيار) الماضي. وعلى الرغم من التراجع في معدل التضخم فإنه لا يزال فوق عشرة في المئة منذ عدة أشهر.

والشهر الماضي رفع البنك المركزي التركي توقعاته للتضخم هذا العام إلى 8.9 في المئة، بعد أن كانت 7.4 في المئة، بسبب الأداء السيئ لليرة. وتوقع محافظ البنك المركزي مراد أويصال أن يتباطأ التضخم إلى 6.2 في المئة بنهاية العام المقبل، لكنه اضطر إلى تعديل توقعاته. ومع ذلك لا تزال توقعات تركيا لمعدل التضخم بعيدة عن التقديرات الدولية.

وتوقعت وكالة التصنيف الائتماني "ستاندز آند بورز" تسجيل معدلات تضخم هذا العام عند 10.6 في المئة، وأن تسجّل البطالة هذا العام 14.3 في المئة. وحول التصنيف الائتماني لتركيا، توقعت الوكالة أن ينكمش الاقتصاد التركي 3.3 في المئة، بسبب تداعيات كورونا، وأن يتعافى النمو الاقتصادي خلال النصف الثاني من العام الحالي.

وبسبب السياسات الخاطئة، أصبحت تركيا بالمرتبة الرابعة عشرة في قائمة الدول الأعلى في معدلات التضخم حول العالم، ويوماً بعد يوم تتقلص فرص الحكومة التركية في تحقيق أهداف نقل معدل التضخم السنوي إلى خانة الآحاد، وهو الوعد الذي قدمه الرئيس أردوغان خلال العام الماضي.

حقيقة إخفاء تركيا مصروفاتها الضخمة

كانت مجلة "فورين بوليسي" قد أشارت في تقرير حديث، إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لم يعرف عنه عادة بأنه مبتكر اقتصادي، لكن خلال العام الماضي، أجرت حكومته تجربة اقتصادية عالية المخاطر، فتحت باب التساؤلات حول استغلال البنوك التركية، ودهاليز العمل المالي لإخفاء إخفاقات، وربما كوارث اقتصادية ستحل على البلاد.

وطرحت المجلة تساؤلاً حول إلى أي مدى يمكن أن تخفي تركيا حقيقة أن مصروفاتها التي تنفقها أكثر من إمكانياتها؟ وذكرت أنه عادة عندما تنفق الحكومات أكثر من مستوى الضرائب التي تفرضها، فإن الفرق يظهر كعجزٍ في الميزانية. إنهم يموّلون هذا العجز عن طريق إصدار سندات يجري تداولها في الأسواق الدولية، بالتالي يسهل تتبعها.

وأشارت إلى أنه إذا ارتفع عبء الدين بشكل كبير للغاية وارتفعت تكاليف الاقتراض، يصبح لزاماً حينها على الدولة أن تتخلف عن السداد، أو تبحث عن خيار النجدة والإنقاذ. إن نوع أزمة الديون هذا ليس بالنوع اللطيف، ولنا شواهد معروفة في الأرجنتين واليونان وباكستان، لكنه على الأقل من النوع الواضح والمألوف.

وأنفقت تركيا أيضاً أكثر مما ينبغي، لكنها فعلت ذلك بطريقة قامت فيها بإخفاء التكاليف المنفقة في أعماق نظامها المالي، وجعلتها غير مرئية للجميع، باستثناء أكثر المحققين الماليين التزاماً. وبشكلٍ نسبي، فإن الديون السيادية، من النوع الذي يجري تمويله عادةً من السندات الدولية، قليلة على الرغم من أن القيمة الإجمالية لهذه الديون ترتفع إلى حد ما. لكن الاقتراض الكبير من البنوك في البلاد، بما في ذلك البنوك الخاصة والمملوكة للدولة، هو المكان الذي زاد من المتاعب في تركيا.

ومنذ الأزمة المالية العالمية في 2008، أبقى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة منخفضة، على أمل تحفيز حالة من الانتعاش الاقتصادي في الولايات المتحدة. وكان لهذا الأمر أثر جانبي، أدى إلى جعل اقتراض الدولارات أمراً غير مكلف ورخيص لكل من الأميركيين وغيرهم ممن يبحثون عن الائتمان. الأمر الذي أدى أيضاً إلى لفت انتباه البنوك التركية، لتقوم بالانغماس في القروض الدولارية الرخيصة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهكذا أصبحت البنوك التركية تمتلك الكثير من الدولارات. لكن ما العمل مع هذه الدولارات؟ أولاً، أقرضت البنوك التركية الدولارات للشركات، في صناعات مثل السياحة والطاقة والبنية التحتية والعقارات، التي فضّلت أخذ القروض بالدولار على الليرة، بسبب أسعار الفائدة الرخيصة المعروضة. وعادة ما تقوم بعض القطاعات مثل البنية التحتية والعقارات، بالبيع في المقام الأول للأتراك، لذلك يجري تسعير العائدات بالليرة التركية. لكن سداد تلك القروض لا يزال بالدولار. لكن تكمن المشكلة في أنه إذا انخفض سعر الليرة مقابل الدولار، وقد انخفضت بشكل كبير بالفعل خلال السنوات القليلة الماضية، فسيصبح من الصعب على الشركات التركية سداد قروضها الدولارية. وهذا الأمر قد يؤدي بدوره إلى خلق أزمة مصرفية.

ولم تُمنح كل الدولارات التي اقترضتها البنوك التركية من الخارج إلى الشركات التركية. ومعظم الأتراك يقترضون لشراء منازل أو سيارات بالليرة لا بالدولار. لذلك احتاجت البنوك التركية إلى الليرة لإقراضهم. حينها أخذت البنوك الدولارات التي تراكمت لديها، واستبدلتها بالليرة في الأسواق المالية، إذ دفعت رسوماً مرتبطة بسعر الفائدة لليرة الذي حدده البنك المركزي التركي. وأدّى ذلك إلى ظهور خطر ثانٍ موجود في أعماق النظام المصرفي في البلاد، إذ ارتفعت أسعار الفائدة، خصوصاً أن تكلفة اقتراض البنوك بالليرة سترتفع بسرعة، ما يقلل من أرباح البنوك.

انهيار الليرة يقود إلى إفلاس البنوك

وخلال الأشهر القليلة الماضية، فإنّ الأسواق الناشئة مثل تلك التي في تركيا تضررت بشدة، بسبب تأثر الاقتصاد العالمي من فيروس كورونا المستجد. إذ خسرت الليرة عشرة في المئة من قيمتها خلال شهرين فقط. وعندما تنخفض الليرة يرتفع سعر السلع المستوردة، وتنخفض مستويات معيشة الأتراك. وخوفاً من ردة الفعل العنيفة، قررت الحكومة التركية وقف انخفاض الليرة بشكل أكبر. إذ استخدمت تكتيكاً نموذجياً، ألا وهو بيع الدولارات لشراء الليرة في السوق المفتوحة، ما يعزز قيمة العملة التركية. جدير بالذكر أن هذه الحيلة نجحت في معظم فترات فصل الصيف، إذ كانت الليرة ثابتة عند نحو 6.85 مقابل الدولار طوال الشهرين الماضيين.

لكن، إنفاق احتياطيات الدولار للحفاظ على قيمة العملة لا ينجح إلا إذا كان لديك دولارات لتنفقها. وخصصت الحكومة احتياطيات أقل بكثير مما ينبغي في بداية العام، وسرعان ما واجهت طلباً لمزيد من الإنفاق، إذ أصرّ أردوغان على الدفاع عن العملة. والسؤال: أين يمكن إيجاد المزيد من الدولارات؟

وهنا يعود إلى دور البنوك التركية. حيث كان لديها فائض بعد اقتراضها مليارات من الخارج في السنوات الماضية. لذلك قام البنك المركزي التركي باقتراض الدولارات من البنوك التركية أيضاً. فالبنك المركزي مدين للبنوك التركية بـ54 مليار دولار. لكنه أنفق أكثر من ذلك، إذ أنفق نحو 65 مليار دولار بالفعل هذا العام، وذلك وفقاً لتقديرات غولدمان ساكس، إضافة إلى 40 مليار دولار إضافية في عام 2019. لذلك فإنه وفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن الحكومة التركية، يواجه البنك المركزي عجزاً يقدّر بنحو 25 مليار دولار، بعد خصم الأموال التي يحتفظون بها من الذهب والريال القطري.

ما الخيارات المتاحة أمام أردوغان؟

التقرير أشار إلى أن الطريق مليء بالمخاطر. فإذا ما هبطت الليرة ستواجه الشركات التركية التي لديها ديون دولارية صعوبات في السداد. كما أنّ الانخفاض الحاد لليرة قد يؤدي إلى إفلاس البنوك التركية. أمّا إذا جرى رفع أسعار الفائدة فقد تستقر العملة، لكن الاقتصاد سيدخل في ركود أكثر عمقاً، ما يؤدي إلى تفاقم الهبوط الناجم عن أزمة كورونا، إضافة إلى إضعاف شعبية أردوغان. كلا الخيارين محفوف بالمخاطر.

لكن، عدم اتخاذ أي إجراء ربما سيكون أمراً أسوأ، إذ ستنخفض الليرة على أي حال، وسيدخل الاقتصاد في ركود طويل الأمد. وذكر التقرير أن تجربة أردوغان الاقتصادية كانت مثيرة للاهتمام خلال الفترة التي استمرّت بها، إذ خلقت شعوراً زائفاً بالاستقرار. لكن إخفاء المشكلات الاقتصادية للبلاد في أعماق النظام المصرفي لم يكن إلا غطاءً مؤقتاً.

المزيد من اقتصاد