Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المغيبون والمخطوفون في العراق أرقام متضاربة ومصير مجهول

تقارير حقوقية دولية تفيد بتصفية كثير من هؤلاء ودفنهم سراً في ظل غياب الإرادة السياسية الموحدة لإنجاز هذا الملف

جدار مُغطى بصور متظاهرين عراقيين سقطوا في ساحة التحرير بالعاصمة بغداد (أ ف ب)

"متى ما لفظت كلمة الدم فهذا إيذان بأن العقل يُهم بالرحيل"، هذا ما قالته الأديبة البريطانية دوريس ليسينغ وهي تصف الحروب. فكم من حرب غيّرت معالم المدن، وأدخلت سكّانها في حزن دام طويلاً؟

ما من مكان في العراق إلا وكانت له ذكرى عن حرب، جعلت من مدنه شاهدة على قصص، يصعب إحصاؤها واستيعابها، وكأنها روايات خيالية.

دمار المدن والضحايا أبرز شواهد الحروب. لكن، توجد زاوية مظلمة، وثّقت القسوة والفقدان بصورة أعمق، في قصص المغيبين والمفقودين.

عاش العراق بعد العام 2003 سلسلة أزمات وحروب، خلفت أعداداً غير معروفة، أو يصعب إحصاؤها من المغيّبين. فمن الحرب الطائفية إلى دخول "داعش"، وبعدها حروب التحرير، التي تداخلت معها تصفيات طائفية لمناطق معينة، كما لم تخلُ تظاهرات أكتوبر (تشرين الأول) 2019، من تغييب الناشطين المشاركين فيها.

عوائل بلا معيل

منطقة الصقلاوية، التي تقع شمال غربي الفلوجة بمحافظة الأنبار، لها حكايات مع تغييب أبنائها. فبعد تحرير المنطقة من "داعش" في 2016، بدأت الميليشيات عمليات تصفيات أهالي الصقلاوية، غالبية عوائل المنطقة فقدت من يعيلها، وهي تعيش الآن ظروفاً قاهرة وسط الفقر، وتأرجح الأمل بعودة أبنائهم أو معرفة مصيرهم.

يحدّثنا فائز الريكان، من منطقة الصقلاوية، التي غُيّب عنها ما يقارب الألف شخص في أثناء حرب التحرير من التنظيم الإرهابي، يقول "في الثالث من يونيو (حزيران) 2016، اختُطف عدد من أهالي الصقلاوية إلى جهة مجهولة، ولم يُعرف مصيرهم، من بينهم 735 شخصاً من عشيرة واحدة هي (البوعكاش)، لذلك نجد في الصقلاوية عوائل فقدت خمسة أخوة أو أكثر".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتابع، "على الرغم من محاولات وجهاء وشيوخ عشائر المنطقة للوصول إلى مصير أبنائهم بعد أن طرقوا أبواب الجهات الرسمية، منها رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي وعدد من الشخصيات السياسية والدينية، فإنّ كل هذه المحاولات باءت بالفشل، ولم تنجح في الكشف عن مصير أبناء المنطقة".

لا جواب من الحكومة

"أعيش حالة حزن شديد يقتلني يوميّاً"، هذا ما قاله أب، رفض ذكر اسمه، غُيّب أبناؤه الثلاثة في أثناء عمليات تحرير ناحية الصقلاوية، أصغرهم كان يبلغ من العمر 16 سنة، وأكبرهم 26 عاماً، وهو طالب بالجامعة، ويتابع "لا توجد لدى الحكومة أي نية للوصول إلى المغيبين والكشف عن مصيرهم. وعلى الرغم من التواصل مع الجهات الحكومية، فإنها لم توضّح للأهالي مصير أبنائهم".

تفرّق العائلة بعد غياب الأب

"لم يعد بيت والدي عامراً بضيوفه الذين يلجأون إليه لحل مشكلاتهم، وأصبح يخلو من الفقراء الذين يطرقون بابه لإعانتهم في عوزهم". هذا ما يقوله إدريس الأشوري الذي اختُطف والدُه (80 عاماً)، أحد أبرز شيوخ عشيرة الجبور في نينوى وصلاح الدين وكركوك، ويؤكد أن العائلة "تفرّقت بعد هذه الحادثة بين إربيل والشرقاط، ولم تجتمع بعد غياب الأب ورحيل الأم حزناً عليه".

ويقول الأشوري "(الحشد الشعبي) سلّم مئتي شخص من مركز احتجاز أمني بالشرقاط إلى (حزب الله) بالعراق في السابع من يناير (كانون الثاني) 2017، ومن بينهم والدي". ويضيف "عمليات تحرير الموصل شهدت تصفيات جسدية وتغييباً لكثير من سكان المدينة وأقضيتها، وتوجد تأكيدات من شخصيات سياسية في محافظة صلاح الدين بوجود أكثر من سبعة إلى ثمانية آلاف مغيّب في سجون (الحشد) بمدينة بيجي بمنطقة تسمّى (600 كلم)، ولن يتمكّن أحد من دخولها".

أعداد متباينة

ويوضح أنس أكرم محمد، عضو المفوضية العليا لحقوق الإنسان بالعراق، أن المفوضية سجّلت 8615 ادعاءً بالاختفاء القسري والتغييب بين أعوام 2017 و2019 والنصف الأول من 2020.

ويوضح أن عدم وجود إحصاءات دقيقة حول المُغيّبين يعود إلى غياب قاعدة وطنية موحدة للبيانات التي تجمع أعداد وأسماء ومعلومات المفقودين. ويؤكد أن "اختلاف الإحصاءات الخاصة بالمغيبين والمفقودين المُتسلمة من الحكومات المحلية بالمحافظات المحررة، مع الإحصاءات والمعلومات والأعداد والأسماء المتوافرة لدى الجهات المعنية المتعددة، هو أحد أسباب عدم الوصول إلى أعداد المغيبين بصورة دقيقة".

ويرى أيضاً أن تعدد الجهات الأمنية التي لها الحق في التوقيف والاعتقال والاحتجاز، وعدم وجود تعاون مشترك بينها، يؤديان إلى تبادين أعداد المغيبين، كما يعرقل غياب الجهات الرسمية التي تعاقب وتحاسب وتراقب تلك الجهات تفعيل واستكمال الكشف عن ملف المغيبين.

ويكمل محمد، "اللجان الحكومية التي شُكّلت لحل هذا الملف لم تحقق أي تقدم، وذلك لغياب الإرادة السياسية الموحدة، لإنجاز وإقفال هذا الملف الإنساني وإنهاء معاناة ضحاياه".

إحصاءات أخرى يعلنها مركز توثيق جرائم الحرب

ويوضح عمر الفرحان، مدير المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب، لـ"اندبندنت عربية"، أن "العراق يُصنّف الأول عالميّاً من حيث عدد المغيّبين قسراً على يد القوات الحكومية والميليشيات المرافقة لها". ويذكر أن "العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش في محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى، رافقتها عمليات تغييب لأكثر من 23 ألف شخص من هذه المحافظات، ولا يُعرف مصيرهم على الرغم من وجود فيديوهات وصور تؤكد أن الميليشيات هي التي خطفتهم وغيّبتهم لأسباب كثيرة، منها الانتقام والتغيير الديموغرافي والطائفية والابتزاز المالي".

ويؤكد الفرحان أنّ المركز وثّق أيضاً أكثر من 75 حالة إخفاء قسري لناشطين ومدنيين من ساحات التظاهر، ولم يُطلق سراحهم إلى الآن، فضلاً عن عدم معرفة مصيرهم، وما الجهة التي خطفتهم.

وهو يتوقع أنّ الأعداد الحقيقية للمغيبين أكثر من ذلك، لأن غالبية العوائل تخشى ذكر أسماء ذويهم من المغيبين، أو يمتنعون عن تسجيل شكوى بحق المختطفين، خوفاً من التهديدات التي يتلقونها من الميليشيات.

لا حقوق لهم

ويعلن الفرحان وجود تقارير حقوقية دولية تفيد بتصفية كثير من المفقودين، ودفنهم سرّاً، وأن السلطات العراقية لم تستجب إلى الطلبات التي تتعلق بالإفصاح عن معلومات كاملة تخص هؤلاء، وبات مصير كثير من المدنيين مجهولاً، فقد يكونون في السجون تحت التعذيب، أو في مقابر سرية من دون مستمسك يثبت هُويتهم، وهذا ما يؤثر بشكل كبير في المجتمع العراقي. إذ توجد حقوق وواجبات تترتب على حياتهم أو مماتهم.

ويردد الأهالي عبارة "سجون سرّية أو مقابر غير مكتشفة"، عندما يتحدّثون عن مصير أبنائهم. وهما خياران كلاهما صعب، لكن الأول يحمل بصيص أمل، والآخر يعزز الألم ومرارة الفقدان.