Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كوامن الخلاف حول المبعوث الأممي إلى السودان

من المرجح أن ينزل حمدوك عند رغبة المجلس العسكري مع استمراره في الاعتماد على تحالفه مع فرنسا

تتعدد فعاليات الأمم المتحدة في السودان بين التوعية ومشاريع التنمية (حسن حامد)

انتقل الخلاف في السودان من إنشاء الأمم المتحدة بعثة سياسية خاصة تحت البند السادس (يونيتامس) إلى خلاف في المرشّح لقيادة هذه البعثة. ويوحي الخلاف بين رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك من جهة والمكوّن العسكري من جهة أخرى بانشقاقٍ داخل مجلس السيادة، مع احتمال أن يتمدد ذلك التباين إلى العلاقات الإقليمية والدولية.

تجلى رد الفعل على اقتراح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش شخصيتين لقيادة البعثة السياسية في السودان عن أنَّ الحكومة في الخرطوم لم تتفق في شأن المبعوث بعد. وفيما يرفض حمدوك نيكولاس هيسوم، الدبلوماسي الجنوب أفريقي ومبعوث الأمين العام للأمم المتحدة الخاص السابق للسودان وجنوب السودان، يوافق عليه المجلس العسكري. وفي مقابل تأييد حمدوك جان كريستوفر بليارد الدبلوماسي الفرنسي ونائب وزير خارجية الاتحاد الأوروبي، يرفضه المجلس العسكري.

وفي الإطار ذاته برزت آراء دولية رافضة للدبلوماسي الفرنسي، فروسيا والصين غير متحمستين بدعوى افتقاره إلى دعم الجيش السوداني، بينما يتمتَّع بدعم الاتحاد الأوروبي خصوصاً ألمانيا وفرنسا اللتين زارهما حمدوك في وقتٍ سابق.

ويقودنا هذا إلى عدم تجاهل دواعي تأييد مرشّحٍ من قِبل بعض الدول وعرقلة اختياره من دولٍ أخرى. وعلى نحو مماثل، ما يمكن أن يتخذه مجلس الأمن  من قرارٍ يقطع دوافع كل تيار، كي لا يؤدي إلى تأخير بدء عمل البعثة التي من المفترض مباشرة أعمالها في يناير (كانون الثاني) 2021 وتنفيذ الأهداف الموكلة إليها.

جدل السيادة

كان الخلاف على طلب حمدوك من مجلس الأمن الدولي التفويض لإنشاء بعثة سياسية خاصة تحت الفصل السادس لدعم السلام وتشمل كامل أراضي السودان، منحصراً في ما بدا أنَّه إيذانٌ بوضع السودان تحت الوصاية الدولية. وفي الأثناء، تصاعد جدل في مفهوم السيادة وضرورة بناء دولة مدنية متوازنة الأطراف، ودور النظام الدولي في المحافظة على مفهوم السيادة وعدم انزلاق البلاد إلى العنف في بعض المناطق.

واتخذت الآراء موقفين، الموقف الأول يرى أنَّ البعض حمَّل خطاب حمدوك أكثر مما يحتمل لأنَّ الوضع في السودان قبل الثورة هو استمرار وجود الأمم المتحدة في السودان وفقاً للتفويض الممنوح لها بالعبور بالبلاد من حفظ السلام إلى بناء السلام والمساعدة في إحداث التنمية المطلوبة لمعالجة آثار النزاع. ولأنَّ دور الأمم المتحدة وآلياتها التي تستخدمها لحفظ السلام والأمن لا تشذُّ عما تقوم به في حفظ السلام والأمن الدوليين، فإنَّ ما قام به حمدوك لا يتجاوز كونه تنشيطاً لعمليةٍ قائمةٍ في الأساس.

أما الموقف الثاني فيرى أنَّ طلب حمدوك من البعثة الأممية الذي جاء بغرض فرض سلطاتها على كامل أرض السودان ودون قيدٍ أو شرطٍ، سيعمل على محاصرة القوات المسلحة عبر قراراتٍ يصدرها مجلس الأمن، ومن شأنه تقييد الجيش والأمن، ما يمسُّ سيادة البلد. وينتقد أصحاب هذا الموقف تدخُّل البعثة في عملية التنمية.

خلاف داخلي

عندما تم التكيُّف مع وجود البعثة الأممية، نشأ الخلاف الحكومي على المبعوث، إذ يدعم حمدوك المرشّح الفرنسي بليارد بينما يرفضه المجلس العسكري. وتتبلور رؤية حمدوك في الدبلوماسي الفرنسي بأنَّه لعب دوراً في حشد الدعم الأوروبي للحكومة الانتقالية بعد تعيينها في سبتمبر (أيلول) 2019. وكذلك للعلاقة المميزة بينه وبين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إذ يرى حمدوك أنَّ في مقدور بليارد جذب تمويلٍ فرنسي وأوروبي لدعم الانتقال إلى الحكومة المدنية في السودان. وأثناء الثورة السودانية زار بليارد الاعتصام في ميدان القيادة العامة للقوات المسلحة ترافقه زوجته السودانية وأبناؤه.

في المقابل، تبرز تصدعات عميقة حول نيكولاس هيسوم المقبول من المجلس العسكري، الذي صرَّح بأنَّ الحكم المدني يحتاج إلى "حماية العسكريين الذين لديهم القدرة على نقل البلاد إلى مكانٍ أفضل أو إلى أزمة كارثية إذا ما حاولوا التشبث بالسلطة". وتصاعد رفض حمدوك له بأن لم يستجب إلى طلب منحه تأشيرة دخول إلى السودان في وقتٍ سابق.

... ودولي

لم تنتظم الصفوف الداخلية حول تسمية المبعوث الأممي حتى برز خلافٌ دولي حوله. ربما تتقارب وجهات النظر الداخلية والخارجية في ما يتعلَّق بتأييد بعض الدول لتسمية مرشَّحٍ وعرقلة أخرى له، ولكنها لا تخرج من إطار الصراع الدولي حول الفضاء الإقليمي المحيط بالسودان ويتمثَّل ذلك في:

- تسعى فرنسا إلى إعادة هيكلة سياستها الخارجية تجاه أفريقيا بغرض استعادة نفوذها الذي فقدته نتيجةً للمتغيرات الدولية والإقليمية. وتُعدُّ هذه الإستراتيجية مزعجة بالنسبة إلى الجناح العسكري السوداني نسبةً إلى تمدُّد مصالح الفريق محمد حمدان حميدتي نائب رئيس المجلس العسكري غرباً في اتجاه المستعمرات الفرنسية، وتشابك علاقاته مع هذه الدول. ما يعني إنعاش الوجود الفرنسي فيها، مع احتمال وجود المرشح الفرنسي كمبعوثٍ في السودان تطويقاً له. ومنذ وقتٍ طويل تحرص فرنسا على استعادة وجودها العسكري في المنطقة حمايةً لمصالحها الاقتصادية المتمثِّلة في استغلال الموارد الطبيعية من الذهب والماس واليورانيوم وتوسيع السوق الأفريقية للمنتجات الفرنسية. وكذلك لحماية مصالحها الإستراتيجية بالدخول في التنافس الدولي للحصول على بعض المواقع المهمة مثل موانئ القرن الأفريقي المطلة على مستعمراتها السابقة والتي تشكِّل ممرات دولية. بالإضافة إلى تعزيز مصالحها السياسية بتوسيع قاعدتها الدبلوماسية في أفريقيا للحصول على تأييد دول القارة داخل الأمم المتحدة.

- يعود امتناع كل من روسيا والصين عن تأييد تعيين المرشَّح الفرنسي، بليارد، لرئاسة البعثة السياسية، إلى مصالح موسكو وبكين في أفريقيا. وتعدُّ أفريقيا مخزناً طبيعياً قد تكون مصدر صراع مستقبلي بين روسيا وفرنسا، خصوصاً بعد انسحاب الولايات المتحدة من شمال أفريقيا وتعزيز وجودها في أفريقيا جنوب الصحراء وصولاً إلى الممرات المائية التي تؤمن لها عبور نفط الخليج من مضيق باب المندب. فأفريقيا بالنسبة إلى هذه القوى الدولية مجال استثمارٍ وصراعٍ عليها. ومع وجود قوة أخرى هي الصين واختراقها أفريقيا جنوب الصحراء إذ دخلت الصين بثقلها في عمليات اسكتشاف وتصنيع النفط في دولٍ أفريقية منها السودان منذ بداية تسعينيات القرن الماضي. وبعدما آلت معظم آبار النفط لدولة الجنوب، تنشط الصين في دولة جنوب السودان، بالإضافة إلى استثماراتها الواسعة في وسط وشرق وغرب أفريقيا.

صرخة استغاثة

ما كان يُثارُ في الخفاء حول المبعوث الأممي بات علنياً، نظراً إلى التجارب العديدة في خلافاتٍ سابقة ولكن لم تأخذ منحىً دوليّاً. وما تشديد حمدوك على أن تكون البعثة ذات نهج مبتكر ومنسق ويتسم بالمرونة والسلاسة، وأن تحوِّل على وجه السرعة نهجها من المساعدة القائمة على المشاريع والمساعدة القصيرة الأجل إلى برمجة إنمائية طويلة الأجل وما هي إلَّا صرخة استغاثة لانتشال السودان. ولكن، تظل احتمالات نجاحها أو فشلها مرتبطة بالعامل الأشد تعقيداً وهو التوافق حول تسمية المبعوث.

قد يقود الصراع حول المبعوث كلّاً بمبرراته الخاصة إلى حسم الأمر بالعهد بقيادة البعثة إلى أيٍّ من المرشحَين، ولكن حظ هيسوم أوسع لأنَّه استطاع حصد توافق المجلس العسكري ودعم الدول الأفريقية وبعض الدول العربية. وقد كان فاعلاً أثناء مفاوضات السلام بين الحكومة السابقة والحركة الشعبية لتحرير السودان التي أفضت إلى اتفاقية السلام (نيفاشا) في عام 2005 ومهَّدت لانفصال جنوب السودان.

لن يكون في وسع حكومة حمدوك الاستمرار في الخلاف خصوصاً أنه يُتوقّع من المبعوث الأممي مواصلة ما بدأه سابقوه من الاهتمام بقضايا السودان العالقة ومسألة حقوق الإنسان وقضية دارفور. تنبع صعوبة تعيين مبعوث خاص في بلد مثل السودان من أنَّه يحفل بالقضايا والنزاعات الداخلية. وتجيء كثرة المبعوثين الأمميين تبعاً لتعدد قضايا السودان كمسرحٍ سياسيٍّ جاذب يحتاج إلى متابعة لصيقة وفورية في حالات الأزمات والتوترات. فلا يمكن غض الطرف عن قضية دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وقضية شرق السودان. وارتباط هذه القضايا بملف حقوق الإنسان والعلاقات الدولية مع السودان بناءً على احترامه هذه الحقوق بالإضافة إلى الدعم الأميركي وتلويح أميركا بديونها إلى السودان وتعليق قضية إخراجه من قائمة الدول الراعية للإرهاب. ومن المرجح أن ينزل حمدوك، على مضض، عند رغبة المجلس العسكري، مع استمراره في الاعتماد على تحالفه مع فرنسا.

خطوات ملموسة

وسط هذا النزاع المحتدم حول المبعوث الأممي، بين حمدوك والمجلس العسكري وخلف كل منهما قوى دولية، تتكشف ضرورة اختيار مبعوث يركِّز على مهمة معينة هي عدم الإنزلاق نحو دوامة العنف والصراع، ويمضي قدماً في هذه المهمة التي لن يجليها التقدم النسبي وحده. وتُعدُّ تصريحات هيسوم في موقع الأمم المتحدة كاشفةً على ما قد يؤول إليه الأمر، إذ حذَّر من أنَّه في حال ضاعت الفرصة على السودان في تكوين حكومة مدنية فمن المحتمل أن تنزلق البلاد إلى حربٍ أهلية. وأشار هيسوم إلى أنَّ "السودان يتشارك حدوداً جغرافية مع العديد من الدول الأفريقية، إضافةً إلى موقعه في وسط القرن الأفريقي، وهو إقليم متقلِّب الأوضاع، ومنطقة تعيش على الحافة". وإزاء هذا الوضع، تحتاج الحكومة السودانية إلى خطواتٍ ملموسة لاحتواء الخلاف بعدما أصبح الموقف يهدد بالتصعيد حول تسمية المبعوث وليس حول أن تكون هناك بعثة أو لا تكون.

المزيد من تحلیل