Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحكومة الجزائرية تطبق "خطة بوتين" مع رجال الأعمال

اللقاء يأتي في توقيت اقتصادي حرج بعد 4 أشهر من الحجر الصحي لمواجهة كورونا

المكان نفسه في فندق الأوراسي بالعاصمة الجزائرية، حيث يُعقد منذ عقدين لقاء الثلاثيّة الذي يضم وزراء ورجال أعمال ونقابيين، لكن الحضور ليس هو نفسه. أغلبية الحضور السابق تواجه اليوم مصيرها، فهي إما في السجن أو قيد المتابعة القضائية أو في الخارج. وعلى الرغم من الاختلاف بين الحضور السابق والحالي، بل ربما لهذا السبب، يترقب الجزائريون ما سينتج عن اللقاء.

وغابت عن اللقاء الأحاديث "الحميمية" ما بين المدعوين. فالوضع الاقتصادي الذي تمر به الجزائر لم  يسمح للوزراء ورجال الأعمال بتبادل الابتسامات و"القهقهات" كما درجت العادة خلال نظام عبد العزيز بوتفليقة. واللقاء هو الأول من نوعه منذ ستة أشهر من حكم الرئيس عبد المجيد تبون استغرقها في "اختيار" شركاء السلطة الاجتماعيين والماليين بصفات جديدة بعد سجن المئات من رجال الأعمال.

في وقت سابق، استحوذ رجل الأعمال المسجون علي حداد (18 سنة سجناً)، على الأضواء كلما شارك في لقاء "الثلاثية"، بصفته رئيس منتدى رؤساء المؤسسات. كان حداد يجلس قبالة الوزيرين الأولين السابقين، أحمد أويحيى وعبد المالك سلال، ضيفاً "فوق العادة"، يقترح حيناً ويُملي أحياناً سياسات اجتماعية تُطبق لاحقاً على عموم الجزائريين.

المشهد الجديد احتلته تمثيليات لأرباب العمل اقتحمت الساحة منذ فترة قصيرة. في مكان حداد جلس سامي عقلي. وسجلت سيدة الأعمال سعيدة نغزة حضورها بعدما كانت محل "مطاردة" قضائية قبل سقوط النظام السابق. وشاركت في اللقاء "النقابة الوطنية المستقلة لمستخدمي الإدارة العمومية"، و"المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي". وعلى الطرف الآخر رئيس "الاتحاد العام للعمال الجزائريين" سليم لباطشة، الذي شارك للمرة الأولى ممثلاً لأكبر تنظيم نقابي في البلاد خلفاً لعبد المجيد سيدي السعيد الذي شارك في جميع "الثلاثيات" منذ 1999.

المؤشرات في المستوى الأحمر

انعقاد اللقاء التشاوري الثلاثي برئاسة الوزير الأول عبد العزيز جراد، يأتي في توقيت اقتصادي حرج تواجهه الحكومة الجزائرية بعد أربعة أشهر من الحجر الصحي الجزئي في مواجهة كورونا. لذلك، بدت كلمة جراد خالية من أي "مجاملات" إزاء الوضع الراهن، كاشفاً عن مؤشرات سلبية على جميع المستويات، ما يتهدّد السلم الاجتماعي في بلاده.

وقال جراد، إن الجزائر "تشهد وضعاً غير مسبوق نتيجة الأزمة الهيكلية للحكومات السابقة وانهيار أسعار النفط والأزمة الصحية، نحن هنا لنعلن أن الدولة تتحمل مسؤوليتها وسنتخذ قرارات تكميلية للحفاظ على مناصب الشغل وحماية القدرات الإنتاجية من أخطر أزمة عرفتها بلادنا".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واعترف بأن التدابير المتخذة لـ"كبح انتشار كورونا ألحقت أضراراً كبيرة على التجارة والفندقة والأشغال العمومية وقطاع البناء والنقل البحري والجوي"، معتبراً  أن "هذا التقييم لا يتعلق بالبحث عن فرصة الوصول إلى الموارد العمومية من دون مقابل أو الحصول على امتيازات غير مستحقة، بل إن الأمر يتعلق بعملية لا بد منها، بما يسمح بتوجيه توزيع الموارد بشكل أفضل".

وترجم خطاب جراد واقعاً مُعاشاً في الجزائر منذ انتشار كورونا، إذ تتعدد شكاوى العمال عن عمليات تسريح تعسفية في القطاع الخاص، إضافة إلى المعاناة المالية الخانقة لقطاع الحرفيين، واقتراب مؤسسات تجارية حكومية من حافة الإفلاس على رأسها الخطوط الجوية الجزائرية والشركة الجزائرية للنقل البحري. لذا، دعا إلى "تقييم آثار جائحة كورونا على نحو موضوعي من دون مجاملات ومزايدات".

واستبق الوزير الأول ما هو مأمول من نتائج اللقاء، التي ستعرض على الرئيس تبون للفصل فيها بتاريخ 26 يوليو (تموز) الحالي، قائلاً، "نشتغل للتحضير لفترة ما بعد الأزمة الصحية والحفاظ لدى المؤسسات والعمال على التزام قوي في المعركة الجديدة للتقويم الاقتصادي لبلادنا".

صدمة مالية

يلاحظ المستشار في المالية والجباية أبو بكر سلامي أن "اللقاء يأتي بعد إحساس الخزينة العمومية بعدم قدرتها وحيدة على سداد تكلفة التبعات الاقتصادية لفترة الوباء"، مضيفاً، أن "الضرر المالي ستتحمله الحكومة طبعاً، لكن بمساهمة الشركاء الاجتماعيين، وإلا سنكون أمام صدمة مالية قاتلة". لذا، "عقد الوزير الأول جراد اللقاء ليبلغ الشركاء في النقابات والمؤسسات الاقتصادية العمومية والخاصة أن الخزينة العمومية على استعداد للتكفل بالكلفة المالية الاستثنائية، لكنها بحاجة إلى إسهامهم في إنقاذ مئات المؤسسات".

وبعدما توقع مراقبون صدمة مالية جديدة على الاقتصاد الجزائري ما بعد كورونا، وافقت أرقام قدمها وزير المالية خلال اللقاء تلك التوقعات. ففي جرد للشركات التي تضررت وردت مليارات الدينارات في شكل أعباء غير متوقعة مطلع العام الحالي، وجهت إلى وزارة الصحة لشراء الأدوية والمعدات الطبية والتعويضات الاستثنائية لعمال الصحة والداخلية ومساعدة العائلات المعوزة والمتضررة، بالإضافة إلى كلفة إجلاء الجزائريين من الخارج.

وعلى هذا الأساس، يصف أستاذ العلوم السياسية عبد السلام مرابط لـ"اندبندت عربية" لقاء الثلاثية بـ"خطة بوتين" في روسيا خلال السنوات الأولى من حكمه. "جراد كأنه يُلزم الشركات والمؤسسات العمومية والخاصة بتحمل مسؤولياتها تجاه الخزينة العمومية، لقد استقبلهم ليبلغهم أن فترة التعويل على الريع البنكي قد ولّى. وفي لغته ما يشبه إجبار الشركاء الاجتماعيين على تحمل مسؤولياتهم قياساً بما يرد من تقارير عن تعسف في التعامل مع القرارات الحمائية لمصلحة العمال، التي أقرتها الحكومة في فترة كورونا ولم تُحترم في الغالب".

يضيف مرابط، أن "الوضعية الاقتصادية كانت ضمن مؤشرات حمراء مطلع العام الحالي، لذلك تمت مراجعة قانون المالية لهذه السنة بعد شهرين فقط من دخوله حيز التنفيذ وإقرار قانون مالية تكميلي"، متوقّعاً أن "تلجأ الحكومة إلى خطوة لم يسبق لها مثيل منذ الاستقلال، وهي إقرار قانون مالية تكميلي لمواءمة الوضعية المالية مع التطورات الجديدة".

المزيد من العالم العربي