Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

محاولة توريث مؤجلة تشعل الشوارع في مالي

أهم التداعيات المرصودة في نتائج الحراك المعارض هو القلق الدولي خصوصاً الفرنسي

متظاهرون ماليون يتجمّعون في ساحة الاستقلال للمطالبة بمغادرة الرئيس المالي إبراهيم أبو بكر كيتا منصبه (أ ف ب)

يبدو أن محاولات توريث نظم الحكم تقع على قمة الأسباب التي تستثير الشعوب وتدفعها إلى الشوارع ضد أي رئيس مهما كانت قدراته في هندسة هذا التوريث، وجدولته، بل وطبخه على نار هادئة، ربما للنجاة من الاحتجاج ضده، وربما إسقاطه.

آخر مشهد احتجاجي كبير ومؤثر أنطلق من دولة مالي أقصى غرب القارة الأفريقية، التي تعاني من عدم استقرار سياسي منذ ما يربو على عقدين.

المشهد الاحتجاجي المتصاعد في مالي له معطيات موضوعية، وله تداعيات مقلقة على أمن دول الساحل الأفريقي، وأيضاً على فرنسا الدولة ذات النفوذ الواسع هناك، والتي تورطت في تدخل عسكري عام 2013 كان المأمول منه إقرار استقرار سياسي ومصالحة وطنية في مالي، ولكنه فشل في تحقيق الهدفين معاً نظراً لما يشكله أي تدخل عسكري أجنبي من مشروعية للمقاومة المحلية، وهي التي تقوم بها غالباً الميليشيات المتطرفة إسلامياً.

معطيات الحراك الشعبي في مالي يحركها عدد من الأسباب ربما يكون أهمها محاولة توريث للحكم يقوم بها الرئيس إبراهيم أبو بكر كيتا لصالح ابنه كريم، حيث تم تعيين رئيس للبرلمان في باماكو من خارج الحزب الحاكم، ولكنه صديق نجل الرئيس والذي ربما يكون رئيساً للبلاد عام 2023 طبقاً لهندسة والده في أن يقود البرلمان رئيسه وصديق نجله في ترشيح كريم أبو بكر كيتا لرئاسة مالي.

كما يقع من ضمن الأسباب فشل الحكومة في إقرار الأمن والاستقرار السياسي، ففضلاً عن تغول الحركات الإسلامية المتطرفة في شمال البلاد والتي تتحالف مع حركة قومية "الأزاود" وهذا التحالف يقود هجمات منتظمة على وسط البلاد كان آخر ضحاياها وقوع 134 قتيلاً من قبيلة الفولاني بقريتي أوجوساجو وويلينجارا في رسالة عنف واضحة لبعثة مجلس الأمن التي كانت تزور مالي في محاولة لإيجاد حلول للعنف الذي أودي بحياة مئات المدنيين خلال عام 2019 فقط.

في هذا السياق لا يمكن إهمال عوامل التهميش التنموي والتنوع العرقي كعوامل رئيسية ممتدة تسهم بشكل فعال في عدم الاستقرار على مدى عقود زمنية، حيث قام الطوارق بحركات تمرّد متكرّرة، نتيجة التفاوت الاقتصادي والاجتماعي بين إقليمَي مالي الرئيسين (الشمال والجنوب) وشعور سكّان الشمال وفي مقدّمهم الطوارق بأن البرامج التنموية هي من نصيب الإقليم الجنوبي فقط.

وفي ما يخص الإندماج الوطني فهو مفقود في مالي نتيجة التنوع الإثني وهيمنة إثنية واحدة على مقاليد الحكم منذ الاستقلال، ما عزّز الشعور بعدم الانتماء لدى الطوارق والأقلّيات الإثنية الأخرى في الشمال التي أصبحت تنظر إلى الدولة كممثّلة لمجموعةٍ إثنية أو قبلية تهيمن على بقية الإثنيات والقبائل. فالدولة بالنسبة إليهم ليست سوى إثنية "البومبارا"، وعلى ذلك فهي غير ممثلة لهم ولا لطموحاتهم، وهو وضع مأزوم نجده متكرراً في معظم دول وسط أفريقيا مثل السودان ونيجيريا.

في هذا السياق فإن المحركات الحديثة للحراك الشعبي المعارض يتمثل في قيام الرئيس كيتا بفك تحالفه السياسي مع الشيخ محمود ديكو، وهو رجل لديه قواعد إجتماعية وسياسية ويحتل موقعاً مركزياً في المشهد السياسي بمالي، كما أنه يملك نفوذاً دينياً هائلاً، وتصنفه بعض الجهات بأنه وهابي متشدد، خصوصاً أنه قد أسقط مشروعات قوانين للأحوال الشخصية في مالي، كانت تعطي بعض الحقوق للمرأة. وفضلاً عن كل ذلك فإن الشيخ ديكو دعم الرئيس كيتا في الانتخابات الرئاسية الماضية عام 2013، وذلك بشروط حددها الشيخ في محاربة الإرهاب وضمان توفير الأمن والاستقرار للناس وحل الأزمة الاقتصادية، وانطلاقاً من هذه الشروط بدأ حواراً وطنياً في مالي انتهي إلى مخرجات محددة في ديسمبر (كانون الأول) 2019، لكن نتائج الحوار الوطني لم ينفذها الرئيس بل قفز عليها فعلياً، في مشهد مماثل لما جري في السودان مع الرئيس المخلوع عمر البشير.حيث انطلق الرئيس المالي أبو بكر كيتا - من دون انتباه لرد الفعل الشعبي -لهندسة وراثة نظام الحكم، وكذلك أقال الشيخ ديكو من رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى معلناً بذلك نهاية للتحالف بين الرئيس والشيخ حيث لم يكن من الممكن فوز كيتا بالانتخابات من دون هذا الدعم الذي قدمه محمود ديكو.

وقد لجأ الرئيس إجرائياً، لتحقيق أهدافه السياسية وتمهيد الطريق أمام توريث نجله، إلى إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية التي أجريت في مارس (آذار) الماضي بحكم من المحكمة الدستورية العليا، وهو الأمر الذي جعل المحكمة ورئيسها هدفاً للحراك من حيث المطالبة بحلها.

في هذا السياق تم تشكيل تحالف معارض يسمى الخامس من يونيو (حزيران) وهو حراك متنوع يضم رجال دين، ورجال أعمال، وشخصيات سياسية من الوزراء السابقين، ومن المجتمع المدني، وقد بدأ حراك الخامس من يونيو، مرحلة "العصيان المدني" وتبلورت مطالبها في حل البرلمان وحل المحكمة الدستورية بعدما ألغت نتائج الانتخابات التشريعية المتنازع عليها وكذلك تشكيل حكومة جديدة إضافة إلى تنحي الرئيس.

في المقابل، فإن الحكومة المالية حاولت تطويق الحراك المعارض لها وذلك باعتقالات لنشطاء سياسيين فضحوا فساد أسرة الرئيس، واعترضوا على موافقة البرلمان على قانون يتيح مراقبة الإنترنت، والحسابات الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي، وطالبوا بإقالة رئيس المحكمة الستورية العليا مانساو داينغوا الممالئ للسلطة التنفيذية.

وعلى صعيد الملف الاقتصادي فإن مالي تقع في سلة الدول الأفقر في العالم، وتعتمد بنسبة كبيرة على المساعدات الخارجية، خصوصاً من فرنسا، وتعد الزراعة العمود الفقري للاقتصاد حيث يعمل بها 80 في المئة من السكان، كما يشتغلون بصيد الأسماك.

وعلى الرغم من الموارد الطبيعية الكبيرة في مالي، خصوصاً من المعادن واليورانيوم، فإن معدّل النمو السنوي لا يتجاوز 2.7 في المئة، و70 في المئة من السكان هم أميون ولا يلتحق بالمدارس سوي 27 في المئة فقط من الأطفال. وبطبيعة الحال يعاني السكان من تَدنّي مستوي المعيشة والرعاية الصحية، حيث يقلّ متوسط العمر المتوقع عن 50 سنة، ويموت حوالى نصف الأطفال حديثي الولادة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي ما يتعلق بالعلاقة مع فرنسا، ففضلاً عن فشل التدخل العسكري الفرنسي بعملية برخان في تحقيق استقرار سياسي بمالي، فإنه من الواضح أن لعملية التدخل العسكري أهدافاً في ضمان النفوذ الفرنسي بمالي حيث أن الشركات الفرنسية تسيطر على 65 في المئة من قطاع الخدمات، و 20 في المئة في التجارة، و15 في المئة في قطاع الصناعة. ولعل ذلك الوضع هو ما يجعل مسألة العلاقة مع فرنسا في مالي على أجندة الحراك المعارض للحكومة من حيث إدراك عدم فاعليته في تحقيق تقدم أمني واستقرار سياسي بالبلاد، بينما تستفيد منه فقط النخب الحاكمة على حساب الشعب المالي.

أهم التداعيات المرصودة في نتائج الحراك المعارض هو القلق الدولي، خصوصاً الفرنسي، وذلك تحسباً لأحد سيناريوهين، الأول هو سيطرة الجناح المتشدد التابع للشيخ محمود ديكو على المشهد السياسي في المرحلة المقبلة، أو انفلات الأوضاع في مالي إلى حد الفوضى، خصوصاً مع هشاشة النظام السياسي. وأي من السيناريوهين له تداعيات سلبية على الأمن الإقليمي في منطقة الساحل بأكملها، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار الأوضاع الأمنية المتردية في ليبيا، التي انعكست على مالي مباشرة بعد سقوط القذافي، وهو ما كان قد حذر منه الرئيس المالي السابق في مقال مشهور بجريدة "الحياة" التي كانت تصدر من لندن.

ولعل هذا القلق هو ما يدفع حالياً المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، لمطالبة الرئيس أبو بكر كيتا بإعادة جانب من الانتخابات المتنازع على نتائجها، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، في محاولة لاحتواء الوضع المتردي وحماية الدولة من الوقوع في أيدي العناصر المتطرفة أو انهيارها الكامل، خصوصاً مع فاعلية جماعة أنصار الشريعة في منطقة غاوة، ولكن حتى الآن لم يستجب الرئيس أبو بكر كيتا لمطلب الإيكواس، الذي يبدو أنه أساسي لتهدئة الأوضاع في مالي، ويلجأ الرئيس إلى الاستجابة لمطالب محدودة لا تؤثر في مشروعه في توريث الحكم لنجله، ومن ذلك محاولة احتواء الحراك المعارض بالإفراج عن الناشطين السياسين، والاستجابة لحل المحكمة الدستورية، ولكنه لم يستجب لمطلب حل الحكومة وجدد ثقته برئيس وزرائه بوبو سيسيه.

وتبدو هذه الإستجابة المحدودة في تقديرنا من جانب الرئيس المالي سبباً في استمرار القلائل في مالي لفترة ليست بالقصيرة.

المزيد من تحلیل