ملخص
واصلت مسيّرات "الدعم السريع" فجر اليوم الإثنين، الثامن على التوالي، هجماتها الجوية واستهدفت منشآت للكهرباء ومواقع أخرى في مدينتي حلفا الجديدة وأروما بولاية كسلا شرق البلاد.
شهدت التطورات العسكرية والسياسية في السودان أمس الأحد تصعيداً ميدانياً لافتاً، تمثّل في اشتداد حرب المسيّرات واستهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية، بالتزامن مع تصريحات سياسية وعسكرية تؤكد استمرار العمليات العسكرية وتدويل النزاع المستمر في البلاد لأكثر من ثلاثة أعوام ونصف العام بين الجيش وقوات "الدعم السريع".
وفي إطار هذه التطورات، رفعت الحكومة السودانية من حدة نبرتها متهمة إثيوبيا بالمسؤولية الدولية عن تسيير هجمات بمسيّرات عابرة للحدود، انطلقت من أراضيها واستهدفت مناطق في النيل الأزرق وغرب البلاد وجنوبها، وبحسب وزارة الخارجية فإن الحكومة أودعت شكوى رسمية ضد أديس أبابا لدى مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الأفريقي، على خلفية هجمات بطائرات مسيّرة قالت إنها انطلقت من الأراضي الإثيوبية، واستهدفت مواقع مدنية ومحطات كهرباء في عدد من الولايات السودانية.
وقالت الخارجية، في بيان، إن "الهجمات أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين وتعطيل خدمات ضرورية للمواطنين"، مشيرة إلى أن الشكوى تضمنت وثائق ومستندات تثبت استخدام "الدعم السريع" الأراضي الإثيوبية لإطلاق طائرات مسيّرة انتحارية ومزودة بصواريخ، استهدفت أعياناً مدنية ومرافق حيوية داخل السودان، مشيرة إلى أن استخدام الأراضي الإثيوبية في تنفيذ هذه الهجمات يمثل عملاً عدائياً، ويضع إثيوبيا أمام مسؤولياتها بموجب القانون الدولي.
وطالبت الحكومة السودانية إثيوبيا بوقف ما وصفته بالأعمال العدائية، ودعت المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات لمحاسبة "الدعم السريع"، وضمان تطبيق القانون الدولي على أديس أبابا.
82 قذيفة
وفي وقت سابق، قدّمت الحكومة السودانية تقريراً إلى البعثات الدبلوماسية في البلاد، متضمناً معلومات عن نشاط طائرات مسيّرة انطلقت من إثيوبيا، وتسببت في خسائر بشرية وأضرار طاولت أجزاء من البنية التحتية للكهرباء والوقود، وكشف التقرير عن أن الطائرات المسيّرة أطلقت 82 قذيفة، مصدرها طائرات إستراتيجية، خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وسجّل 28 حادثة داخل الأراضي السودانية، ورصد 97 طائرة مسيّرة، فضلاً عن مقتل 484 مدنياً و167 عسكرياً، وإصابة 200 شخص.
كما رصد التقرير 70 هجوماً خلال الفترة الممتدة من 15 فبراير (شباط) إلى 27 أكتوبر عام 2026، قال إنها انطلقت من مناطق داخل الأراضي الإثيوبية، منوهاً إلى امتلاك الحكومة السودانية أدلة على استخدام طائرات "بيرقدار - أكينجي" وتشغيلها من قاعدة بحر دار الإثيوبية، كما أشار إلى تقديم حطام الطائرات التي أسقطها الجيش السوداني، بهدف تحديد سلاسل التوريد وسجلات الشركات المصنعة، والتحقق مما إذا كانت تلك الشركات على علم بأي خرق في استخدام منتجاتها العسكرية، وأكد التقرير أن منصات إطلاق هذه المسيرات تمتد بين مطارات في أصوصا وبحر دار الإثيوبيتين، ومناطق قيسان والكرمك على الحدود السودانية - الإثيوبية.
استهداف متواصل
وواصلت مسيّرات "الدعم السريع" فجر اليوم الإثنين، الثامن على التوالي، هجماتها الجوية واستهدفت منشآت للكهرباء ومواقع أخرى في مدينتي حلفا الجديدة وأروما بولاية كسلا شرق البلاد، وأظهرت مقاطع فيديو مصورة جرى تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، تصاعد ألسنة اللهب في سماء المدينتين، لكن لم يتضح حتى اللحظة حجم الأضرار في المحطتين.
وتعرضت أمس الأحد محطتا كهرباء مدينتي أبو حمد والدبة بولايتي نهر النيل والشمالية، شمال السودان، لاستهداف مماثل، ووفقاً لمصادر ميدانية، فإن محطة كهرباء أبو حمد كانت خارج الخدمة منذ فترة طويلة قبل استهدافها، بينما أسفر الهجوم على محطة كهرباء الدبة عن تدمير محطة الكهرباء التحويلية واشتعال النيران فيها، ما أدى إلى انقطاع كامل للتيار الكهربائي عن المدينة، وكذلك طاول الهجوم أيضاً مقر اللواء (76) ومحطتين للوقود داخل المدينة، وسمع مواطنون في الدبة دوي انفجارات قوية في مواقع عدة، وشاهدوا ألسنة اللهب تتصاعد من محطة الكهرباء.
هدنة انسانية
وأوضحت مجموعة "محامو الطوارئ" أن "عدد محطات تحويل الكهرباء المستهدفة في السودان ارتفع إلى 15 محطة خلال أكتوبر الماضي، عقب استهداف محطتي الدبة وأبو حمد"، وقالت المجموعة، في بيان إن "هذه الهجمات تسببت في تعطيل إمدادات الكهرباء والمياه، وأثرت في عمل المرافق الصحية، وإمكان حفظ الأدوية والأغذية، فضلاً عن تعطيل الأنشطة الإنتاجية والتجارية"، مشيرة إلى أن تضرر الخدمات الأساسية دفع السكان إلى الاعتماد على بدائل مرتفعة الكلفة لتأمين حاجاتهم، مما أسهم في ارتفاع أسعار السلع والخدمات وزيادة الأعباء المعيشية، وطالبت المجموعة بإقرار هدنة إنسانية فورية وشاملة، تضمن وقف الأعمال العدائية وحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات، إضافة إلى وقف استهداف محطات الكهرباء ومنشآت الوقود وسائر الأعيان المدنية، ودعت إلى إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة ومحاسبة المسؤولين عن الهجمات، واتخاذ تدابير عاجلة لاستعادة الخدمات الأساسية وحماية المنشآت الحيوية.
غارات مكثفة
وفي محور دارفور، واصل سلاح الجو التابع للجيش شن غارات شبه يومية ومكثفة، استهدفت تجمعات ومواقع وتعزيزات تابعة للجماعة على المحاور والمسارات الإستراتيجية في الاقليم، وبحسب مصادر عسكرية، فإن منطقة الحارة بمحلية المالحة في ولاية شمال دارفور، التي تخضع لسيطرة "الدعم السريع"، شهدت غارات جوية شنتها مسيّرات تتبع الجيش في إطار عملياته التي تهدف إلى ملاحقة عناصر الجماعة، وقطع خطوط إمدادها، مما أدى إلى مقتل شخصين، وقد تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة من جانب أطراف النزاع، إذ باتت وسيلة متكررة لاستهداف مواقع عسكرية ومناطق مأهولة بالسكان في عدد من الولايات.
من ناحيته، حذّر "مجلس تنسيق غرف طوارئ محلية المالحة" من تفاقم الأوضاع الإنسانية بالمحلية، في ظل موجات نزوح داخلي من المناطق الشمالية وتدهور الأوضاع المعيشية، وقال في نداء عاجل إن "المحلية تواجه تداعيات موجات الجفاف ونقص المواد التموينية"، مشيراً إلى أن فشل الموسم الزراعي لهذا العام فاقم الأزمة، وترك أعداداً كبيرة من السكان عاجزين عن توفير الغذاء وحاجاتهم الأساسية.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تتزايد المخاوف من تفاقم انعدام الأمن الغذائي في أجزاء من إقليمي دارفور وكردفان، إذ نبهت تقارير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، في أكتوبر الماضي، من ارتفاع أخطار الجوع في مناطق متأثرة بالنزاع والنزوح والجفاف، بالتزامن مع نقص التمويل الإنساني.
موجة نزوح
في الأثناء، أشارت "المنظمة الدولية للهجرة" إلى نزوح نحو 2000 شخص من عدد من القرى في محليتي كرنوي وأمبرو بولاية شمال دارفور بين الـ 29 والـ 31 من أكتوبر الماضي، جراء تدهور الأوضاع الأمنية، في وقت لجأ بعض الأسر النازحة إلى عبور الحدود نحو تشاد، وذكرت المنظمة في تقرير أن "فرقها الميدانية قدرت نزوح 850 شخصاً من بلدتين في محلية كرنوي في الـ 31 من أكتوبر الماضي، حيث انتقلت الأسر المتضررة إلى مواقع أخرى داخل محليتي كرنوي والطينة، في وقت عبر بعضهم الحدود إلى تشاد"، لافتة إلى أن فرقها رصدت أيضاً نزوح 1150 شخصاً إضافياً من قرى محلية أمبرو بين الـ 29 والـ 31 من أكتوبر الماضي، بسبب تزايد انعدام الأمن.
وأوضحت المنظمة أن الأسر النازحة من قرى أم برو انتقلت إلى مواقع أخرى داخل المحلية أو عبرت الحدود إلى تشاد، مشيرة إلى أن هذه الموجة من النزوح جاءت عقب حادثة أخرى أُبلغ عنها في الـ 24 من أكتوبر الماضي، وبذلك بلغ إجمال الأشخاص الذين نزحوا من محليتي كرنوي وأم برو نحو 2000 شخص خلال ثلاثة أيام، وفق تقديرات المنظمة الدولية للهجرة.
وتشهد مناطق كرنوي وأمبرو بولاية شمال دارفور هجمات مستمرة لقوات "الدعم السريع"، التي تطمح لفرض سيطرتها على الجيوب الأخيرة داخل إقليم دارفور، التي لا تزال توجد فيها قوات مساندة للجيش.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اشتباكات وقصف
وفي موازاة ذلك، شهدت مناطق البركة وجبل النمر بإقليم النيل الأزرق اشتباكات وهجمات منسوبة لـ "الدعم السريع" والحركة الشعبية - شمال أدت إلى موجات نزوح محلية، وأشارت الحركة إلى مقتل خمسة مدنيين وإصابة أربعة آخرين بقصف مسيّرة تتبع الجيش على منطقة بليلة في محافظة الكرمك المتاخمة للحدود مع إثيوبيا، وقالت الحركة في بيان إن القصف "أدى إلى تدمير مركز تجاري في المنطقة"، مشيرة إلى موجة من الاستهدافات المتكررة من قبل الطيران المسيّر التابع للجيش، وهو ما عرّض مناطق مأهولة بالسكان في الإقليم للخطر.
ويشهد إقليم النيل الأزرق اشتباكات مستمرة بين الجيش من جهة و"الدعم السريع" والحركة الشعبية من جهة أخرى، ويتبادل أطراف النزاع السيطرة على عدد من المواقع، وسط حركة نزوح واسعة وتدهور مريع في الأوضاع الإنسانية.
تقدم ميداني
في السياق، تميزت الأوضاع العسكرية في إقليم كردفان باستمرار تقدم الجيش ميدانياً وتوسيع نطاق سيطرته، تزامناً مع تراجع دفاعات "الدعم السريع" وضرب خطوط إمدادها، وبحسب مصادر عسكرية فإن وحدات الجيش والتشكيلات المساندة له واصلت ملاحقة عناصر الجماعة في محور شمال كردفان، واستهداف خطوط إمدادها، ومواقع تمركزها بصورة مكثفة، وكذلك أفادت المصادر ذاتها بأن المقاتلات الحربية والمسيّرات التابعة للجيش كثفت غاراتها الجوية في عدد من المناطق في ولاية غرب كردفان، بخاصة أبو زبد، مستهدفة تجمعات وثكنات الجماعة.
ورأى مراقبون عسكريون أن الجيش يسير وفق خطة عسكرية منسقة، تهدف إلى إعلان إقليم كردفان كاملاً تحت السيطرة، بينما تلجأ "الدعم السريع" للتصعيد الموازي عبر الطائرات المسيّرة في جبهات أخرى بعيدة، لتعويض تراجعها الميداني في محاور كردفان.
تشغيل حقول هجليج
وفي هذا الوقت، أفادت تقارير صحافية بأن "الدعم السريع" أرسلت وفداً لمراجعة الأضرار التي لحقت بحقول نيم وكنار ودفرة في منطقة هجليج بولاية غرب كردفان، تمهيداً لبدء عمليات الصيانة والتشغيل، مشيرة إلى أن الأضرار التي لحقت بالحقول لم تكن كبيرة، مما يسمح للشركات المتعاقدة من الداخل بتنفيذ أعمال الترميم.
وتقع الحقول مجتمعة ضمن نطاق المربع النفطي رقم (4) بولاية غرب كردفان، وتُدار عملياتها التشغيلية تحت مظلة امتيازات شركات البترول الكبرى المرتبطة بمنشآت هجليج، وراوحت معدلات إنتاج حقل نيم ما بين 24 و30 ألف برميل يومياً، وصولاً إلى مستويات أعلى في فترات الذروة، بينما ينتج حقل دفرة ما بين 2000 و 3 آلاف برميل يومياً، ويعمل كمحطة ضخ رئيسة مرتبطة بحقل نيم المجاور، وفي الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2025، سيطرت "الدعم السريع" على حقول هجليج التي تضم نحو 75 بئراً نفطية موزعة على مربعات إنتاج عدة، وتحوي محطة المعالجة المركزية لنفط غرب كردفان وجنوب السودان.