Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هذا هو شرط فرنسا لمساعدة لبنان المهدد بالانهيار

باريس ترى أن المطلوب العمل على إحلال الشفافية الاقتصادية والديمومة المالية ومكافحة الفساد وضمان استقلالية القضاء

"اسمح لنفسي أن أقول لأصدقائنا اللبنانيين أننا حقا مستعدون لمساعدتكم ولكن ساعدونا على مساعدتكم" (أ ف ب)

أبرز ما يستوقف في الكلام الأخير لوزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان عن لبنان هو استخدامه عبارة "bon sang" اللعنة، وهي عبارة غير مألوفة في اللغة الدبلوماسية، وورودها على لسان لودريان في سياق حديثه خلال جلسة استماع عقدها مجلس الشيوخ الفرنسي للاستيضاح حول الأزمة التي يواجهها لبنان لم يكن زلّة لسان بل تعبير عن الحنق والخيبة اللتين تواجههما الدبلوماسية الفرنسية في تعاملها مع الأزمة اللبنانية وتخوّفها من خطورتها.

وما قاله الوزير الفرنسي تحديداً هو التالي: لبنان مهدّد اليوم بالانهيار وعلى السلطات اللبنانية أن تتدارك الأمر ولذا "أسمح لنفسي بأن أقول لأصدقائنا اللبنانيين إننا حقاً مستعدون لمساعدتكم ولكن ساعدونا على مساعدتكم، اللعنة".

عتب فرنسي

وعلى غرار المريض الذي يرفض العلاج المتوجّب لشفائه، أراد لودريان أن يُبلغ السلطات اللبنانية عتبه حيال عدم تجاوبها ومماطلتها مع ما هو مطلوب منها لوضع البلد على سكّة الخروج من الضائقة الخانقة التي تواجهها، ولفت وزير خارجية فرنسا إلى أن الإصلاحات التي تعهّد رئيس الحكومة اللبناني حسان دياب بتنفيذها لم تطبّق حتى الآن، وأن هذه الحكومة تعرف جيداً ما يتوجب القيام به لتأمين الشفافية ومكافحة الفساد وإصلاح النظام المصرفي وتأمين الكهرباء "لكن شيئاً لم يتحقق" حتى الآن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وجميع هذه العناصر خالية من أي جديد وهي معروفة جيداً من قبل الطرف اللبناني خصوصاً أن فرنسا لم تكفّ عن تأكيدها مراراً وتكراراً باعتبارها الشرط الضروري الذي يتيح لها تعبئة الشركاء الدوليين وحملهم على مساعدة لبنان، ومعروف أن المجموعة الدولية لدعم لبنان التي اجتمعت في باريس في 11 ديسمبر (كانون الأول) عام 2019  أقرّت خطة شاملة ومتكاملة للنهوض بالوضع اللبناني شرط إنجاز مجموعة من الإصلاحات الحيوية التي يتعذر من دونها استفادة لبنان من الدعم المالي الذي رصدته له.

الكرة في ملعب لبنان

واعتبرت فرنسا في حينه أنه على ضوء هذه الخطة، فالكرة باتت في ملعب اللبنانيين الذين يتوجب عليهم التقاطها والنهوض من حالة الاهتراء المتراكمة اقتصادياً واجتماعياً منذ عقود، لكن أوساطاً دبلوماسية فرنسية أبدت في حينه شكها في رغبة اللبنانيين في الاستفادة ممّا ترتّب على المبادرة الفرنسية بسبب التجاذبات والتناقضات القائمة بين مكوّنات السلطة وغياب الإرادة الفعلية باجتثاث الفساد والإصلاح.

وأثبتت التطورات التي أعقبت اجتماع المجموعة الدولية بأن هذا التشكيك كان بمكانه، لكن فرنسا قرّرت اعتماد أسلوب الإقناع من خلال التمسّك بمقرّرات المجموعة الدولية وتأكيدها على مسمع المسؤولين اللبنانيين في شتى المناسبات.

فعندما شكّل دياب حكومته أكد لودريان أن على هذه الحكومة "الردّ على التطلعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يعبّر عنها اللبنانيون"، وكرّر أن المطلوب في هذا السياق هو العمل على إحلال الشفافية الاقتصادية والديمومة الاقتصادية والمالية ومكافحة الفساد وضمان استقلالية القضاء.

غياب الإصلاح

الموقف نفسه، عاد الوزير الفرنسي وأكده على مسمع وزير الخارجية اللبناني ناصيف حتي خلال زيارة قام بها إلى باريس في فبراير (شباط) الماضي لافتاً إلى تعذّر حصول لبنان على أي دعم جديد فرنسيّ أو دوليّ في غياب الإصلاح، وجدّد التأكيد في حينه على جاهزية فرنسا لمواكبة لبنان على درب الإصلاحات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية اللازمة لحل الأزمة، وكذلك الأمر خلال اتصال هاتفي جرى في يونيو (حزيران) الماضي بين دياب ولودريان الذي أكد ضرورة اتخاذ لبنان إجراءات "ملموسة وسريعة وذات صدقية للردّ على تطلّعات الشعب اللبناني وإعادة إحلال الثقة باقتصاد البلاد".

وواكب هذا التكرار المملّ كلام دبلوماسي مفاده بأن على لبنان أن يدرك أنه من المتعذّر استمرار فرنسا والمجموعة الدولية بتقديم الدعم له بمنأى عن أي مقابل وأي ضمانات حول حسن استخدام هذا الدعم، وإذا أراد اللبنانيون الحصول على مساعدة الآخرين فما عليهم إلا أن يبدؤوا بمساعدة أنفسهم.

لكن الأوضاع ازدادت تفاقماً بشكل مروّع على المستويات كافة، وتبدو الأبواب شبه موصدة أمام السلطات اللبنانية كون الأسرة الدولية ترفض تقديم مساعدات لا تؤدي إلى أيّ تحسّن جوهريّ على صعيد معيشة المواطنين، وكون المفاوضات مع صندوق النقد الدولي متعثرة، وفي هذا السياق باتت السلطات الفرنسية مدركة خطورة الوضع اللبناني وتطوراته المحتملة وهو ما حمل لودريان إلى رفع النبرة خلال حديثه في مجلس الشيوخ آملاً في صدمة قد تحضّ المسؤولين اللبنانيين على المبادرة لتفادي التداعيات المؤلمة المحدقة باللبنانيين.

بين فرنسا ولبنان

ومن منطلق الإصرار على العلاقة الفريدة القائمة بين فرنسا ولبنان، أعلن لودريان عن زيارة يعتزم القيام بها إلى بيروت في موعد لم يحدّد بعد، وفي هذا السياق أشارت أوساط دبلوماسية في باريس إلى أن الزيارة تعني بالطبع أن فرنسا ليست بصدد سحب يدها من لبنان وأنها مستمرة في محاولاتها وضع السلطات اللبنانية أمام مسؤولياتها وحثّها على التحرّك، وفرنسا وفقاً لهذه الأوساط، لا تملك عصا سحرية لحل المشكلات التي يعاني منها لبنان وهي بحاجة إلى يقظة من قبل المسؤولين لمساعدتها على دفع أوضاعهم باتجاه الحلحلة.

من هذا المنطلق ذكرت أن موعد زيارة وزير خارجية فرنسا لم يحدّد بعد لأن أهداف الزيارة هي حالياً قيد الدرس كون فرنسا تحرص على عدم إثارة أي آمال مغلوطة لدى اللبنانيين أو أي التباس، وأكدت بما لا يترك مجالاً للشك أن الإطار العام للزيارة حدّده لودريان عبر كلامه في مجلس الشيوخ وجوهره أن زمام المبادرة في أيدي اللبنانيين أنفسهم وما من أحد يمكنه الحلول محلّهم على هذا الصعيد.

المزيد من تحلیل