Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا لو كان النفط ملكية خاصة في الخليج؟

حتى في الولايات المتحدة تدخلت الحكومة وحددت الإنتاج

الملكية العامة للموارد النفطية أفضل من الملكية الخاصة (رويترز)

تأتيني أسئلة كثيرة عبر البريد الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي وفي الجلسات العامة والخاصة، وجزء لا بأس منه أسئلة افتراضية.

منطقياً، المفروض أن لا أجيب عن الأسئلة الافتراضية، إلاّ أنّ عدم الإجابة عنها وتوضيح بعض الأمور يؤديان إلى انتشار معلومات ونظريات خاطئة. من هذا المنطلق، أجيب عن السؤال الآتي:

ماذا لو كان النفط ملكية خاصة في الخليج، مثل الولايات المتحدة الأميركية حيث يملك كل شخص النفط الذي تحت أرضه، ماذا يحصل في أسواق النفط، أليس هذا أفضل للناس؟

بدايةً، يجب التذكير بأنّ النفط في دول الخليج كان تاريخياً ملكية خاصة لشركات النفط الأجنبية التي حصلت على امتيازات من المشايخ والحكومات المحلية للتنقيب عنه في المنطقة. وكانت سيطرة الشركات كاملة وقوية. إلّا أنّ تأميم محمد مصدق النفط في إيران في 1951، ثم تأميم جمال عبد الناصر قناة السويس في 1956، غيّرا موازين القوى في المنطقة وأعطى السلطات المحلية دوراً أكبر، خصوصاً بعد زيارة وفد فنزويلي بعض الدول العربية لشرح إنجازات الفنزويليين في تحصيل بعض حقوقهم من شركات النفط العالمية، خصوصاً موضوع تقسيم الأرباح 50 في المئة – 50 في المئة.  وبدأت شركات النفط الأجنبية تعيد حساباتها في وجه المطالبة المحلية بحصّة أفضل بعد تأميم ليبيا والعراق لشركات النفط الأجنبية، فكان أمام دول الخليج خياران: التأميم المباشر كما حصل في ليبيا والعراق، أو المشاركة مع هذه الشركات وشراؤها تدريجاً.  واختارت الدول الخليجية الخيار الثاني، ما سمح لهذه الشركات بالبقاء من خلال عقود خدمات والاستفادة من خبراتها وتقنيتها، على عكس عمليات التأميم التي نتج منها طرد الشركات مباشرة، ونتجت منه مشكلات إدارية وفنية كثيرة.

وبغض النظر عن الخلاف الشرعي حول موضوع تملّك النفط ملكية خاصة أو لا (يصنف شرعاً على أنه من المعادن الجارية)، فإن الملكية الخاصة للموارد النفطية مثل ما هي الحال في الولايات المتحدة يؤدي إلى انخفاض كبير ولفترات طويلة في أسعار النفط. ونتجت من الملكية الخاصة للنفط في الولايات المتحدة، خصوصاً في نهاية العشرينيات وأوائل الثلاثينيات من القرن العشرين، خسائر ضخمة وهدر للموارد، وانخفاض في الكفاءة ودمار بيئي كبير، ما استلزم تدخلاً حكومياً انتهى بدخول الشرطة والحرس الوطني إلى حقول النفط والسيطرة عليها لإجبار المنتجين على وقف الإنتاج. كذلك، نتجت منها سيطرة كاملة لمفوضية سكة حديد تكساس ومفوضية الشركات في أوكلاهوما على قرارات الإنتاج، على الرغم من أنه ملكية خاصة! ورأينا أخيراً كيف طالبت شركتا بايونيير وبارسلي، وهما من كبار شركات الصخري في حقل برميان في غرب تكساس، مفوضية سكة حديد تكساس بالتدخل وإجبار المنتجين على خفض الإنتاج. إذاً، حتى في الولايات المتحدة حيث تُعتبر الملكية الخاصة حقّاً مقدساً تدخّلت الحكومة وحدّدت إنتاج النفط!

في حالة الملكية الخاصة، المالك يحصل من الشركات على ريع، ولكن هذا الريع يأتي بعد دفع زكاة المعادن المنصوص عليه شرعاً بحسب المذهب المتَّبَع في البلد. وهذا الريع عليه ضرائب للحكومة! وإذا كانت العقارات صغيرة، فإنّ المبلغ سيكون ضئيلاً. في المقابل، المشاريع التي تقوم بها الدولة كونها مالك الموارد النفطية نيابةً عن المجتمع، لها منفعة على أفراد المجتمع أكثر من منفعة الفرد من الموارد المالية في حال الملكية الخاصة للنفط. هذه المشاريع تتضمّن الطرقات والجسور والمرافق العامة والمستشفيات وخدمات الشرطة والدفاع وغيرها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ما يميّز نفط الخليج هو انخفاض التكلفة. إلّا أنّ تعدّد الملاك ووصولهم إلى آلاف أو عشرات الآلاف، يرفع التكلفة بشكل كبير، ويؤخر المشاريع. بالتالي، يفقد نفط الخليج ميزته المطلقة. ورأيتُ بأم عيني كيف تفاوض الشركات مع كل صاحب منزل على حدة، وكيف أن معارضة شخص واحد على الرغم من موافقة 50 آخرين، توقف المشروع كله.

لكن الملكية الخاصة تعني إنشاء نظام قانوني يضمنها ويحميها،  ما يؤدي إلى مشكلة أخرى: "حماية" الملكية الخاصة موارد النفط تتطلّب قوانين "تجبر" آخرين على التخلّي عن ملكيتهم للأرض كي يتم تمديد الأنابيب لنقل النفط والغاز. في الولايات المتحدة، تستطيع الشركات الحصول على إذن من المحكمة لإرغام مالكي الأراضي التي سيمرّ عبرها الأنبوب على السماح للشركة ببنائه في أرضهم مقابل عائد مادي عادل، ولا يمكنهم الرفض.

أذكر هذه الأمثلة لتوضيح الصعوبات والتكاليف والتأخير التي تصيب مشاريع النفط والغاز بسبب الملكية الخاصة للموارد.

وقد اقترح البعض أن يوزّع جزء من عوائد النفط على الأشخاص نقداً، كما تفعل ولاية ألاسكا. وكان هذا التفكير شائعاً  عامَيْ 2003 و2004 بعد الاحتلال الأميركي للعراق، إلّا أنّه تم العدول عنه لأسباب عدّة، غالبيتها عملية.  فولاية ألاسكا صغيرة وعدد سكانها بسيط لا يتجاوز 750 ألفاً، وكلهم يملكون سجلّ تأمينات، ولدى كلٍّ منهم رقم تأمينات خاص به، بالتالي يمكن حصر عددهم، وما صُرف لهم. التعامل مع 750 ألف شخص ليس مثل التعامل مع 30 مليون نسمة. أضف إلى ذلك، أن معدّل الأمية أقلّ من 1 في المئة مع معرفة غالبيتهم  بحقوقهم ومالهم وما عليهم. إلّا أنّ المشكلة تكمن في أن المدفوعات تتغيّر من سنة إلى أخرى، بحسب أسعار النفط والفائض في الموازنة. بالتالي، هناك تكاليف إضافية كبيرة لإدارة المدفوعات من جهة، والإجابة عن أسئلة الناس من جهة أخرى. والواقع أن هناك مشاريع بنية تحتية في الدول النفطية النامية لها عائد تنموي أكبر من إعطاء المبلغ نقداً للناس. 

ولكن نظرة فاحصة إلى ما يحدث في الدول النفطية، بما في ذلك دول الخليج، نجد أن الناس تحصل على جزء من عوائد النفط على كل الحالات على شكل إعانات للمواد الغذائية الأساسية والوقود، وخدمات كثيرة أخرى مثل الخدمات الصحية والتعليمية. فإذا كان النفط ملكية خاصة، فإن الناس ستدفع ثمن هذه الخدمات، تماماً مثلما يحدث في الولايات النفطية في الولايات المتحدة.

خلاصة القول إن الملكية العامة للموارد النفطية أفضل من الملكية الخاصة، وأيّد هذا الرأي كثيرون من علماء المسلمين خلال القرون الماضية.

المزيد من آراء