Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السعودية تقود سيارتها إلى المكان والمكانة

بعد سنتين: كيف غيرت قيادة السيارة حياة المرأة السعودية وكيف تفاعل المجتمع معها؟

بعد عقود طالت، وانتظارات توارثتها أجيال، جلست المرأة السعودية خلف مقود سيارتها قبل سنتين.
كان ذلك في حينه حدثاً تاريخياً، ليس للمرأة فحسب وإنما للبلد الذي عاش منذ تأسيس الدولة في سياقات محافظة، كان منع المرأة من قيادة السيارة واحداً من مظاهرها.
مطالبات المرأة السعودية بالسماح لها بقيادة السيارة في بلدها، لم يكن لأسباب عملانية أو لوجستية - إذا جاز التعبير - خصوصاً بعدما زاد انخراط السعوديات في سوق العمل، في مختلف قطاعاتها، وتوسع حضورهن في ميادين التعليم بمختلف مراحله حتى الجامعية منها والتخصصية، ولكن تلك المطالبات كانت في مضمونها تعبير عن رغبة نصف المجتمع في أن يحصل على المكانة، والدور الذي يضمنه الحجم العددي أولاً، وفطرة الحرية والطموح والمشاركة دائماً.
وغني عن القول إن ما أنجزته المرأة تحقق بوعيها وبوعي شريكها/ الرجل في الوطن، وفي المجتمع الذي تمثل في حزمة قرارات سيادية اتخذتها الدولة في سبيل تمكين المرأة.
قبل سنتين، إذاً، جلست المرأة السعودية وراء مقود سيارتها، وأدارت محرك حضورها ودورها ومشاركتها، في رحلة طويلة، فما الذي حققته المرأة من خلال هذه النقلة النوعية في حياتها؟ وما الذي استجد في نمط حركتها اليومية؟ كيف تفاعلت مع هذا المتغير، وكيف تفاعل الآخرون معها؟ وهل ما زال السائق الخاص ضرورة لا بد منها في البيت السعودي؟
هذه الأسئلة وغيرها تجيب عنها نساء سعوديات، من واقع تجاربهنّ الخاصة والعامة.

هند الزاهد: الاعتماد على النفس

ذكرت هند الزاهد، وكيلة وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، أن قيادة المرأة للسيارة "لا تقتصر فقط على القيادة بحد ذاتها، أو الاستقلالية التامة في التنقل، بل تتعداها إلى الاعتماد على النفس وعدم الاعتماد على السائق، وعلى أفراد الأسرة الذكور، قيادة المرأة بالنسبة إليّ هي رسالة من الحكومة السعودية للمرأة السعودية، وللمواطنات السعوديات بأنهنّ مواطنات من الدرجة الأولى على قدر من المسؤولية والكفاءة، ويحق لهنّ كنساء ممارسة حياتهنّ الطبيعية مثل الرجال".

وتضيف "لا أتحدث هنا فقط عن قرار قيادة المرأة للسيارة، بل أيضاً عن قرارات أخرى سبقتها ولحقتها كالسفر، وبطاقات الأحوال، وولي الأمر، وأمور أخرى.

بالنسبة إليّ كوكيلة لتمكين المرأة في وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية أرى أن القيادة السعودية دعمت المرأة في جميع المستويات والصعد، اجتماعياً، واقتصادياً، وسياسياً وذلك بدعم من الملك سلمان وولي عهده - قائد الرؤية - اللذين قدما دعماً رائعاً للمرأة السعودية".

وحول تعايش المجتمع مع التغيير وتقبله للقرار، قالت الزاهد "في الحقيقة، هناك حالة تخوف عامة بين أفراد المجتمع، أهالينا، زوجي، وحتى أنا شخصياً، كنا نتساءل، هل ستكون هناك مشاكل؟ هل ستتعرض النساء لأذى من المجموعة الرافضة قيادة المرأة للسيارة؟ ولكن لم أجد إلا كل دعم حتى أنني أتذكر أنه عندما بدأ تنفيذ القرار كان الناس يشيرون إليّ مهنئين ويلوحون لنا بسعادة".

وتابعت "حتى في بداية الأمر كنت عندما احتجت إلى مساعدة في الركن كنت أجد الدعم، ولم أتعرض لأذى أو مضايقة بأي شكل من الأشكال".

ووصفت الزاهد تجربتها للقيادة بأنها كانت "إيجابية جداً"، وقالت "ما زلت أستمتع بالقيادة وعندما أسافر أشتاق لسيارتي وللقيادة. ولا أعرف إن كنت سأشعر بالملل لاحقاً، لكن حتى الآن أنا مستمتعة جداً". وشرحت تجربتها عندما خرجت إلى الطرق "قدت السيارة بعد صدور القرار، كانت الساعة 12 ليلاً، وكان معي صحافي من جريدة "أراب نيوز"، قام بتصويري. صاحبت قيادتي للسيارة في الدقائق الأولى دموع الفرح، وأيضاً في اليوم الأول الذي توجهت فيه إلى عملي بسيارتي كنت متأثرة. قدت سيارتي من البيت إلى العمل، وكانت تجربة جميلة جداً".

الجازي الراكان: من الذهول إلى التقبل

عند سؤالها عن أهمية القيادة بالنسبة إلى المرأة السعودية، أوضحت الجازي الراكان، طبيبة سعودية وسفيرة جمعية النهضة وجمعية زهرة الخيرية، "ترغب النساء في القيادة لأسباب متباينة، فالبعض بقصد التمرد أو للمتعة، ولكن العديد من النساء بحاجة إلى القيادة بهدف تلبية الاحتياجات الأساسية مثل الذهاب إلى العمل، وأخذ أطفالهنّ إلى المدرسة". 

وحول تقبل المجتمع القرار، قالت الطبيبة "الناس الذين قد أقروا بالفعل ضرورة قيادة المرأة في المملكة، والمجتمع، هم الأكثر تقبلاً للفكرة. وأعتقد أن الجميع أدرك أنه من المهم جداً للمرأة قيادة السيارة لإنجاز أمورها"، وتابعت "فعلى سبيل المثال، كثير من الأسر الثنائية الدخل بحاجة إلى عمل المرأة، بهدف الحفاظ على النفقات، كما أنّ الحاجة إلى سائق هي مسؤولية، لأنها تفرض نفقات إضافية ضخمة تتحمّلها الأسرة بشق الأنفس".

وتحدثت الطبيبة عن تجربتها عندما خرجت للقيادة "في بادئ الأمر، كان بعض الناس يحدّقون بذهول حين يرون امرأة تقود السيارة، لأن ذلك كان أمراً غير اعتيادي، ولكن في وقت لاحق، أصبح هو القاعدة المعتمدة، وتقبله الناس في النهاية".

وفي ما يتعلّق بدور السائق في البيت السعودي، قالت الطبيبة "إنني مررت بتجارب سيئة لا تحصى ولا تعدّ، مثل الابتزاز، والأوقات الصعبة التي أثرت في حياتي اليومية. فلقد اعتدنا في بلادنا على استقدام السائقين من الدول البعيدة كل البعد عن التكنولوجيا، لذلك غالباً ما كانوا يتلفون أي سيارة يقودونها. ومن كان ذكياً منهم، ابتزّنا بطرق عدة، مثل طلب أجور أعلى باستمرار، على الرغم من أنهم كانوا يتقاضون أجورهم بسخاء. كما أنهم كانوا يطلبون العديد من البدلات إضافة إلى رواتبهم، ولكن كان يتوجب علينا الموافقة، لأنّ وجود السائق ضرورة حتمية لا يمكن العيش من دونه".

وتابعت "لم تتوافر لدينا وسائل نقل عامة مناسبة بديلة في ذلك الوقت، فأوبر وكريم لم يصبحا قيد الخدمة سوى أخيراً. وحتى بعد أن تم طرح أوبر كخيار، كان لا يزال بديلاً مكلفاً للغاية، وغير مناسب على المدى الطويل، وما إن صدر قرار السماح بقيادة المرأة، شعرت أن العبء الثقيل قد تلاشى. 

وبعد أن كان السائق أولوية ملحّة، صار اليوم مجرد عنصر ثانوي وغير ضروري".

نوره الشعبان: نظام المرور وقوانينه

أحدثت قضية قيادة المرأة السيارة في السعودية جدلاً واسعاً إلى أن أصدر العاهل السعودي الملك سلمان قرار السماح للنساء بالقيادة، والحصول على رخص تخولهنّ القيام بذلك بشكل قانوني ورسمي في البلاد.

قالت نوره الشعبان، عضو مجلس الشورى نائب رئيس لجنة حقوق الإنسان والهيئات الرقابية، إن القرار اعتبر مفصلياً واستثنائياً في تاريخ السعودية، وأحدث تغييرات جذرية في المجتمع. وتابعت "كان لي وزملائي الأعضاء في اللجنة الأمنية دور في دراسة نظام المرور، وقوانينه، والعمل على تحديد اللائحة التنفيذية وفق الضوابط الشرعية والنظامية المعتمدة في السعودية، كما أُحيلت إلينا أيضاً دراسة قانون مكافحة التحرش".

وحول التغيير بين أمس واليوم، ذكرت الشعبان "منذ بدء تطبيق القرار لاحظت الكثير من التغييرات الجوهرية للمملكة دولياً وداخلياً، فعلى المستوى الدولي يعتبر هذا القرار من ضمن المكاسب السياسية كونه وضع حداً للحملات المغرضة التي تستهدف النيل من سمعة السعودية. أما داخلياً فأثر هذا القرار بشكل إيجابي وفعال لناحية المكاسب الاجتماعية، ودعم وتعزيز الأمان الأسريّ، والحد من جريمة التحرش بالنساء والأطفال، وأسهمت قيادة المرأة في حفظ مكانتها واعتمادها على نفسها بدلاً من أن تكون عبئاً على المجتمع".

وتحدثت الشعبان عن دور السائقين "كان لهذا القرار دور مهم من خلال توفير التكاليف على الأسر السعودية التي تمكنت من التخلي عن السائقين الذين استهلكوا ما يقارب 25 في المئة من دخل هذه الأسر".

وأضافت "لا بد من الإشارة إلى أن هذا القرار أسهم بنقلة نوعية في انفتاح المجتمع، وزيادة مشاركة المرأة في العمل، والإنتاج ومعدلات النمو في ازدياد ملحوظ، فتجد الفتيات السعوديات حاضرات، ومقبلات على العمل في جميع المجالات بكل الوعي والهمة بطموح عنان السماء، وهمة كجبل طويق".

حصة العجاجي: الأمور أصبحت أسهل

تحدثت حصة العجاجي، وهي أول سعودية تحصل على رخصة قيادة بعد برنامج التدريب، حول تأثير القرار في حياتها، حين قالت "ما أحدث فرقاً بالنسبة إليّ هو أن الأمور أصبحت أسهل، وكذلك اتخاذ القرارات. وقبل هذا القرار، كان يتوجب عليّ ترتيب جدولي بما يتناسب مع جميع أفراد الأسرة، وكان يصعب عليّ البقاء خارج البيت لوقت طويل لأنّ أحداً غيري قد يحتاج إلى السائق. وهذا يجعلك مقيّداً في أمور كثيرة، مثل الاجتماعات العاجلة، أو المواعيد المفاجئة. أما الآن، فقد صار بإمكاني مغادرة مكان العمل فوراً بالسيارة لتلبية دعوة ما وبلا قيود".

وحول الاعتراض والتخويف من القرار، تابعت العجاجي "لم أصادف أي شخص معارض في محيطي... فبعد فترة، تقبّل أفراد المجتمع فكرة القيادة، واعتادوا عليها وصار الأمر بالنسبة إليهم غير مستنكر ففي الدول الأجنبية يمكن المرأة، والرجل قيادة السيارة من دون أي تمييز، لأنّ كليهما يملك القدرة العقلية نفسها والنظرة نفسها، ولا شيء يختلف بينهما من ناحية استخدام السيارة كوسيلة نقل".

وشرحت الناشطة في مجال السفر والسياحة تجربتها "من واقع تجربتي فقد سارت الأمور كلها بإيجابية، ولم يكن لديّ تخوف. لماذا؟ لأن القيادة وضعت شروطاً وإجراءات وأيضاً عقوبات صارمة".

وتابعت "في الواقع، صدرت القوانين قبيل السماح بالقيادة، وكانت السلطات تذكّر المجتمع باستمرار بوجود العقوبات، كما جرى نشر المخالفات عبر الصحف، ووسائل التواصل الاجتماعي. وكلّ من تجاوز هذه القوانين نال جزاءه، وشكّل ذلك رادعاً لغيره ممن ينوي أو يتجرّأ على القيام بفعل مماثل. وعلِمنا أنّ ثمة قوانين تحمينا منذ خروجنا من المنزل لقيادتنا السيارة".  

وأضافت العجاجي "بالطبع، لاحظت بعض نظرات الدهشة وقت ما بدأنا القيادة، خصوصاً أننا كنا من أوائل الناس الذين فعلوا ذلك. وكانت تلك النظرات من العوائل والأفراد في السيارات المجاورة، ولكن حين كنّا نجد أنثى أخرى تقود سيارتها، كنّا نشعر وكأننا قوة واحدة. وحتى الرجال، كانوا داعمين فكرة قيادة المرأة، وكنت دائماً أرى من يلوّح بيده ويشير إلينا كنوع من الدعم والتحفيز، وكان هذا شيئاً لطيفاً جداً".

ومن وجهة نظرها، ذكرت الناشطة الآن، اعتاد المجتمع على الأمر، وقالت "انتهت فترة سؤال "هل تقودين"؟ بل أصبح الناس يستنكرون فكرة عدم قيادة المرأة سيارة. وعلى الرغم من أن هناك جزءاً من المجتمع كان يرفض الفكرة (وهذا أمر طبيعي عند ظهور أي شيء جديد)، إلا أن  جميع فئات المجتمع تقبلت الأمر مع مرور الوقت، ولاحظت أن كثيرين بدأوا بالاستغناء عن السائق في منازلهم".

وتحدثت حول تجربتها في مدرسة القيادة في جامعة الأميرة نورة في الرياض، وقالت "عند استخراج الرخصة، قالوا لي إنه لا بد من أن أتدرب مدة لا تقل عن 30 ساعة، ولكن سوف يكون هناك برنامج جديد للواتي يملكن خبرة في القيادة، ولكن بعد مدة. ولم أكن أريد الانتظار، على الرغم من أنني كنت أقود سيارة أثناء تواجدي في لوس أنجليس، كنت مستعدة أن آخذ تدريباً كاملاً من أجل الحصول على الرخصة وحصلت على أول رخصة كمتدربة في مدرسة تعليم القيادة في جامعة الأميرة نورة في الرياض".

وعن سؤالها عن الصعوبات التي واجهتها أثناء القيادة، أجابت العجاجي "أصبح هناك العديد من التطبيقات لصيانة السيارات مثل "ازهلها"، واستخدمت التطبيق ذات مرة حين تعطلت سيارتي بعد أن ثقبت إحدى العجلات، وطلبت مساعدة عبر التطبيق، وحصلت عليها بسهولة من دون مواجهة أي صعوبة".

وعن مكانة السائق، ذكرت العجاجي أنه من قبل، من ليس لديها سائق كانت كأنها "مشلولة"، إذ لن تستطيع التحرك من دونه. وأوضحت "كان السائق بالتأكيد عنصراً أساسياً في حياة المرأة، بمعنى أنه هو من يوصل الأطفال إلى المدرسة، والطالبات إلى الجامعات، والموظفات إلى العمل. وفي حال كان السائق عبر التطبيق، مثل "أوبر"، لا يمكن أن تضمني أن لا يكون شخصاً سيئاً".

وكونها من أبرز الناشطين في مجال السفر والسياحة في السعودية، سألنا العجاجي عن تقبّل القرى القيادة أثناء رحلاتها في أنحاء المملكة، أجابت "أنا أسافر ذهاباً وعودة إلى القرى والمناطق النائية، لا وجود للاستنكار في قاموسهم، على عكس الحال في المدينة، فهناك النساء يقدن من قبل قرار السماح بالقيادة. فالمرأة هناك تقود لإنجاز مهماتها مثل الزراعة، والعمل في الأرض، وبعضهنّ قد لا يعرفن أن قيادة السيارة كانت محظورة على المرأة، ولم يشكل القرار فارقاً بالنسبة إليهنّ، إذ إنهنّ يقدن منذ نعومة أظفارهنّ".

وأضافت "أما في ما يختص بالشق السياحي، فلقد كنا من قبل نبحث عن مرشدين سياحيين، أو سائقين عند الذهاب في رحلات، وبرامج سياحية في أنحاء المملكة، وكنت أدفع مبالغ مرتفعة مقابل أن يقود سائق سيارتنا ليوم أو يومين، وأحياناً لا نشعر بأننا على طبيعتنا بل نشعر بأننا مقيدون، وعند الذهاب للتجول في مدن أخرى، لنستكشف التقاليد والمعالم، والتعرف على عادات أهالي المنطقة والتمتع بعطلة نهاية الأسبوع، كان وجود السائق يقيّد الأمر".

وتابعت "الآن، بإمكاننا أن نشغّل السيارة، ونقود عبر المدن ساعات طويلة من دون قيود. خصوصاً أثناء جائحة كورونا، استطعنا أن نذهب بالسيارة إلى مناطق أخرى، ضمنها أشيقر والدلم والأحساء بأمان من دون الخوف من المطارات والطائرات".