Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كتاب بولتون يضيق الخناق على ترمب

الرئيس يتخلى عن تفرده بإدارة المعركة الانتخابية

حتى قبل أن تبدأ المكتبات توزيع كتاب جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق للرئيس الأميركي، ابتداءً من الثلاثاء 23 يونيو (حزيران)، بات أشبه بصاعقة سياسية ضربت الحملة الانتخابيّة لدونالد ترمب. ليس لأن الكتاب الذي تصدر الكتب الأكثر مبيعاً عبر الإنترنت، يكشف عن جوانب يعتبرها البيت الأبيض تحتوى على معلومات سرية للغاية تضر بالأمن القومي للولايات المتحدة فحسب، وإنما لأن نشر الكتاب يتزامن مع واحدة من أسوأ المراحل التي يمر بها الرئيس خلال فترة حكمه. وقد تضافرت الأزمة الصحية لوباء كورونا، والارتفاع الجديد لحالات الإصابة في العديد من الولايات، مع تظاهرات متواصلة ضد العنصرية، وعنف الشرطة، ومع ركود اقتصادي بمعدلات بطالة غير مسبوقة في التاريخ الأميركي. وسط هذا، بدا الرئيس للمرة الأولى خلال رئاسته، يتخلى عن أسلوبه القديم المتفرد بذاته في مواجهة خصومه. وقد بات يعتمد نهجاً جديداً في إدارة معركته مستنداً إلى خبرات الجمهوريين المخضرمين من أجل إعادة إطلاق حملته قبل فوات الأوان.

محاولات يائسة

على الرغم من محاولات البيت الأبيض عرقلة مساعي مستشار الأمن القومي السابق لنشر كتاب يرسم فيه صورة قاتمة عن الرئيس ترمب وطريقة حكمه، من خلال رفع دعوى قضائية لمنع نشر الكتاب، تسارعت الأحداث فجأة، ونشرت صحيفتا نيويورك تايمز، وواشنطن بوست الأميركيتان مقتطفات من أهم ما تضمنه الكتاب الذي يحمل عنوان "المكان الذي حدث فيه ذلك: مذكرات البيت الأبيض".

 بينما تعتبر إدارة ترمب أن بولتون خرق قواعد السرية الأساسية برفضه انتظار موافقة مجلس الأمن القومي، خرجت فقرات ومعلومات من الكتاب إلى النور، وتبين وفقاً لبولتون أنه كان يتعين على مجلس النواب في التحقيقات الساعية إلى عزل الرئيس أن يحقق في قضايا أشمل من مسألة الضغط على أوكرانيا، التي استهدفت تجريم خصومه في الانتخابات الرئاسية، بحيث تتضمن حالات أخرى متباينة سعى خلالها ترمب إلى التدخل في مسائل تتعلق بتنفيذ القانون، ووقف تحقيقات جنائية في أكثر من واقعة لأغراض سياسية.

خدمات لتركيا والصين

وأشار بولتون إلى أن الرئيس أبدى في حالات عدة استعداده لوقف تحقيقات جنائية تتعلق بشركات تركية، وصينية كبرى، بهدف تقديم خدمات شخصية إلى ديكتاتوريين يحظون بإعجابه، مؤكداً أن هذا النمط أشبه بأسلوب حياة لا يمكننا قبوله لأنه يعد بمثابة عرقلة للعدالة. ويؤكّد أنه أبلغ مخاوفه إلى النائب العام وليام بار.

 وجه بولتون ادعاءً جديداً ضد ترمب، قال فيه إنه استغل المفاوضات التجارية مع الصين لدعم حظوظه السياسية في الانتخابات، عن طريق مطالبة الرئيس الصيني بشراء مزيد من المنتجات الزراعية الأميركية مثل فول الصويا والقمح، لمساعدته على الفوز بأصوات المزارعين في الولايات الزراعية الأميركية خلال الانتخابات التي ستجرى في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020.

خطورة المذكرات

 على الرغم من أن كتباً أخرى لصحافيين، ومسؤولين سابقين من المستوى الأدنى، كشفت كثيراً عن تصرفات ترمب ومواقفه في البيت الأبيض، فإن كتاب بولتون يُعد المذكرات الأولى التي يرويها مسؤول رفيع المستوى، شارك في السياسة الخارجية الرئيسة، ويتمتع بقدر واسع من الثقة داخل البيت الجمهوري لتيار المحافظين.

وعلى حد وصف صحيفة نيويورك تايمز التي اطلع صحافيوها على نسخة من الكتاب، فإن صفحاته ترسم صورة مهترئة لرئيس يجهل الحقائق الأساسية حول العالم. فقد كتب بولتون أن ترمب لا يعرف، على سبيل المثال، أن بريطانيا قوة نووية، وسأل إذا ما كانت فنلندا جزءاً من روسيا. وأضاف بولتون أن كبار مستشاري ترمب الذين يدينون له بالولاء يسخرون منه خلف ظهره. ومن هؤلاء وزير الخارجية مايك بومبيو الذي سخر من ترمب خلال لقائه مع زعيم كوريا الشمالية، وبعد شهر واحد تجاهل دبلوماسية الرئيس معلناً أن إمكانية نجاحها لا تتجاوز الصفر.

ويرى كثيرون من المراقبين في العاصمة الأميركية أن بولتون شخصية معقدة ومثيرة للجدل، فقد كان خلال عمله في إدارات كل من الرؤساء رونالد ريغان وجورج بوش وجورج دبليو بوش، وقد وصل إلى منصب سفير الولايات المتحدة في منظمة الأمم المتحدة، من أكثر المدافعين عن سياسة خارجية متشددة، ومؤيداً لحرب العراق، وفضّل العمل ضد الدول المارقة مثل كوريا الشمالية وإيران.

 

نهج ترمب الجديد

 في مواجهة الاتهامات والكلمات التي تضمنها الكتاب، انتهج ترمب، وصهره جاريد كوشنر كبير المستشارين في البيت الأبيض، ومدير الحملة الانتخابيّة براد بارسكال، خلال الأسابيع الماضية، نهجاً مختلفاً لم يتبع من قبل، إذ حوّلوا القيادات المخضرمة في المؤسسة الجمهورية إلى مجالس إدارة مؤثرة، وجعلوا عدداً من أعضاء مجلس الشيوخ أشبه بمديري سياسات، وحفزوا المدافعين عن السوق الحرة ليصبحوا أداة لتحريك الاقتصاد، ولتحديد طرق استجابة أفضل لوباء كوفيد- 19.

 لتصحيح البيانات المزعجة التي كشفتها استطلاعات الرأي التي تُظهر استمرار تقدم المرشح الديمقراطي جو بايدن على المستوى الوطني، وعلى مستوى الولايات المتأرجحة، لجأ الثلاثي (ترمب، وكوشنر، وبارسكال) إلى الخبير الاستراتيجي الجمهوري المخضرم كارل روف، الذي ساعد في دفع الرئيس جورج دبليو بوش إلى إعادة انتخابه في عام 2004 وسط اقتصاد ضعيف. كذلك لجأوا إلى خبراء استراتيجيين آخرين في الحزب الجمهوري للمساعدة في تطويق الانتقادات التي أطلقتها قيادات جمهورية مؤثرة سئمت من ترمب وانتقدته علانية قبل أيام، مثل كولن باول وزير الخارجية السابق.

اختلاف ملحوظ

ولإرضاء أصحاب مشاريع الأعمال الصغيرة، وغرفة التجارة المتحالفة مع الجمهوريين، دعا الرئيس إلى إعفاء ضريبي على الرواتب، بهدف تعزيز حركة الأعمال التي تضررت من وباء كورونا. وسعى إلى تعزيز جاذبيته مع الناخبين السود، عبر تبني مبادرات سياسية أوصى بها تيم سكوت، السناتور الوحيد في الحزب الجمهوري من أصل إفريقي، بما في ذلك الأمر التنفيذي الذي كشف عنه ترمب في شأن إصلاح الشرطة، وهو ما يُعد اختلافاً ملحوظاً عن النهج الذي اتبعه ترمب عام 2016، عندما كانت ميوله وتوجهاته الشخصية هي الدافع وراء معظم القرارات الصادرة عن مسؤولي الحملة الانتخابية، واستراتيجيتها.

يعكس هذا التحول رغبة حملة ترمب في التكيف مع اللحظة الحرجة الحالية وسط قلق واسع النطاق في شأن الاقتصاد، والاهتمام المجتمعي بقضية عدم المساواة العرقية. وذلك من خلال توسيع نطاق من يتعاملون مع الحملة بغرض استخدام خبراتهم المهنية لتنفيذ أفكار، واستراتيجيات جديدة بأسرع وقت ممكن.

خطة روف

 نقلت الصحافة الأميركية أن الخبير الاستراتيجي المخضرم في الحملات الانتخابية كارل روف، حث حملة ترمب على التركيز على تحديد خطط الرئيس خلال ولايته الثانية، وتسليط الضوء على أوجه القصور في سياسة منافسه الديمقراطي جو بايدن، وتشجيع الرئيس على تعديل تغريداته قدر الإمكان قبل أن تخرج إلى العلن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 خلال الأيام القليلة الماضية، لاحظ مراقبون تحرك حملة ترمب في هذا الاتجاه، إذ انخرط الرئيس ترمب وحملته بعمق في مهمة لإقناع الناخبين، بأن صحة جو بايدن العقلية تتدهور. ما يجعله غير مؤهل للمنصب، واتسمت تغريدات ترمب بقدر من الحذر، بل انخفض عددها نسبياً خلال الساعات الماضية.

 ولا تقتصر استعانة ترمب بخبراء استراتيجيين مخضرمين على روف، فالرئيس ترمب يمضي أحياناً ساعات على الهاتف مع أصدقاء شخصيين، وشخصيات إعلامية محافظة. وقد استشار مع نائبه مايك بنس خلال الأسابيع الماضية نيك آيرز، أحد كبار مستشاري بنس خلال حملة عام 2016. وعقد اجتماعات مع مسؤولين في الحملة السابقة مثل كوري ليفاندوفسكي وديفيد بوسي. وفي الأسبوع الماضي، أعادت حملة ترمب مخضرماً آخر من حملة 2016 كان على اتصال وثيق بالرئيس، وكوشنر على مدى أكثر من ثلاث سنوات ونصف، هو جايسون ميللر، وعيّنته مستشاراً أول للحملة الانتخابية لعام 2020.

أوضاع مقلقة

لا يزال دعم ترمب في الدوائر الانتخابية الأساسية قوياً، وما زال جمع التبرعات من أجل حملته يحطم الأرقام القياسية، إذ احتفلت حملة الرئيس بأكبر يوم لجمع التبرعات عبر الإنترنت في عيد ميلاده الرابع والسبعين، بجمع 14 مليون دولار.

غير أن الجاذبية الانتخابية لترمب تآكلت بين كبار السن، والنساء أصحاب البشرة البيضاء من الطبقة العاملة، وهي فئة كان يتفوق بينها ضد هيلاري كلينتون عام 2016 بنسبة 7 نقاط مئوية. ما أدى إلى تراجع شعبيته في الولايات المتأرجحة التي تعتبر حاسمة لإعادة انتخابه. وقد كشف استطلاع للرأي أجري في ولاية ميشيغن، أن بايدن يتقدم بين الناخبين المحتملين بنسبة 55 في المئة مقابل 39 في المئة لمصلحة ترمب.

 يعود هذا التراجع إلى أن حملة ترمب أخفقت في مخاطبة الناخبين في منتصف أزمة وباء كورونا، والاحتجاجات ضد عنف الشرطة، ودفعت المظاهرات التي انتشرت في مئات المدن الأميركية ضد العنصرية، كوشنر، وترمب إلى طلب المشورة من قيادات جمهورية، ومحافظة من الأميركيين الأفارقة، بما في ذلك وزيرالإسكان بن كارسون، الذي حث الرئيس ترمب على إعادة النظر في معارضته لاعبي اتحاد كرة القدم الأميركي، الذين يركعون خلال النشيد الوطني الأميركي تعبيراً عن رفضهم العنصرية في البلاد.

لكن، هناك قليل من الأدلة التي تشير إلى أن هذه المحاولات أسهمت في تعزيز حظوظ ترمب بين الأميركيين السود، إذ أشارت استطلاعات أخيرة إلى أن 85 في المئة منهم يعتقدون أن الولايات المتحدة تسير على الطريق الخطأ.

المعركة مستمرة

 حملة ترمب التي راهنت على كسب أصوات الناخبين المترددين من خلال بث رسائل مناهضة للاشتراكية، كافحت دون جدوى لإلصاق تهمة الاشتراكية بـ (بايدن الكاثوليكي) بعدما اتضح أنه يعارض برامج الرعاية الصحية للجميع، التي كان السيناتور بيرني ساندرز يدعو لها. واعتبر بايدن أن الأميركيين الأثرياء ليسوا بالضرورة سيئين.

 يتوقع مسؤولون في البيت الأبيض أن يمضي قادة الحملة الانتخابية لترمب الأسابيع القليلة المقبلة في بلورة استراتيجيتهم، ومواصلة التواصل مع المستشارين والخبراء الاستراتيجيين، حتى يكون الرئيس ترمب جاهزاً لخوض معركة الانتخابات في حلول أغسطس (آب)، بينما يستأنف قريباً عقد تجمعاته الجماهيرية، ما يوفّر مادة جديدة لحملته.

المزيد من تقارير