Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لا تزال الأسئلة حائرة حول "حياة آرسنياف" لإيفان بونين

أجزاء وأسماء تتكاثر وشخصيات وهويات تتبدّل باستمرار

الشاعر الروسي إيفان بونين (غيتي)

ما من كتاب يثير حيرة وأسئلة نقاد الأدب ومؤرخيه في القرن العشرين بقدر ما يفعل كتاب "حياة آرسنياف" للشاعر الروسي إيفان بونين (نحتفل هذا العام بالذكرى 150 لولادته). فعلى الرغم من العدد المعتدل لصفحات الكتاب في صيغته "النهائية" (388 صفحة في الترجمة الإنجليزية الصادرة عام 1952 في نيويورك) يتوزع الكتاب في أصوله الروسية أجزاءً عديدة قد يكون معظمها صدر تباعاً بين عامي 1927 و1939 في فرنسا ثم بلجيكا. بل أن بونين نفسه كان بعد أن يصدر جزءاً يعود ويعمل عليه مبدلاً في الأحداث والشخصيات بل حتى في أسماء شخصيات لا يبدّل لا من موقعها ولا من أهميتها في السياق. كان من الواضح أنه بعد صياغته الأولى يتطلع إلى تغيير الكتاب جذرياً. وهو قال على أية حال مراراً وتكراراً أنه إنما يريد أن يكتب رواية "في ثلاثة أجزاء" لا سيرته الذاتية.

ومع هذا لا ينظر معظم النقاد ومؤرخو حياة بونين إلى الكتاب في مجمله إلا على أنه بشكل أو بآخر سيرة ذاتية له. وفي النهاية يبقى السؤال: هل نحن بصدد سيرة ذاتية؟ ربما، ولكن ما الذي جاء يفعله فيها أخ متخيّل لصاحب السيرة يظهر ويختفي من دون أن يقال لنا إنه يفعل ذلك في حلمٍ أو في كابوس؟ وإذا كنا أمام رواية لِمَ ذلك التطابق بين سيرة عائلة بونين كما هي معروفة وسيرة آل بوغدانوف المتخيّلة؟ هل نحن أمام رواية تستعير أحداثها وبعض شخصياتها من حياة الكاتب، أم أمام سيرة ذاتية تسعى إلى تضليل القارىء بين الحين والآخر؟

من بونين إلى آرسنياف

كل هذه أسئلة مشروعة بالنسبة إلى هذا الكتاب الذي يُجمِع النقاد على اعتباره، في الأحوال كافة، أقوى كتاب أصدره إيفان بونين بعد تركه وطنه للعيش في باريس على وجه الخصوص وكذلك في مدن غربية غيرها. ولئن يكون من الصعب اعتماد "عند منبع الأيام" كسيرة موثوقة للكاتب، من الواضح أن في الإمكان النظر إليه كصورة من حياة مثقف روسي عاش تجربة الوطن وتجربة الغربة سواء بسواء. تجربة الريف وتجربة المدينة، فشاء في نهاية الأمر أن يعبّر عنها ولو بصيغ مواربة أحيانا. هذا من دون أن تفوتنا روعة الجزء الأول المعنون بـ"في منبع الأيام" الذي يصف فيه بونين، مباشرة هذه المرة على الأقل، الطفولة التي عاشها في ريفه الهادىء البليد والذي عايشه من دون أحداث تذكر متوقفاً عند تشابه الأيام والفصول وحتى مواسم الجنازات التي يصفها بشكل رائع، وصولاً إلى دراساته الثانوية في بلدة صغيرة مجاورة والعُليا في خاركوف التي شهدت أول "أمجاده" الأدبية قبل انتقاله إلى العاصمة ومن ثمّ إلى الغرب مهاجراً حين اندلعت الثورة البلشفية التي سيشعر أن عالمها غير عالمه! وستتولى الأجزاء التالية بقية الحكاية التي يطالعنا فيها المدعوّ آرسانياف هذه المرة وقد تفاقمت أزماته الشخصية بقدر ما راحت تزيد شهرته ككاتب بات معترفاً به من دون أن يخفف ذلك من حسّه المأساوي الذي كان يطالعنا باكراً وبشكل شديد الروسيّة، في "عند منبع الأيام".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جائزة نوبل الأدبية في المرصاد

في نهاية الأمر لم يكن فوز إيفان بونين بجائزة نوبل الأدبية في 1933 مفاجأة لأحد، فالاعتراف به بوصفه واحداً من كبار شعراء الثلث الأول من القرن العشرين كان أمراً طبيعياً. ومع هذا فإنه كان أكثر الناس غيظاً يومها، وذلك بكل بساطة لأن الصحافة العالمية التي كانت تتابع ما يجري في موسكو من محاكمات وصراع على السلطة تحت ظل ستالين، وجدت في فوز بونين بجائزة نوبل "ضربة موجهة إلى الستالينية" باعتبار أن بونين يعيش منفياً في فرنسا منذ قيام الثورة الروسية ومبارحته وطنه.

بالنسبة إلى بعض الصحافة لم يكن فوز بونين نابعاً من أهميته كشاعر وكاتب، بل من أهميته كمنشق معادٍ للنظام السوفياتي. طبعاً، احتاج الأمر يومها إلى تدخل كبار النقاد وكبار دارسي الأدب والشعر الروسيين قبل أن يُعاد الاعتبار لفوز بونين بالجائزة العالمية، وقبل أن يكتشف القراء الجادون أنهم، حقاً، أمام كاتب كبير لا يقل أهمية عن كبار الكتاب والشعراء الروس من بوشكين إلى تولستوي ومن تشيكوف إلى غوركي.

روسيا دائماً في البال

مثل غيره من كبار الكتاب الروس لم يكفّ إيفان بونين يوماً عن الكتابة عن روسيا، وعن شعبها وتاريخها وآلام فلاحيها. فهو، على الرغم من تحدره من عائلة أرِستقراطية من ملاك الأراضي الكبار، كان يشعر بالألم مع ذلك الشعب الذي ينتمي إليه وبكل قوة، تماماً كما كان يحس بالاتحاد مع طبيعة وطنه الروسي وتضاريسه.

ولقد ولد إيفان بونين عام 1870 في مدينة نوروني وأمضى طفولته كلها في أراضي العائلة وسط "بحر من القمح والعشب والأزهار" كما سيقول لاحقاً في واحدة من قصائده. والحال أن عمله الشعري والنثري سيظل مطبوعاً بتلك الرؤى والمشاهدات التي طبعت سنوات طفولته. وحتى في سنوات عمره الأخيرة وهو يعيش في باريس، حيث سيرحل عن عالمنا في خريف عام 1953، ستظل الصور التي يعبر عنها بونين هي، هي، الصور المستمدة من سنوات طفولته الروسية العريقة تلك. وكان إيفان في التاسعة عشر من عمره حين اضطرته ظروف أسرته المالية إلى العمل في الطباعة، ولقد مكنه هذا من الانصراف إلى القراءة وبدأ يكتب أولى أشعاره، وهي أشعار لفتت إليه الأنظار، فكان أن أوصلته في عام 1901 إلى أول اعتراف رسمي به كشاعر مجيد، وكان ذلك حين منح جائزة بوشكين عن مجموعته "سقوط الأوراق"، غير أن تلك المجموعة لم تكن الأولى بالطبع، إذ كان بونين قد بدأ ينشر مجموعاته تباعاً منذ عام 1893، فكانت مجموعة "أخبار الوطن" ومجموعة "في الكوخ" ثم "تفاحات أنطونوف" في عام 1900، وهي كلها مجموعات ثبتت مكانة شاعرنا بوصفه واحداً من أبرز الكلاسيكيين الشباب. وكلمة كلاسيكيين لا تأتي هنا اعتباطاً.

 

الطبيعة وبؤس الشعب

فالحال أن بونين الذي أبدى حساً تقدمياً كبيراً في مواضيعه كان يصر على كلاسيكية الشكل في انتمائه إلى الشعر الروسي كما تجلى خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. غير أن ما ظل يطبعه كان التصاقه بالطبيعة التي لم ينفصل وصفها لديه عن وصفه لبؤس الشعب، ابن الطبيعة البار، ولقد قاده تأمله للطبيعة إلى نوع من النزعة الصوفية، قاده بالتالي إلى الاهتمام بالأديان السماوية لا سيما البوذية والإسلام، وراح يدمج منهما في شعره تعابير وموضوعات ملفتة.

وفي عام 1905 مع اندلاع الثورة الروسية الأولى، وعلى عكس ما كان يمكن أن يُتوقع منه، أحس بونين بالفزع وبأن ثمة عالماً بأسره ينهار أمام ناظريه، عالم يود لو يتمسك به رغم مساوئه. ومن هنا، راح إيمانه بكل شيء يتزعزع وإن ظل يكتب وينشر من دون انقطاع. وحين اندلعت الثورة البلشيفية حاول أول الأمر أن يتماشى معها، لكنه عجز عن ذلك وهو الرومانسي الأرستقراطي، فهاجر في عام 1920 إلى فرنسا. وهناك، على الرغم من أنه بات مُقِلاً في الكتابة والنشر، وفضل أن يخلد إلى شيء من الصمت، راح مجده وشهرته يكبران، وكل ذلك دأبه حتى فوزه بجائزة نوبل في عام 1933. وهو رغم ذلك الفوز ظل دائم الحزن شديد التشاؤم ليس إزاء مصير روسيا وحدها فحسب، بل إزاء مصير الشرط الإنساني بأجمله، وقد انعكس ذلك التشاؤم على شعره ونثره لا سيما في كتابه الأشهر "حياة آرسنياف" الذي يغنينا في معظم فصوله عن قراءة أية سيرة حقيقية له حتى إن كانت علامات الاستفهام ستبقى كثيرة حول "وصفه الحقيقي" لحياة هذا الشاعر.

في أواسط الخمسينيات بدأ السوفياتيون يهتمون بإيفان بونين وشعره، ونشرت مختارات مهمة من أعماله في موسكو عام 1967 لتجعل منه وجهاً آخر من "وجوه الشعراء والكتاب الروس الكبار الذين صنعوا للأدب الروسي أمجاده الكبرى". على حد تعبير أحد النقاد الروس.

المزيد من ثقافة