Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"غروديك" لجورج تراكل: مئة كلمة لحرب وبؤس وانتحار

نعي لكل ما هو حلو في الحياة وقد ابتلعه الدمار واليأس

جورج تراكل (غيتي)

"في المساء، تبدو غابات الخريف خالية/ من الأسلحة الفتاكة، فيما هناك في السهول الذهبية/ والبحيرات الزرقاء التي تعلوها الشمس/ لهاث كئيب حين يعانق الليل/ الموت المحاربين، ورثاء البرية/ أفواههم المكسورة.

"لكن الصمت يتجمع في المراعي/ سحابة حمراء، يعيش فيها الإله الغاضب.

والدم المنسكب نفسه، والبرودة الشبيهة بالقمر/ حيث تؤدي جميع الشوارع إلى تسوّس أسود.

"تحت الفروع الذهبية ليلاً وتحت النجوم/  حيث يتألق ظل الأخت عبر البستان الصامت،/ لتحية أرواح الأبطال والرؤوس النازفة.

"والمزامير المظلمة في الخريف تبدو ناعمة في الأنبوب.

"أيها الحزن الفخور! أيتها المذابح الوقحة/ يا شعلة العقل الساخنة/ ها هو الألم الهائل يغذّي اليوم/  الأحفاد الذين لم يولدوا بعد".

ربما كانت هذه القصيدة المعنونة "غروديك" على اسم المنطقة الواقعة في "مملكة" غاليسيا حيث دارت عند بدايات الحرب العالمية الأولى معركة تحوّلت إلى مجزرة ارتكبتها القوات الروسية ضد الجيش النمساوي، واحدة من أشهر وأقصر القصائد الحزينة الغاضبة التي كتبت عند ذلك المنعطف الخطير من تاريخ البشرية فكانت بدورها منعطفاً في تاريخ الشعر.

شهرة فائقة بالرغم من الصعوبة

القصيدة التي لا يزيد عدد كلماتها في لغتها الألمانية الأصلية عن مئة كلمة تتوزع على سبعة عشر سطراً، باتت يومها وبسرعة واحدة من أشهر القصائد التي انتشرت في ذلك الحين على الرغم من إقرار النقاد ومؤرخو الأدب بصعوبتها وانغلاقها على التفسير المنطقي. من هنا، يمكن القول إن "شهرتها" لا تنبع من بنيتها ومعناها بقدر ما تنبع من حكاية الشاعر الذي كتبها، كانت واحدة من آخر القصائد التي كتبها إن لم تكن آخرها على الإطلاق، وقد تحوّل في ذلك الوقت نفسه إلى أسطورة. فالمعروف أن الشاعر، (وهو طبعاً النمساوي جورج تراكل)، كان حين كتبها في السابعة والعشرين من عمره وقد انتحر، أو مات بشكل أو بآخر بعد كتابتها مباشرة تقريباً، كواحد من ضحايا تلك الحرب بصورة مباشرة، ومن ضحايا المعركة التي يتحدث عنها بصورة غير مباشرة كما سنفهم بعد سطور. لكن الأهم من هذا هو أن لغة الشاعر قد عرفت كيف تعبّر هنا عن الموت، والعذاب، والحرب والقسوة، وتواطؤ الطبيعة، والتواطؤ ضد الطبيعة، وعن العديد من شؤونه الخاصة، بما في ذلك التلميح إلى علاقته مع أخته التي لم يبق له وهو في جبهة القتال سوى ظلها.

أمور كثيرة مختلطة يعبّر عنها الشاعر في قصيدة سيتبناها السورياليون بعد سنوات، وذلك فيما كانت تتحول إلى أنشودة حزينة تقف ضد الحرب والمذابح، كتبها جندي خاض الحرب والمذابح تحديداً. وكان ذلك كما أشرنا عند بدايات الحرب العالمية الأولى، في أحد أيام شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 1914، عند جبهة غاليسيا في كراكوفيا، حيث كانت المعركة العنيفة التي تخوضها القوات النمساوية قد أشرفت على نهايتها محققة لتلك القوات انتصاراً لا بأس به، مكبدة إياها أقل ما يمكن من الخسائر البشرية. وفجأة، دون سابق إنذار، زاد عدد الضحايا النمساويين ضحية، مجند في السابعة والعشرين من عمره آثر(وقد نفذ بجلده من المعركة)، أن يضع حداً لحياته بنفسه غير منتظر أن تحصده معركة مقبلة، هو الذي كان يرى الموتى يتساقطون أمامه والجرحى يتكدسون فوق بعضهم البعض طوال ساعات المعركة السابقة.

انتحار على طريقة "الكابوس السعيد"

قليلون من الذين شاهدوا جثمان المجند المنتحر وكانوا يعرفونه، أدركوا في ذلك اليوم أن ذلك المجند سيكون الوحيد من بينهم الذي سيخلده التاريخ شخصياً ليس بوصفه جندياً، ولا بوصفه منتحراً انتحاراً غريباً وسط حرب طاحنة، بل بوصفه شاعراً من ثلة شعراء مجيدين ومبدعين، عرفتهم النمسا في ذلك الحين. ذلك هو جورج تراكل الذي راح يكتشف بشكل مكثف خلال السنوات الأخيرة، وراحت أشعاره القليلة تترجم إلى شتى اللغات من بينها اللغة العربية بالطبع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والحال أن الطريقة التي وضع بها جورج تراكل حداً لحياته في ذلك اليوم الحربي العنيف تتماشى تماماً مع شخصيته وغرابة أطواره، وكذلك مع مفهومه للحياة والموت. فهذا الشاعر الشاب الذي عاش على مفترق الطرق بين عصور وحضارات عدة، وتبدلات شهدتها فيينا تلك الأيام، فيينا التي كانت الحياة فيها توصف بـ "الكابوس السعيد". هذا الشاعر عاش حياته القصيرة على شكل هبوط متواصل إلى الجحيم، وخارج كل الأطر التي يمكن لمجتمع صحيح أن يبنيها لأفراده. عاش بين المخدرات، والموبقات، واليأس المطلق إزاء المصير الإنساني، وهو في حمأة عيشته تلك لم يكتب، في أي حال، سوى القليل القليل من القصائد، وكان معظم قصائده كثير التكثيف والتوتر، قصير النفس، على شاكلة القلق المأسوي الذي عاشه طوال حياته القصيرة، ومن المتعارف عليه أن قصيدته "غروديك" هذه هي الأشهر والأقوى، ولكنها الأغرب كذلك بين أشعاره!

الصيدلة من أجل المخدرات

ولد جورج تراكل في مدينة سالزبورغ، عام 1887 لأسرة تنتمي إلى البورجوازية المجرية (وكانت النمسا والمجر تشكلان في حينها امبراطورية واحدة)، درس الصيدلة في جامعة فيينا خلال الأعوام 1908- 1910. ويبدو (حسب مؤرخي سيرة حياته) أنه لم يدرس الصيدلة إلا لكي يسهل عليه الحصول على ما هو بحاجة إليه من مخدرات، خصوصاً أنه بعد ممارسات متقطعة في ذلك المجال، أضحى منذ 1913 مدمناً بشكل مذهل. أما قصائده الناضجة الأولى التي تعود إلى تلك المرحلة فإنها امتلأت بحديثه عن الضغوط التي يمارسها على نفسه للحيلولة بينها ومواصلة موبقاته الجنسية بما فيها غوصه في نوع مرعب من حب المحارم. لقد نشر تراكل مجموعته الشعرية الأولى في 1913 بفضل مساعدة الفيلسوف لودفيع فتغنشتاين الذي كان قد وعده بأن يقدم له من العون ما يتيح له التفرغ للكتابة بشكل كلي. وفي العام التالي التحق تراكل بجبهة القتال مجنداً، كممرض، وهناك كما ذكرنا، بعد المعركة الضارية وأمام جثث القتلى، وعشرات الجرحى شعر تراكل بالعجز التام، وأرعبه أن كل الأيام المقبلة ستمضي على ذلك النحو، فتناول جرعة قوية من المخدر أودت به.

بشكل عام، انطبعت قصائد جورج تراكل القليلة (التي صدرت في مجلد واحد، للمرة الأولى، في 1919، بعدما كانت صدرت في مجموعات متفرقة) بنزعة تعبيرية تنتمي مباشرة إلى التيار التعبيري الذي كان قد بدأ يسود في الكتابات والفنون الألمانية اعتباراً من تلك المرحلة، يدفعه رعب الفنانين إزاء "خواء العالم" و"أحزانه". من هنا، أتت غنائية قصائده شديدة السوداوية، وإن كانت لم تخل في بعض الأحيان من مقاطع تبحث عن أمل يتمثل في فردوس مفقود، أو في وقفة مفاجئة أمام جمال فصل الخريف. وما يمكن قوله في هذا الصدد إن هلوسات جورج تراكل وكتابته التي تشبه في تلقائيتها كتابة السورياليين أحياناً، تركت مكاناً واسعاً لحضور شتى أنواع الشياطين في قصائده. ما جعله يعتبر من قبل بعض النقاد "شاعراً ملعوناً". وهذا المزيج كله ولّد في لغته بعضاً من تلك الصعوبة الناتجة كذلك من نزعته القصوى إلى التكثيف والإلماح، سواء أكان ذلك في قصائده الغنائية، أم في شعره النثري المرسل. ولقد أنتج هذا كله شعراً غريباً، يعصى في كثير من الأحيان على القراءة، بل على الترجمة أيضاً.

من هنا، كان غيابه عن عالم الشعر العالمي، حتى أُعيد اكتشافه في السنين الماضية، وصار يُنظر إليه كما ينظر إلى رامبو، وفرلين باعتباره شاعراً امتزج الشعر والحياة، والموت، واليأس لديه بشكل منقطع النظير.

المزيد من ثقافة