Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

البرلمان الإيراني الجديد وإعادة توزيع مراكز القوى

في انتظار ما سترسو عليه الانتخابات الرئاسية في العام 2021

لم يحدث أن كان البرلمان الإيراني ممثلاً لاتجاه واحد (أ.ف.ب)

في حسابات سريعة وبسيطة، يمكن القول إن فئة واسعة وأساسية من المجتمع الإيراني قد تم تغييبها قسراً من دائرة التأثير في الحياة السياسية البرلمانية والتمثيلية في المرحلة الحالية، في انتظار استكمال إخراجها مما تبقى من مواقع في السلطة التنفيذية، في أواسط العام المقبل 2021 مع الانتخابات الرئاسية.

وخروج هذه الفئة يعود لأسباب ذاتية وأخرى سياسية. فهي لم تستطع على مدى العقدين الماضيين، إعادة إنتاج ذاتها ومعالجة الأخطاء التي اعترضتها وتشكيل قوى فاعلة قادرة على فرض وجودها وتأثيرها في القاعدة الشعبية التي من المفترض أن تشكل دعامة قوتها والعامل المساند في مواجهة تسلط الطرف الخصم في لعبة السلطة، خصوصاً في مجال العمل البرلماني، بما هو سلطة تستمد تمثيلها وسلطتها من العملية الانتخابية والرأي الشعبي الذي يرسم التوجهات العامة من النظام وسياساته عبر مخرجات صندوق الاقتراع.

من ناحية أخرى، إذا ما تم التواضع على توصيف هذه الفئة بأنها تمثل التيار الشعبي الإصلاحي- بكل أطيافه الشعبوية والمثقفة والسياسية- المطالب بالتغيير وساهم في إنتاج أحزاب وقوى باتت تعتبر ممثلة له وترفع شعار الإصلاح والتغيير، فإن المعركة التي خاضها التيار المحافظ الذي يمثل قوى السلطة والنظام من أجل المحافظة على مواقعه داخل مراكز القرار التي يعتبرها نتاجاً للجهود التي بذلها على مدى العقود الماضية، استطاعت أن تصل إلى النتيجة التي أرادها. وهي إخراج هذه القوى الشعبية والحزبية من دائرة القرار أو المنافسة على طريق مساعيه الحثيثة لأكثر من ثلاثة عقود من أجل الإطباق على مراكز السلطة، ما يضمن له حرية القرار.

لم يحدث أن كان البرلمان الإيراني ممثلاً لاتجاه واحد تابع، حتى في الدورة الأولى له بعد انتصار الثورة عام 1979، ضم البرلمان جميع مكونات الطيف السياسي، من ليبراليين وعلمانيين وإسلاميين وغيرهم. وحتى في المراحل التالية، وإن اختلفت المعطيات السياسية في تركبية النظام، إلا أنه مثل جميع الأطياف ممن يؤمنون بالنظام وقياداته على نصابي الموالاة والمعارضة. وتوزعت الأكثرية أو الغلبة بينهما كنتيجة للحراك الشعبي ومساحة الحرية، التي كانت مراكز القرار في الدولة العميقة غير قادرة على تجاوز أصواتها أو تأثيرها، إلى جانب الحساسيات والضرورات التي كانت تفرضها الأوضاع الدولية وحاجات النظام المرحلية. ولعل الدورة السادسة للبرلمان التي امتدت بين عامي 2001 و2005 أبرز محطة في سياسة توزيع الأدوار والحاجات، إذ أُجبر النظام على الانحناء أمام الموجة الإصلاحية التي أفرزت محمد خاتمي في رئاسة السلطة التنفيذية ومعه البرلمان الإصلاحي، في انتظار اللحظة المناسبة لإفراغ هذه الحركة من مضمونها وإسقاطها شعبياً من خلال إفشالها ومنعها من التأسيس لإنجازات حقيقية على مستوى الإدارة والمجتمع والتعددية السياسية.

وقد نجح النظام في هذه الجهود واستطاع أن يؤسس لحالة من عدم الثقة بين الحاضنة الشعبية وهذه القوى، خلال العقد الماضي، مع تولي محمود أحمدي نجاد رئاسة الجمهورية. وكانت الثمرة الأنضج مع البرلمان الأخير الذي استطاع النظام أن يفصله على المقاس الذي يريده من دون أن يكون لديه أي خوف أو رهبة من إمكانية حدوث حالة اعتراض شعبي، بغض النظر عن حجم المشاركة في عملية الاقتراع المتدنية التي تعتبر غير مسبوقة في تاريخ النظام، والتي كانت هدفاً أساسياً للدولة العميقة، لأنه يخدم الأهداف التي تريدها في توجه البرلمان المقبل وطبيعته السياسية. وهو ما تحقق بحيث حصل التيار المحافظ بجميع أطيافه على 230 مقعداً بشكل مباشر، مقابل 30 مقعداً للمستقلين الذين يقعون في دائرة هذا التيار. في حين حصل الإصلاحيون والمعتدلون على نحو 16 مقعداً لا يمكن أن تشكل إزعاجاً أو عائقاً أمام تطبيق التوجهات أو السياسات التي يريدها النظام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سيطرة تيار النظام على السلطة، لا تعني وجود "وحدة حال ورؤية" بين النواب المنتخبين الممثلين لهذا التيار، ويمكن اختصار توصيفهم بالتيار المحافظ. فالواقع الذي أفرزته نتائج هذه الانتخابات يكشف عن وجود صراعات كبيرة داخل البيت الواحد. ما يجعل هذا التيار موزعاً على أجنحة متنافسة. ويسعي كل من هذه الاجنحة لتكريس نفسه الوريث الأكبر والأقوى لمهمة تأمين استمرارية النظام ومنع وصول القوى المعارضة أو المعترضة إلى أي من مواقع السلطة. الأمر الذي يستدعي من قيادة الدولة العميقة والنظام العمل على إعادة ترسيم مراكز القوى والقرار داخل التركيبة القائمة وتوزيعها بحيث يتم إضعاف بعضها لمصلحة مواقع ومراكز جديدة من المفترض بها أن تلعب دوراً محورياً في رسم سياسات النظام والسلطة ومستقبلهما.

وفي هذا السياق، يبدو أن الاتجاه داخل النظام ينحو في اتجاه تقليص وتضييق صلاحيات البرلمان الذي سبق أن وضعه المؤسس آية الله الخميني على "رأس الأمور" لمصلحة مراكز قوى لم تكن في دائرة القرار سابقاً. وقد برزت هذه الحاجة في أثناء الأزمة التي مر بها النظام نتيجة قرار رفع أسعار الوقود، وأدت إلى حالة اعتراض شعبي وتظاهرات واسعة أجبرته على التصدي لها بعنف وقسوة، وساهمت فيها الاصوات البرلمانية المطالبة بالعودة عن القرار وتحميل جهات من خارج السلطة التنفيذية مسؤولية ما وصلت إليه الأمور، في إشارة إلى مسؤولية المرشد الأعلى. ما دفع الأخير إلى التدخل للجم هذه المواقف ومعاقبتها لاحقاً بإخراجها من اللعبة البرلمانية.

وفي انتظار الاتجاه الذي سترسو عليه بورصة الانتخابات الرئاسية العام المقبل 2021 وكيفية إدارة السلطة التنفيذية التي باتت استعادة النظام والتيار المحافظ لها شبه مؤكدة، فإن الآلية التي سارت عليها الانتخابات البرلمانية ووصول محمد باقر قليباف إلى رئاسة السلطة التشريعية، وما يدور من حديث عن محددات وضوابط لتحجيم دور رئيس البرلمان وتحويله إلى متحدث باسم النواب على قاعدة "متقدم بين متساوين"، أمور تعني أن دور المؤسسة التشريعية وخلافاً لموقعها الدستوري سيتجه إلى التراجع، بالتالي انحسار تأثيره داخل هرمية النظام. ومن المتوقع أن يتحول هذان، الدور والتأثير، لمصلحة "مجمع تشخيص مصلحة النظام" الذي بدأ ينشط خارج إطار دوره الاستشاري في حل النزاعات بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور، ليكون دوراً مقرراً. وهو ما برز في تعامله مع القوانين التي أقرها البرلمان في ما يتعلق بانضمام إيران إلى معاهدة باليرمو وFATA، من خلال تشكيله للجنة خاصة لدراستها والمماطلة في إعطاء رأيه النهائي في النزاع حول مطابقتها للضوابط الدستورية والشرعية التي أخذها مجلس صيانة الدستور. الأمر الذي انتهى إلى نتيجة سلبية بإدراج إيران على اللائحة السوداء للدول غير المتعاونة في محاربة تمويل الإرهاب وتجفيف مصادر تمويله.

المزيد من تحلیل