Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أمل دنقل رحل ولم يقل كل أسراره بعد

شقيق الشاعر الأصغر يكشف عن أعمال أدبية لم تنشر له حتى الآن!

تمر اليوم الخميس الذكرى الـ 37 لرحيل الشاعر أمل دنقل، الذي رحل وترك للمكتبة العربية عشرات الدواوين الشعرية ما زالت محفورة في أذهان عشاق شعر التفعيلة الحديث ونفوسهم، وقد ترجمَ غالبيتها إلى عدد من اللغات كالإنجليزية والألمانية والإسبانية، بسبب ما كان يقدم في قصائده من ملامح وقيم إنسانية وسياسية ما زالت تستعاد في مختلف الأحداث.

"اندبندنت عربية" قررت أن تزور مسقط رأس الشاعر في قرية القلعة بمركز قفط، في محافظة قنا جنوب صعيد مصر، للتعرف عن قرب على ملامح حول نشأته وعبقريته وتميزه الشعري على الرغم من وفاته في عمر 43 سنة.

نشأة أمل دنقل

أنس دنقل، الشقيق الأصغر للشاعر، قال إن أمل ولد عام 1940، وسرّ تسميته، هو أن والدنا كان من علماء الأزهر الشريف وقد حصل في العام الذي ولد فيه "أمل" على إجازة العالمية، فقرر أن يسمي مولوده الجديد بهذا الاسم تيمناً بالنجاح الذي حققه وهو أعلى مؤهل ديني أزهري يتصل بدراسة اللغة العربية والعلوم الشرعية.

وأضاف أنس أنه في عام 1950 شاءت الأقدار أن يرحل والدنا عن الحياة بعد صراع مع المرض، ليصبح أمل هو رب هذه الأسرة التي تتكون من شقيقتي التي كانت تبلغ من العمر 4 سنوات ووالدتي ومني، وكنت في ذلك الوقت طفلاً رضيعاً لم أكمل العام الواحد، ومع ذلك كله تحمل المسؤولية كاملة وأصبح يلعب دور الأب بامتياز.

 

وأشار أنس إلى أن الوالد ترك مكتبة عظيمة من أمهات الكتب والمراجع والمعاجم، والتي لعبت الدور الأكبر في النشأة الثقافية للشاعر الراحل، الذي كان عاشقاً للقراءة إلى حد الالتهام، فكان يكاد لا يخرج من مكتبة والده إلا للنوم أو تناول الطعام، وكثيراً ما تقمص الطفل اليتيم أمل دنقل دور الأب العالم الأزهري، عندما كان يخطب الجمعة ويلقي قصائد المدائح النبوية خلال المناسبات الدينية في القرية.

الإخلاص للشعر 

يروي عبدالناصر دنقل، ابن عم أمل دنقل وأحد أصدقائه المقربين أن الأخير منذ بداية المرحلة الثانوية، قرر أن يكون شاعراً ولذلك سأل أحد معلمي اللغة العربية كيف يصبح كذلك ومتميزاً؟ فقال له "من أن أراد أن يكون شاعراً فليحفظ 1000 بيت من بطون الشعر العربي، وليدرس علم العروض"، منذ ذلك الوقت عكف أمل دنقل على حفظ 1000 بيت من دواوين الشعر والأداب العربية، وباتت تلك المهمة شغله الشاغل بل كان يترك تحصيل بعض المواد الدراسية من أجل إتمام هدفه، ليكون مثل والده، وليتمكن وهو في الصف الثالث الثانوي من كتابة الشعر العمودي، وسط إشادة من جميع معلمي اللغة العربية.

سر العبقرية

ويشير الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة المصري الأسبق محمد أبو الفضل بدران وهو أحد معاصري دنقل، أن سر عبقريته تتمثل في أنه نموذج حقيقي للحداثة العربية التي تستهلم التراث العربي باحتراف، مضيفاً أنه توفي في سن 43 غير أنه حفر اسمه في المكتبة الشعرية العربية، وترجمت أعماله إلى العديد من اللغات الأجنبية كما قلنا سابقاً، كرّس  شعره للقضايا الإنسانية والعربية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف بدران "أن دنقل حافظ على الصدق فوصل إلى الجمهور، وعلى القصيدة فوصل إلى النقاد، وأظن أن الجو السياسي في حقبة الستينيات والسبعينيات المتمثل في مصادرة القصائد السياسية أسهم في انتشار شعره بين العوام والبسطاء، الذين رأوا فيه الشاعر الأقرب إلى قضاياهم وكانت قصائده بمثابة المنشور الثوري".

بينما يؤكد أستاذ الأدب والنقد وأحد معاصري الشاعر الراحل، محمد القناوي، أن إنتاج دنقل كان شاهداً على العصر بامتياز، وعلى تلك الحقبة على وجه التحديد، لأنه كان يحرص على تجسيد الأحداث السياسية، فعبّر عن نكسة 67 التي احتلت فيها إسرائيل شبه جزيرة سيناء بقصيدة "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة"، وعبّر عن هموم الحركة السياسية لطلاب الجامعات في قصيدة "الكعكة الحجرية" وكان أحد أعمدة السواري حيث يجتمع حوله الطلاب في ميدان التحرير في بداية السبعينيات، لمطالبة الرئيس محمد أنور السادات بتعجيل معركة استرداد سيناء من إسرائيل، ولعل أفضل ما كتبه، قصيدة "لا تصالح" تعقيباً على معاهدة إبرام الرئيس اتفاقية "كامب ديفيد" مع إسرائيل.

وأضاف: "كان يحترف استخدام الرموز والأقنعة في شعره، ما يستدعي شخصيات تاريخية ودينية كـ "سبارتاكوس – الإسكندر الأكبر- الحسين بن علي – الحلاج – زرقاء اليمامة – يهوذا – هارون الرشيد – جليلة بنت مرة" لمعالجة واقع معاصر وقضايا حديثة، وليخلق امتزاجاً مثيراً بين الماضي والحاضر".

 

الصراع بين الشعر والموت

أرملة الشاعر أمل دنقل، عبلة الرويني، تحكي عن تجربة مرض زوجها قائلة "كان لا يعرف الخوف، صخرياً شديد الصلابة، لما اكتشفنا إصابته بالسرطان لم يهتز قط، بل واجه تلك المرحلة بشجاعة كبيرة أدهشت كل من حوله، وحين تمكنت الأورام السرطانية منه قرر الأطباء أن يقيم مدة عامين تحت الرعاية الطبية في معهد الأورام في الغرفة "رقم 8"، حيث نضجت موهبته، وقدم للمكتبة الشعرية أفضل ما كتب من شعر عربي في مواجهة الموت والمرض".

وهذا ما أشار إليه حسين السمهودي، الباحث في شعر الشاعر، والذي وصف إنتاجه في فترة المرض بالغزير، مقارنة بالسنوات السابقة تلك المرحلة، إذ قدم في هذه المرحلة ديوانه المميز "أوراق الغرفة رقم 8"، الذي سجل فيه مرحلة مواجهة الموت والمرض في معهد الأورام، على الرغم من حالته الصحية المتأخرة، ولم يستطع المرض أن يوقفه عن الكتابة حتى أن الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي قال عن ذلك "إنه صراع بين متكافئين، الموت والشعر".

وأضاف حسين أن آخر ما كتبه دنقل قبل رحيله قصيدة "الجنوبي"، وتكتنفها رؤية فلسفية عميقة للموت والحياة، ليرحل بعدها بساعات قليلة في 21 مايو (آيار) 1983، ويدفن في بلدته طبقاً لوصيته التي تركها للدكتور جابر عاصفور والشاعر الراحل عبدالرحمن الأبنودي. 

 

أعمال أدبية لم تنشر

أخرج  أخو الشاعر أنس دنقل عدداً من الأعمال الأدبية التي تركها شقيقه ولم تخرج للنشر حتى الآن، وأشار إلى أن الأعمال  التي لم تنشر هي مسرحية شعرية بعنوان "الخطأ" و20 قصيدة غالبيتها قصائد غزلية، ما زالت تبحث عن فرصة للطباعة تناسب القيمة الشعرية للراحل، علماً أن أرملته تحتفظ  بمسرحية لم تنشر أيضاً بعنوان "الحاكم بأمر الله".

وأكد أنس أن أمل دنقل لم يسع إلى التكريم طيلة حياته، كما كرم رفيق دربه الشاعر الراحل عبدالرحمن الأبنودي الذي أطلق اسمه على أحد ميادين مدينة الإسماعيلية التي كان يسكنها مع أسرته، إلا أن أسرته ترى أن التكريم الأكبر الذي حاز عليه هو حب جماهير الشعر في العالم وتقديرهم له، فسنوياً يزور قبره، أدباء وشعراء ونقاد من دول العالم الغربي والعربي، كتونس والجزائر والمغرب ولندن وأميركا وسويسرا، تعظيماً لإنتاج يستدعي الفخر.

أمسيات واحتفالات أونلاين لمواجهة كورونا

أعلن فرع هيئة قصور الثقافة في جنوب مصر في بيان رسمي، عن تنظيم عدد من الاحتفالات والأمسيات الأدبية تزامناً مع ذكرى وفاته، في إطار الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الدولة المصرية لمواجهة انتشار فيروس كورونا.

أضاف البيان أن الأمسيات سيشارك فيها عدد من الشعراء والأدباء المعاصرين للشاعر الراحل، تتناول عدداً من الدراسات النقدية الغربية لشعره ونظرية النص البيئي في نتاجه ومواقف المعاصرين منه.

المزيد من ثقافة