Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحاجة إلى قيادات حكيمة وشجاعة وحلول ذكية "5"

أدعو قادة العالم إلى مراجعة أنظمتهم وممارساتهم الوطنية بشجاعة والتطلع نحو المستقبل

تعددت تداعيات فيروس كورونا لتشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية (أ.ف.ب)

لم يعد هناك شكّ في أنّ تداعيات فيروس كورونا متعددة الجوانب سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، على الرغم من أنّ هجومه الأساسي ضد صحة الإنسان وحياته، ومن الواضح أيضاً أنه لا توجد خيارات أحادية الطابع للتعامل معه، وأنه لا غنى عن التوصّل إلى صيغ ومعادلات عديدة، تأخذ في الاعتبار الممارسات والمصالح والترتيبات التي تبدو متناقضة كلية وجزئية، ومنها أنّ المجتمع الدولي في عصر العولمة مترابط ومتشابك، في حين أنّ أوّل التدابير الوطنية المنطقية المتخذة لمواجهة الجائحة هو إغلاق الحدود.

وفرضت بعض الدول القيود على الحركة وحظر التجوّل ببعض المناطق والأحياء للحدّ من انتشار العدوى وحماية صحة وأرواح المواطنين، وهي قيودٌ حدّت من قدرة المواطنين على ممارسة حياتهم الطبيعية في بعض الحالات، وأوقفت عجلة الاقتصاد الوطني والدولي. ويوجد كثير من الأمثلة الأخرى التي تبدو فيها المصالح متناقضة، خصوصاً على المدى القصير، الأمر الذي يفرض علينا اتخاذ قرارات صعبة، وتحديد الأولويات، وتخصيص الموارد لدعم الإجراءات التي يُجرى اتخاذها.

وتتطلب تلك القرارات الصعبة توافر قيادات وطنية ودولية حقيقية، قيادات تتسق مع حجم التحدي الذي يواجه المجتمع الدولي وأوطاننا الداخلية، قيادات لديهم الحكمة في إيجاد التوازن والشجاعة المطلوبة، لاتخاذ القرارات الصعبة، ‏قيادات لديهم الرؤية والتقدير لاستيعاب ‏حجم الفرص ‏المتاحة والمتوفّرة في عصر العولمة ‏وإدراك حجم المخاطر والتحديات المصاحبة له، قيادات لهم أواصل وثيقة وقوية بشعوبهم ويحظون بثقتهم وتقديرهم، ويطاعون باعتبارهم قدوة وقيادة، لصعوبة الاستناد إلى عناصر القوة والردع في مثل هذه الأمور.

والخيارات أمامنا ليست بين المصلحة الدولية والإقليمية، أو بين الوطنية والفردية أو الشخصية، ‏إنما علينا التعامل معها جميعاً في آن، ولن يتحقق ذلك من دون مزيد من التعاون، لمواجهة هذا الوباء وتداعياته، خصوصاً في ما يتعلق بحجم وطبيعة التحدي الطبي في بلادنا المختلفة وسُبل التصدي إليها. والخيارات ‏ليست بين صحة الإنسان وبدء تنشيط الماكينة الاقتصادية عبر البلدان والقارات، إنما في التعامل الذكي والحكيم مع كليهما، ‏من خلال التحكّم في إيقاع التشابك الاجتماعي بين المواطنين لمنع انتشار الوباء والانفتاح الاقتصادي التدريجي، بالتركيز بشكل أساسي على المرافق ‏الإنتاجية في المقام الأول، التي تمكّن من ضبط اختلاط الأشخاص بها نسبياً، وتحديد الأفراد المتعاملين فيها بدرجة معقولة، مع الحرص والتريث في فتح مجالات يتنوّع اختلاط المواطنين أو الزوّار فيها، مثل السياحة والملاهي والنوادي، وذلك حتى نتمكّن من تتبع ومواجهة أي إعادة انتشار للعدوى، مثلما رأينا في كوريا الجنوبية والصين وألمانيا، من أجل الحدّ من احتمالية انتشاره مجدداً.

في المقابل، علينا أن نوجّه مزيداً من الدعم والتسهيلات إلى القطاعات الاقتصادية التي يصعب عودتها إلى طبيعتها في وقت سريع، وتحديداً مثل قطاع السياحة خصوصاً. ‏ومن بين المعادلات التي يجب ‏تصويبها ما يسمى بالأمن بالمعنى التقليدي العسكري، والأمن بالمعنى الأوسع، وهو الأمن الاجتماعي والإنساني،‏ لضمان التوازن والتوافق بين التركيبة الديمقراطية والتوزيع المناسب للثروات بين الشعوب. كلاهما مطلوب، إنما بمعدّلات مختلفة عمّا هو قائم حاليّاً، فكيف يصل الإنفاق العسكري العالمي لعام 2019 إلى 1,917 ‏تريليون دولار أميركي في العام، في الوقت الذي نشهد فيه تقصيراً في القدرات والإمكانات الطبية ‏للتصدي إلى الفيروس في أغنى البلدان وأفقرها في آن؟

وعلى مستوى المؤسسات الحكومية الدولية علينا التعامل البنّاء مع تغيير أو تطوير المؤسسات الدولية المتعددة الأطراف والإقليمية التي أنشئت وجمعتنا في تأسيس النظام الدولي المعاصر الذي وُضِع منذ 70 عاماً، ‏وفي ظروف سياسية مختلفة، نظام دولي أعطى وضعاً متميزاً للفائزين في الحرب العالمية الثانية. نظام لم يعد يمثل أو يصلح للتعامل مع تحديات القرن الـ21، مع ظهور قوى سياسية متعددة جديدة، وبعد أن تجاوزت عضوية الأمم المتحدة 190 دولة، وانتقل الثقل الاقتصادي المعاصر إلى آسيا، وأصبحت الصين الشعبية هي القوة الدولية الصاعدة، ‏فضلاً عن ظهور مؤسسات وكيانات غير حكومية شرعية، وأيضاً تنافس مؤسسات الدولة الوطنية. كيف نفعل ذلك في ظل معارضة بعض الدول صاحبة المصلحة، ومن دون خلق فراغ أسوأ وأخطر مما نتعرّض له الآن في ظل الأوضاع السياسية السلبية بين الدول والنزاعات الإقليمية والاقتصادية والتجارية؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أكرر، النظام الدولي الذي يجمع بيننا ومجتمعاتنا الوطنية في حاجة إلى قيادات حكيمة، ‏لديهم ‏الرؤية والشجاعة للتعامل الجاد مع التحديات التي تواجه الدول، وتحديد الأولويات التي يجب اختيارها في ظل الأوضاع المضطربة التي نمرّ بها، ونتعرّض لها، وذلك من خلال مجموعة من المبادرات منها:

1- على المستوى الإقليمي، الذي يخصنا مباشرة، أدعو إلى انعقاد قمة عربية شاملة، حتى إذا فرضت الظروف أن يحدث ذلك من خلال الآليات التكنولوجية الحديثة، لوضع رؤية وخطة عمل مشتركة لتبادل الخبرات والتجارب بين الدول العربية ‏في مواجهة فيروس كورونا، ولضمان توافر الخبرات المتخصصة والإمكانات اللازمة لذلك، وعلى أن تتجاوز القمة الإدلاء بالبيانات العامة والتعبير عن التماني، ومناشدات التعاون، ويسبقها عقد اتصالات أولية مكثفة، ومشاورات تمهيدية بين الوزراء والفنيين المتاحين في الأمة العربية، وهو أمر يمكن تحقيقة أيضاً عن بُعد بوسائل الاتصال الحديثة.

2- على القمة أن تناقش أيضاً رؤية عربية لما يجب أن يكون عليه النظام الدُّولي من منظور مستقبلي، لتُطرح هذه الرؤية على السكرتير العام للأمم المتحدة والتجمّعات الدولية الأخرى، مثل حركة عدم الانحياز وبين مجموعة البلدان النامية، والمؤتمر الإسلامي ‏والاتحاد الأفريقي، وللمؤسسات الدولية بمختلف تخصصاتها، فالمجتمع الدولي سيمرّ بتغيرات متعددة في ضوء التغير التكنولوجي والتجارب الإيجابية والسلبية لعصر العولمة، والصدمة التي تعرّضنا لها جميعاً من فيروس كورونا، ومن الأفضل أن نكون شركاء حقيقيين في بلورة أسس أكثر توازناً وتمثيلاً للعالم، وأكثر دقة في التعبير عن تطلعاته، وأكثر عدلاً في احترام حقوقهم، وتوزيع عوائد للعولمة بينهم وداخل أوطانهم.

3- في هذا الصدد، أكرر مرة أخرى دعوة السكرتير العام للأمم المتحدة لتشكيل مجموعة عمل استشارية من الشخصيات العامة الملهمة ذوي خبرات متنوعة خارج النطاق الحكومي، لاقتراح مبادئ وأسس النظام الدولي الجديد، وتُعرض ‏بعد ذلك على مجلس الأمن أو دورة خاصة للجمعية العامة، لمناقشاتها وإقرارها من قِبل الدول، لإعطائها الشرعية الدولية اللازمة.

‏ ‏4- أقترح مرة أخرى أيضاً أن يخفّض الإنفاق العسكري العالمي ثلاثة في المئة، ‏وهو ما يعادل 57 بليون دولار أميركي، يخصص منها اثنان في المئة لدعم الإنفاق الاجتماعي والصحي على المستوى الوطني، ‏ويجرى إيداع واحد في المئة منها، الموازي 19 بليون دولار في صندوق للطوارئ الصحية والاجتماعية تحت ولاية سكرتير عام الأمم المتحدة للصرف من خلال المؤسسات الدولية والوطنية المتخصصة في هذه المجالات، فكيف نتحدّث عن الحضارة الإنسانية والقيم وننفق على مصادر الهدم والتدمير، بما يتجاوز بكثير الحاجات الأمنية حتى في أحلك الظروف وأخطرها؟

5- واتصالاً بكل ذلك، أدعو قادة العالم، بمن في ذلك رؤساء وزعماء العالم العربي، إلى مراجعة أنظمتهم وممارساتهم الوطنية بشجاعة وموضوعية والتطلع نحو المستقبل، لاستخلاص الدروس المستفادة من العقود الماضية، ومن تحديات عصرنا هذا تحديداً، لكي تكون دولنا بمؤسساتها وشعوبها أكثر استعداداً وكفاءة في التعامل مع المتغيرات الكثيرة التي تأتي بأنماط عديدة ومتغيرة باستمرار، التي تتطلب الثقة والتعاون الوثيق بين مؤسسات الدول وشعوبها.

المزيد من آراء