Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حسن فتحي معماري الفقراء مع الحداثة والتراث

أمر مضحك أن يقوم مهندس عربي ببناء شاليه سويسري وبجواره نخيل وجمال

ترك المهندس حسن فتحي عصارة أفكاره في كتاب بعنوان "عمارة الفقراء" (غيتي)

أسهم الحجر المنزلي في اكتشاف البيت الذي كنّا نعامله باعتباره "آلة للسكن" كما يصفه الفيلسوف المعماري الفرنسي لوكوربوزيه. لقد أعدنا اكتشاف البيت من نواحيه كلها، أي كونه مكاناً حميمياً ذا هندسات وتصاميم معينة، بعضها يصيبنا بالراحة وبعضها قد لا يكون المهندس موفّقاً في تنسيقه، فيجعلنا غير مرتاحين له، خصوصاً في الشقق الجاهزة التي لا نشارك في تصميمها.

اكتشفنا البيوت، ولكننا لم نعد اكتشاف المهندسين وأفكارهم الفنية المُبدعة الكثيرة. وفي مقدمة هؤلاء عربيّاً، المعماري المصري حسن فتحي (1900-1989)، صاحب نظرية التكامل البيئي والاجتماعي للعمارة. وقد سمحت له الظروف بتطبيق نظريته في أماكن مختلفة من العالم، ولكن أكثرها أهمية كان قرية "القرنة" في مدينة الأقصر الأثرية، على ضفاف النيل في جنوب مصر. وقد بناها من أجل نقل الأقصريين الذين سكنوا في مقابر الملوك والنبلاء في وادي الملوك.

البداية

بدأت القصة في أواسط الثلاثينيات حين كان الأقصريون يعتاشون من البيع غير الشرعي لآثار المصريين القدماء الموجودة في القبور. وقررت السلطات، أيام حكم الملك فاروق، نقل سكان المقابر الأثرية إلى قرية جديدة، كي يتسنّى لبعثات التنقيب عن الآثار القيام بعملها وأرشفة المقابر والحفاظ عليها. فوقع الاختيار على حسن فتحي المهجوس بتحسين حياة الفلاحين عمراناً وثقافة، كي ينقل القرية القديمة بكاملها إلى أرض قريبة من النيل وتتّسع لسكان القرية وتوفّر لهم عيشاً كريماً. ونقل القرية كان يحتاج إلى إعادة نقل مجتمع بأكمله، بما في ذلك من تعقيدات وحاجات وعلاقات اجتماعية. وكان على فتحي أن يفهم هذه التعقيدات قبل أن يشرع بالبناء.

وحسن فتحي كونه مهندساً ذا أحلام ثورية في العمران، أراد أن يبني الأهالي القرية الجديدة وبطريقة التعاون التقليدي، وليس الجمعيات التعاونية من الموظفين البيروقراطيين. وكان يحلم في إخضاع علوم الهندسة والتكنولوجيا الحديثة لاقتصاديات الأهالي ذوي الدخول شديدة الانخفاض، بما يسمح بإيجاد مسكن يتّفق مع هذه الدخول.

من هو حسن فتحي؟

بعد تخرّجه من كلية الهندسة، برز طموح الشاب فتحي بتحسين حياة الفلاحين من خلال تحسين أماكن سكنهم. وبما أنه ابن عائلة ثرية، فقد بدأ أعماله الخاصة من أموال العائلة، فبنى مدارس محلية ومزارع وبعض البيوت القروية في الأراضي التي تملكها عائلته في الصعيد. لكن لأسباب مختلفة، حوربت أفكار فتحي في مصر، فسافر إلى اليونان في أواخر الخمسينيات، وأسّس مع مهندس يوناني معهداً للتصميم والإنشاء، قبل أن يقنعه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في بداية الستينيات بالعودة إلى مصر.

وكان حسن فتحي من رموز العمارة العربية في القرن العشرين ومن مبدعي فن العمارة المصرية الأصيلة الذي استمد مصادره من العمارة الريفية النوبية المبنية بالطوب. وقد استلهم أفكاره من العمارة الريفية التي كان يسمّيها عمارة الفقراء، ومن الإرث الحضاري لبلاده، متمثلاً في المعالم الحضارية والبيوت والقصور التي تعود إلى العصرَيْن المملوكي والعثماني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأصبح فتحي منذ مطلع السبعينيات من القرن العشرين بمثابة المرجع الفكري لكثيرين من المعماريين الشباب الخارجين لتوهم من ثورات نهاية الستينيات الطلابية، والرافضين لتيار البناء العشوائي المفتقر إلى الجمال، وتحوّل بيته في درب اللبانة إلى مقصد لعشاق الفنون والثقافة من مختلف الجنسيات والأعمار والراغبين للاستفادة من علم فتحي.

وأشرف حسن فتحي على مشاريع معمارية كثيرة في مناطق متفرّقة من مصر، وفي دول أخرى، منها العراق وفلسطين والجزائر وباكستان ونيجيريا والولايات المتحدة، وتقلّد مناصب استشارية في مصر وخارجها.

كتاب "عمارة الفقراء"

ترك المهندس حسن فتحي عصارة أفكاره في كتاب بعنوان "عمارة الفقراء"، حاول فيه أن يلفت انتباه المهندسين المعماريين والسلطة السياسية، وكل من له شأن في مجال العمارة والتخطيط وبناء المدن والقرى، إلى أنّ الانسلاخ عن التراث في عملية البناء والتصميم، بحجة الحداثة، هو خطأ فادح تترتب عليه مآس اجتماعية واقتصادية لا تُحمد عقباها، أولها ضياع هوية المجتمع وانسلاخه عن ماضيه وتراثه وانعدام التفاعل الحيّ بين البيئة وحاجات المجتمع الخاصة، وبرأيه أنّ أشكال البناء المستوردة من الخارج لا تتناسب مع ميول وحاجات وأمزجة وبيئة الإنسان العربي. لذلك، دعا إلى تفعيل التراث في البناء والتصميم من دون أن يغفل دور الحداثة والحاجات المستحدثة نتيجة لتطوّر العصر. وكتب أنه "يجب أن لا تكون الحداثة على حساب تدمير التراث الذي يمتدّ في ذاكرة الإنسان المصري إلى آلاف السنين، لأنه جهد أجيال وحقبٍ تفاعلت مع البيئة وحاجات الإنسان، فأنتجت تصاميم دافئة حانية واكبت متطلّبات الحياة على مرّ الأزمان والعصور، على عكس ما نشاهده اليوم من خلال تلك التصاميم الباردة التي يشعر ساكنها بغربة عنها. لذا، علينا أن نكون في تصاميمنا كالشجرة التي ترتشف لبراعمها الصغيرة والجديدة حياتها ورونقها وجمالها من جذورها".

ويكتب حسن فتحي في إحدى رسائله عن "القرنة": "الثقافة عُرفت بأنها نتيجة تفاعل ذكاء الإنسان مع البيئة في استيفاء حاجاته المادية والروحية، وينطبق أكثر ما ينطبق صدق هذا التعريف على الفنون التشكيلية ومنها العمارة، لأنه ليس من المعقول أن يصوّر مصور سويسري لوحة بها جِمال ونخيل عن طبيعة بلاده، كما لا يمكن ولا يُعْقل أن يقوم مهندس معماري عربي ببناء شاليه سويسري في مصر أو الكويت، وبجواره نخيل وجمال، إنه يكون أمراً مضحكاً كما هو في الأفلام الهزلية، ولكن للأسف هذا هو الحادث اليوم في البلاد العربية، ليس ببناء شاليهات سويسرية في المنطقة العربية، وإنما ببناء عمارات أميركية على الطراز الغربي الحديث الذي يتنافى مع طبيعة البلاد وأشكال الناس وملامحهم التي تصبح عندما نراهم بجوار تلك المباني كأشكال النخيل والجِمال بجوار الشاليه السويسري".