Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كورونا في الذروة والمشروع الإيراني أيضا

بدأ عملية ابتلاعه في مايو 2008 فهل يستطيع حزب الله أن يدير لبنان؟

يعدُّ حزب الله اللبناني الاستثمار الإيراني الأعرق والأبرز في الإقليم (أ.ف.ب)

بين مايو (أيار) 2008 ومايو 2020 توغّل حزب الله بقوةٍ في مفاصل النظام السياسي اللبناني، إذ يمكن القول اليوم وبعد إشرافه على قيام الحكومة التي يترأسها حسّان دياب إنه يسيطر على الدولة ويدير شؤونها! لكن ما مدى استمرار هذا الأمر الواقع وإلى متى؟

بدأ مشروع السيطرة عبر الحزب الذي أنشأه وموّله وسلّحه الحرس الثوري الإيراني، منذ استثنائه عام 1990 من عملية تسليم سلاح الميليشيات للدولة، واعتباره المقاومة الوحيدة ضد الاحتلال الإسرائيلي. وفي الحقيقة كرّس ذلك الاستثناء مذهبية وطائفية "المقاومة"، وجعل للطائفة الشيعية ميليشياتها المسلحة الخاصة، بينما منع على الطوائف الأخرى أن تُبقي على مسلحيها وأسلحتها.

كان يمكن للقوى المُسيطرة يومها، القوات السورية المدعومة من إيران، أن تبرّر إلى حد ما ذلك "التفرّد" الشيعي اللبناني المتأيرن (تابع إلى إيران)، بسبب استمرار الاحتلال الإسرائيلي لقسم من الجنوب اللبناني، وضرورة مقاومة هذا الاحتلال، لكن بعد الانسحاب الإسرائيلي في مايو 2000، لم تعد مبررات استمرار ميليشيات حزب الله قائمة، فحفظ الوطن والدفاع عن حدوده مسؤولية الدولة، وما من مقاومة في التاريخ استمرّت بعد تحرير الأرض خارج إطار النظام العام والدولة المنبثقة منه.

مع ذلك استمرّ حزب الله في تعزيز صفوفه عدداً وعتاداً، وزُوِّد بآلاف الصواريخ تحت عنوان ردع التهديدات الإسرائيلية. صحيحٌ أن خطابه اتخذ منحى فلسطينياً، إلا أنّ الهدف من إبقائه وتمكينه كان ولا يزال: تعزيز حضوره داخلياً، وصولاً إلى إمساكه بالسلطة، وثانياً استمراره طاقة فعّالة في يد السياسة الإيرانية العامة، تستعمله في تفاوضها وتنابذها مع أميركا وإسرائيل والغرب، وفي حروبها الإقليمية من سوريا إلى العراق واليمن، عدا أدوار عدة محلية ودولية أخرى.

بلغت إيران ذروة نفوذها الإقليمي مع تدخّلها في سوريا، لضرب انتفاضة الشعب السوري، وكان حزب الله ولا يزال إحدى أذرعها، إذ استجاب مبكّراً لتورّطها في هذا البلد، وفي ذروة تقدّمها عشية انضمام روسيا المعلن إلى المذبحة السورية، دفعت بالحوثيين إلى انقلابهم على الشرعية في صنعاء، مدعومين أيضاً بمتخصصين من الحزب اللبناني.

كان تقدّم الحوثيين إلى الإمساك بالسلطة شبيهاً، بل نسخة، من أسلوب حزب الله في محاولته ابتلاع الدولة اللبنانية، ففي مايو 2008 أجرى الحزب عرضاً للقوة تمكَّن بنتيجته من شلّ المؤسسات الدستورية والأمنية كلّياً، وفرض رئيساً للجمهورية قبل انتخابه، وصيغة لتركيب السلطة التنفيذية (الحكومة) ستضمن له القدرة اللاحقة على التحكّم بقراراتها مهما كانت نتائج الانتخابات النيابية، وهذا ما حدث فعلاً، إذ لم ينفع فوز الفريق المعارض له في انتخابات 2009 في تعديل موازين القوى، واستمرّ الحزب الإيراني ممسكاً بتلابيب الحياة السياسية، مانعاً إجراء انتخابات رئاسية مدة عامين ونصف العام، حتى رضخ الجميع إلى قراره تنصيب الجنرال المتقاعد ميشال عون رئيساً للدولة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بلغ النفوذ الإيراني في المنطقة ذروته متزامناً مع بلوغ وباء كورونا ذروته أو هو في طريقه إليها، لكنّ انتفاضتي العراق ولبنان بشَّرتا قبل هجمة الوباء بأن الهيمنة الإيرانية مرفوضة، وأبلغ الأميركيون باغتيالهم قاسم سليماني مهندس التوسّع الإيراني، طهران، أن لصبرهم حدوداً، فردّت أنها ستواجه الأميركيين في كل المنطقة، ليعلن الرئيس الأميركي قراره ضرب أي تحرّش بقواته براً وبحراً، ومن دون تردد.

منتصف أبريل (نيسان) الماضي يمكن اعتباره نقطة تحوّل في مصير المشروع الإيراني للمنطقة، إذ تمكّن العراقيون من تشكيل حكومة تعد بالاستجابة لمطالب انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول)، وتطلق سجنائها، وتعد بأن لا ميليشيات خارج سلطة الدولة، وفي سوريا ازداد الضغط على الوجود الإيراني وسط مناخات من الغضب الروسي على الدور الإيراني، وسلوك الرئيس بشار الأسد سمح بمزيدٍ من الهجمات الإسرائيلية على المواقع الإيرانية في سلسلة غارات خلال أبريل (نيسان) ومايو، كانت شبه متوقفة في مارس (آذار) الماضي.

حزب الله، بصفته الاستثمار الإيراني الأعرق والأبرز في الإقليم، يبدو الأقرب إلى تحقيق هدفه في وضع اليد على السلطة بلبنان، وهو واقعياً تمكّن من الإمساك بمفاصلها عبر هيمنته على مواقعها الثلاثة: رئاسات الجمهورية، والمجلس النيابي، والحكومة. إنها الذروة التي يبلغها الحزب محلياً، والجائزة الكبرى التي تحصدها إيران في موسم اهتزاز ركائز سلطتها داخلياً وإقليمياً. وتعكس خطابات حزب الله الأخيرة إحساسه بخطورة المهمة التي انتزعها لنفسه في لبنان، فقد غابت نكهة تحرير القدس عنها، وخلت إلى حد كبير من الهجمات على الدول العربية، وحلّت الاهتمامات الاقتصادية والمالية ومكافحة كورونا في المرتبة الأولى.

وذهب الحزب الذي نادى سابقاً برفض العلاقة مع صندوق النقد الدولي والمؤسسات الدولية والغرب إلى دعم العلاقة مع هذه الجهات، متبنياً خطة الحكومة التي يدعمها في اللجوء إلى "مؤتمر سيدر" والصناديق الدولية التي تتحكّم بها الولايات المتحدة.

الذروة التي بلغها الحزب الذي تديره إيران ويخضع لمرشدها تبدو من دون أفق غير الفشل والانحدار، فالعالم لا يبدو متحمّساً لتمويل بلد تهيمن إيران على مصيره، وقد عكست النقاشات الخاصة بالقرار 1701 (4 مايو) في مجلس الأمن جانباً من اشتراطات القوى الدولية الفاعلة، قبل الانخراط في دعم الحكومة اللبنانية، ومنها أن تلعب قوات الأمم المتحدة دورها كاملاً في الجنوب، ويُنهي حزب الله مداخلاته في منع قيام تلك القوات بدورها بموجب قرار تكليفها .

من جهة ثانية، سيكون على الحزب أن ينهي تدخله في سوريا، وهذه مسألة مرتبطة بالحضور الإيراني ككل، ولا تبدو متاحة إلا في سياق صفقة شاملة، ألمح إلى احتمالها الأميركيون في سياق حديثهم عن إيجابيات في الموقف الروسي. ربما لا يطول الوقت حتى ينتهي حجر كورونا، فيخرج السياسيون والعسكريون من حجرهم لنشهد خاتمة لمشهد باتت نهايته قريبة.

المزيد من آراء