Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأزمة المالية أشد وقعا على العاملات الأجنبيات في لبنان

أصبح الوضع كارثياً مع ارتفاع سعر الدولار خصوصاً في ظل توقف رحلات الطيران

عاملات أثيوبيات في لبنان (أ.ف.ب)

لم تقتصر تداعيات الأزمة المالية والنقدية في لبنان على فئة معينة دون أخرى، لتطال العاملات الأجنبيات بشكل خاص، فانعكست على وضعهن في البلاد. فمع ارتفاع سعر صرف الدولار بمعدلات غير متوقعة وبسرعة جنونية، وقع المواطن اللبناني ضحية الأزمة ومعه أيضاً فئة العاملات الأجنبيات في المنازل اللواتي يتخطّى عددهن على الأراضي اللبنانية 250 ألفاً. والأزمة حلّت قاسية على كل من الطرفين ربّ العمل والعاملة في الخدمة المنزلية. فمن يجد الحل في ظل هذا الواقع الذي أصبح الجميع فيه أمام حائط مسدود؟

عقد العمل

انعكاسات الأزمة المالية على وضع العاملات في المنازل ظهرت منذ أكثر من ستة أشهر، وتفاقمت بشكل لافت في الشهرين الأخيرين مع الارتفاع الكبير الذي شهدناه في لبنان في الأسواق المالية على سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية. "أصبح الوضع كارثياً مع ارتفاع سعر الدولار. من حق العاملة المنزلية أن تتقاضى أجرها بالدولار. لكن مع ارتفاع سعره أصبح يشكّل عبئاً واضحاً على المواطن اللبناني، فيجد صعوبة في تسديده"، يقول بول صفير، صاحب أحد مكاتب استقدام العاملات المنزليات الأجنبيات.

ويضيف "في هذه الحالة، لم يعد صاحب العمل يريد إكمال العقد لعدم قدرته على تسديد أجر العاملة، ولا العاملة ترغب في الاستمرار بالعمل وكلاهما ملزم بسبب الظروف". وقد ازداد الوضع سوءاً على حدّ قوله، مع إقفال المطار بسبب انتشار فيروس كورونا، فبرزت مشكلة العاملات اللواتي انتهت صلاحية إجازات عملهن، واللواتي يُفترض أن يغادرن الأراضي اللبنانية. لكن بسبب توقّف الرحلات الجوية وإقفال المطار، ألزمت الدولة صاحب المنزل الاستمرار بدفع أجر العاملة على الرغم من التحدّيات. فأين الحلّ المنصف لكل من الطرفين؟ من المتوقع أن تعقد وزيرة العمل مؤتمراً صحافياً قريباً، تتناول فيه هذه القضية وسبل معالجتها بانتظار إعادة فتح المطار، بحسب صفير. أما إذا استمر الوضع على هذه الحال، فثمة كارثة حقيقية لأن الأشخاص عاجزون عن دفع أجور العاملات ولا يمكن الاستمرار بهذا الوضع غير المنصف للطرفين. ويدعو العاملات إلى "تفهّم واقع الأزمة التي نمر بها والتحلّي بالصبر لأنّ الوضع صعب على الجميع".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في المرحلة المقبلة، يتوقع صفير أن تتراجع طلبات العاملات الأجنبيات أكثر، فاللبنانيون لن يتحمّلوا عبء دفع أجورهن بالدولار. وهذه واحدة من الأمور الأساسية التي سنشهد تغييراً فيها وفي نمط حياة المواطنين الذين تراجعت إمكاناتهم المادية مع ارتفاع سعر الدولار، ناهيك عن زيادة معدلات البطالة وتقاضي كثر نصف أجورهم.

حلول محدودة وأزمة لم توفّر أحداً

شادي شامي، صاحب أحد مكاتب استقدام العاملات المنزليات، يعرب بدوره عن تفاؤله بمساعي وزارة العمل لإفساح المجال أمام تحويل أجور العاملات عبر المصرف مباشرة، لمن يملك حساباً مصرفياً بالدولار. أما بالنسبة إلى أولئك الذين لديهم حسابات بالليرة اللبنانية، فليس أمامهم سوى الاتصال بالمكتب لردّ العاملة، إذا لم تكن لديهم القدرة على الاستمرار بتسديد أجرها، فتُنقل إلى منزل آخر، وإلّا فليس أمامهم سوى الانتظار حتى يفتح المطار.

"أما بالنسبة إلى الإقامات المنتهية الصلاحية، فما من غرامات تُدفع وثمة فترة سماح حتى 30 مايو (أيار) قابلة للتجديد في حال مُدّدت فترة إقفال المطار، بالتالي لا يواجه صاحب العمل مشكلة من هذه الناحية". وفي ما يخصّ شكاوى العاملات من الوضع، يشير شامي إلى أنها نادرة حتى الآن في حال الالتزام بالدفع سابقاً. لكن من المتوقع أن تظهر تداعيات ارتفاع سعر صرف الدولار لاحقاً، إذا تراكم عدد الأجور غير المدفوعة.

وتؤكد مدير عام وزارة العمل مارلين عطالله من جهتها في حديث لـ "اندبندنت عربية"، أنه ثمة مساع حثيثة بالتنسيق بين وزارة العمل والأمن العام اللبناني والسفارات والوزارات المعنية، ووُضعت الخطوط العريضة بشأن العودة الطوعية للعاملات الأجنبيات. وتقول "يُعتبر الهمّ الأساسي لنا حالياً تأمين رحلات لعودة العاملات إلى بلادهن، لكن لم تُحدّد المهلة للتنفيذ. يحتاج هذا إلى التنسيق أيضاً مع الدول الأخرى والتأكد من تجاوبها، خصوصاً أنه ما من خطوط طيران مباشرة بين لبنان وإثيوبيا ولا مع الفيليبين أيضاً وباقي الدول المعنية".

أما في ما يتعلّق بطرح تحويل أجور العاملات عبر المصرف لمن يملك حساباً بالدولار، فتوضح عطالله أنه لم يتم البحث فيه جدياً حتى الآن. ولا بد من التشاور في ذلك مع جمعية المصارف. لكن في كل الحالات، تشدّد على أولوية تقاضي العاملة أجرها بحسب ما جرى الاتفاق عليه في العقد، مشيرةً إلى أن الوزارة رفضت رفضاً تاماً أن يُدفع لها بالليرة اللبنانية لأن هذا لا يُعتبر منصفاً لها. كما لا يُسمح بتراكم أجورها المستحقة. وتردف "على صاحب العمل الالتزام بالدفع، فيما لا ننكر أنه يحصل تشاور أحياناً مع العاملة، فتوافق على خفض أجرها أو على عملية تبادل معينة في حال العجز عن تسديد الأجر. تبقى العاملة الحلقة الأضعف ولا يمكن التقصير تجاهها وثمة التزامات لا يمكن التهاون فيها".

وحول إجازات العمل، تؤكد أن صلاحياتها مُدّدت تلقائياً حتى 30 مايو بالتنسيق مع الأمن العام، وقد صدرت مذكرة بالتمديد حتى انتهاء فترة التعبئة العامة، موضحةً أن المشكلة الأساسية اليوم هي في إقفال المطار، وقد تُخفّف إعادة فتحه الأعباء على الجميع.

في المرحلة الاستثنائية... لا مكان للحل القانوني

ولا يعتبر نظام الكفالة حديثاً في لبنان، ولطالما كان سبباً لجدال واسع وجرت محاربته على أصعد عدّة. خلال سنوات، جابهت منظمة "كفى" هذا النظام، وتعتبر محامية قسم الإتجار بالبشر في "كفى" موهانا إسحاق، في حديث لـ "اندبندنت عربية"، أن نظام الكفالة أثبت أنه سييء في هذه المرحلة أكثر من أي وقت مضى، إذ يلزم العاملات بمتابعة العمل في ظروف لا تعرف طبيعتها ولا نتيجتها، خصوصاً في ظلّ الحجر المنزلي حيث تزيد الضغوط النفسية. وكثيرات يتواصلن معنا ويعانين اضطرابات نفسية بسبب تلك الضغوط. وفي هذه الظروف، لا يمكن إدخالهن إلى المستشفى، فيُجبر رب العمل على إبقائها في المنزل، وهنا لا تخفي المحامية أن الوضع كارثي أيضاً على صاحب العمل. أما بالنسبة إلى العاملات اللواتي يمكن أن يأتين مستقبلاً إلى لبنان، فمن المتوقع أن تحرّر عقود العمل على أسس جديدة لحماية أرباب العمل والعاملات في الوقت ذاته. "الوضع صعب على الجميع ومن الضروري أن تسعى وزارة العمل إلى إيجاد الحلول الآنية بأسرع وقت ممكن، بالتنسيق مع شركات الطيران والسفارات، كأن تخصّص رحلات استثنائية لعودة طوعية للعاملات. ذلك لا يحتاج إلى قوانين واجتماعات، بل إلى التنظيم بين السفارات والوزارة والجهات المعنية. هذا كفيل بالحدّ من النزف الحاصل الذي يطال صاحب العمل والعاملة في الوقت ذاته، لعدم القدرة على تسديد الأجور وعجز العاملة عن مغادرة البلاد، خصوصاً أن الأزمة ستطول ولا يمكن الانتظار حتى تتحسّن الأمور. وحتى في حال التعثّر في دفع تكاليف السفر، ثمة منظمات كمنظمة الهجرة الدولية يمكن أن تقدّم الدعم لذلك. على الوزارة أن تتحلّى برؤية وحكمة لتسيير الأمور. يبدو هذا الحل الوحيد لوقف الاستغلال الذي يصيب الطرفين. فالحلول القانونية غير واردة حالياً في ظل الظروف الاستثنائية التي تمرّ بها البلاد، ولا يمكن تطبيق القانون بحرفيته. فبالنسبة إلى العاملة المنزلية، مكان العمل هو البيت، وفي حال فُسخ العقد لعدم قدرة رب المنزل على دفع أجرها، لا يمكنها أن تغادر البيت، كما يمكن أن يحصل مع أي أجير آخر يخضع لقانون العمل، بوجود نظام الكفالة. وعلى صاحب العمل الاستمرار بالدفع وإن لم يكن قادراً. إضافةً إلى إقفال المطار الذي يزيد الأعباء على الجميع. الوضع اليوم يشبه الزلزال الاقتصادي الذي لم يوفّر أحداً"، على حد قول إسحاق.