Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف استثمر الموساد أزمة كورونا في المشهد السياسي الإسرائيلي؟

رئيس الجهاز سيتقاعد قريباً وينضم إلى "الليكود" ومرشح لخلافة نتنياهو

أبرمت الحكومة الإسرائيلية صفقات لشراء المعدات الطبية من عدة دول (أ.ف.ب)

لم يكن الأمرُ مرتبطاً بمعاونة جهاز الموساد في أزمة كورونا، باستحضار معدات طبية أو إبرام صفقات عاجلة مع بعض الدول الكبرى، لتوريد متطلبات الجهاز الصحي في إسرائيل فقط، بل كان متعلقاً أيضاً بمهام عاجلة لحماية أمن إسرائيل في الداخل إلى جوار جهاز الشاباك الذي أدّى دوراً داخلياً، لاعتبارات مهامه في توفير المعلومات  والبيانات عمّا يحدث في العالم، ويخص إسرائيل في إدارة الأزمة.

وبالتالي، لم يكن الأمر في حاجة إلى تأكيد دور جهازَي الموساد والشاباك بالمعني المتعارف عليه في عالم أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وهو عالمٌ تغيّر خلال السنوات الأخيرة تماماً من العمل في السر إلى العلن، والبحث عن بطولات حقيقية، بل ومحاولة تغيير الواقع والتاريخ لأشهر عملياتهم التي قاموا بها، بل ومحاولة تأكيد رؤيتهم في إدارة العمليات الاستخباراتية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تكليفات محددة

1- أصدرت الحكومة الإسرائيلية سلسلة من قرارات التوجيه الحكومي بالعمل وتوفير وتأمين الخطط الحكومية من قِبل أجهزة المعلومات كلّ في تخصصه، وإن كان التركيز بالأساس على الموساد لمهامه الخارجية البارزة، وقدرته على توفير المطلوب صحياً، وهو ما مكّنه من إبرام صفقات المعدات الطبية من عدة دول، إضافة إلى الحصول  على بعض الأدوية المهمة، التي حصل عليها من اليابان والصين وألمانيا لبدء تجربتها في إسرائيل، خصوصاً بالمجمع العلمي، كما اتضح بصورة مباشرة في الاستعانة بجهاز الأمن الداخلي الشاباك لجمع بيانات المواطنين، مع توفير قاعدة الاتصالات بين كل قطاعات الدولة، خصوصاً المتخصصة بهدف مراجعة الحالة الصحية في بعض المناطق .

2- تكليف وحدة المناظرة في الاستخبارات العسكرية (أمان)، بمساعدة وزارة الصحة، في إيجاد برامج وتطبيقات فريدة، ومبتكرة للتعامل مع الفيروس واحتمالات تمدده في مناطق جديدة بإسرائيل، خصوصاً بالقرب من مناطق قطاع غزة، وفي بعض البؤر الحالية بالضفة الغربية وداخل قطاع غزة  .

3- تكليف الجيش الإسرائيلي بالمشاركة في إدارة أزمة كورونا، إلى جانب وزارة الصحة وبعض الوزارات الأخرى، وقد وقّع وزير الدفاع نفتالي بنت على أمر يجيز تجنيد 2000 من أفراد الاحتياط من أجل المساعدة الراهنة والمحتملة في حال انتشار الفيروس، وذلك كإجراء أوّل في إطار احتمال القيام باستدعاءات متتالية ستتم في خلال الأسابيع المقبلة، كإجراء احترازي. (يتم هذا الإجراء بصورة دورية بصرف النظر عن حدوث كوارث عاجلة للمساعدة في التدريبات والمناورات السنوية).

4- البدء في تطبيق إجراءات الأمن العام حالة (الطوارئ أ) التي كلفت الحكومة أجهزة المعلومات تطبيقها والإشراف على مراحل تنفيذها، وهو ما يشير إلى وجود تصوّر مسبق في إدارة الأزمات، التي تدرّب عليها الجيش الإسرائيلي مسبقاً من خلال مناورات وتدريبات المحاكاة طوال العام ووفقاً لخطط إدارة الأزمات.

5- ستنفذ أجهزة المعلومات، خصوصاً الشاباك، تطبيق الحالة الراهنة للطوارئ، بالمشاركة مع وحدات نخبوية للدعم والنقل اللوجيستي والاتصال داخل الاستخبارات العسكرية أمان، وذلك بهدف تقييد الحركة والنشاط في المجال العام، إضافة إلى غلق الحدود واستخدام الوسائل الرقمية من أجل تحديد مكان وجود مرضى كورونا وعزلهم مع إقرار بند العقوبات لمن لا يلتزم الحجر الصحي، سيُغرّم بـ5000 شيكل (1393 دولاراً أميركياً)، وسيُغرّم من لا يلتزم عدم التجمهر بـ3000 شيكل (836 دولاراً أميركياً).

 

ملاحظات جوهرية

1- تداخلت مهام كل جهاز أمني أو استخباراتي في إسرائيل، خصوصاً بين الموساد والاستخبارات العسكرية في السنوات الأخيرة لاعتبارات تكتيكية - استراتيجية، وفي إطار المخاطر والتهديدات التي تواجه إسرائيل، وتطلبت فعلياً التنسيق والتداخل في المهام المنوط بها كل جهاز على حدة، وحيث لم تعد هناك تكليفات ثابتة بالنسبة إلى الأمن الداخلي أو الخارجي.

2- سعي الحكومة الإسرائيلية لتأكيد دور المؤسسة العسكرية في متابعة ومراقبة الأداء الحكومي بصورة غير مباشرة، وهو ما برز في مجمل التشريعات والصلاحيات التي مُنحت لمؤسسة الجيش للقيام بدور قيادي ورأس الحربة في إدارة الأزمات التي يمكن أن تواجه الدولة داخلياً أو إقليمياً .

3- محاولة الحكومة الإسرائيلية تأكيد دور الأجهزة الأمنية في القطاعات المدنية بعد الاتهامات الكبيرة التي أوردها قادة الأحزاب والقوى السياسية بأن الجيش نجح في السنوات الأخيرة في الحصول على مكتسبات ومخصصات كبيرة (سُحِبت من المخصصات المقررة للتعليم والصحة)، واتهام الجيش الإسرائيلي بأنه لم يدخل في مواجهة نظامية حقيقية، وأنه لا يواجه سوى تنظيمات إرهابية فقط.

4- رغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في تحقيق مكاسب ذاتية من خلال الاعتماد على أجهزة المعلومات بمختلف تخصصاتها لمواجهة انتقادات واتهامات الجنرالات في تحالف (أزرق أبيض) بأنه لا يستطيع مواجهة الأزمة من خلال الاعتماد على الأجهزة والوزارات المدنية، التي تعاني حالة من التردي، وعدم وضوح الرؤية والفشل في تنفيذ ما يخطط، ويُتخذ من إجراءات تنفيذية.

تمجيد المهام

يمكن الإشارة إلى وجود أهداف أخرى سعت أجهزة المعلومات الإسرائيلية لتأكيدها في تعاملها مع أزمة كورونا، وذلك على النحو التالي:

1- تأكيد دور أجهزة المخابرات في الداخل الإسرائيلي بكل صوره، خصوصاً أنّ هذا الدور تعرّض لهزات عديدة في الفترة الأخيرة، وبالتالي سعى قادة الأجهزة لتأكيد بل وتمجيد هذا الدور، ومن خلال دعم كبير من رئيس الوزراء نتنياهو لرئيسي الموساد والشاباك (رئيس الموساد يوسي كوهين صديق شخصي لنتنياهو).

2- رغبة قيادات هذه الأجهزة في بناء مواقف سياسية واستثمار ظهورهم الإعلامي والسياسي، من أجل اكتساب شعبية وجماهيرية، خصوصاً أن بعض رؤساء الأجهزة عندما سيتقاعدون سيلتحقون بالأحزاب الراهنة للعب دور سياسي، وهو ما برز في عديد من الجنرالات الكبار في تحالف "أزرق أبيض" على سبيل المثال، كما أنّ رئيس الموساد الحالي يخطط للالتحاق بتكتل ليكود بعد تقاعده، وترشّحه مصادر في الجيش الإسرائيلي بأنه "قد يخلف نتنياهو".

3- استثمار حالة الضعف والتردي في بعض قطاعات الدولة المدنية، التي سبق أن فتحت الحكومة الإسرائيلية الراهنة خطط تطويرها من دون أن تجري أي إنجازات حقيقية، وهو ما دفع قيادات أجهزة المعلومات إلى السعي لملء الفراغ واكتساب الثقة في التعامل، خصوصاً أنّ هذه الأجهزة تملك تخصصات وإمكانات مالية واستثمارية وقدرات كبيرة تساعدهم على التحرّك في مسارات واتجاهات عديدة، وعبر وسائل مختلفة، مثلما فعل الموساد أخيراً في إدارة الأزمة على المستوى الخارجي وتوفير المتطلبات التي تحتاج إليها إسرائيل .

4- رغبة قيادات أجهزة المعلومات في بناء استراتيجية إعلامية جديدة في مواجهة التغيرات والتطورات، التي يشهدها العالم في التعامل مع هياكل ومؤسسات الاستخبارات، التي لم تعد تعتمد فقط على العمل السري، وغير المعلن والاختراقات الخارجية فقط، بل العمل على اتباع استراتيجية الإعلام والاتصال، وأداء كل الأدوار من أجل تحقيق الأهداف الموضوعة، وهو ما يفسّر الظهور المعلن والمكرر لقيادات أجهزة المعلومات في الحياة السياسية والاقتصادية في الداخل الإسرائيلي، الذي سيمثل لاحقاً إشكالية كبيرة في إطار علاقات الاستخبارات بالخارجية بل وبالجيش الإسرائيلي،  خصوصاً في الفترة المقبلة التي سيُجرى التركيز على إدارة الأوضاع السياسية والاقتصادية من منظور أمني وليس فقط سياسياً .

 

السيناريو المقبل

يمكن تأكيد إذن أنّ أجهزة الاستخبارات ستنتقل تدريجياً من دورها التاريخي وفق اختصاصها إلى دور بدأ منذ عامين على الأقل لتحسين صورتها والقفز على حالة الفشل والتردي في الداخل وحالة الإحباط لدى قطاعات الرأي العام الإسرائيلي وعدم التوصل إلى مواقف واحدة، بدليل عدم نجاح الساسة في إسرائيل في تشكيل حكومة جديدة واستمرار الدوران في حلقة فراغ حتى الآن.

وبالتالي فإنّ البديل صعود وتنامي دور أجهزة المخابرات لتعيد ترتيب الأولويات والأدوار وفقاً لسياسة الأمر الواقع مع بث روح الأمل والإنجاز في المجتمع الإسرائيلي، وهو ما بدا بوضوح في إعادة قراءة أشهر عملياتهم في المنطقة، ومن منظورهم بعد سنوات طويلة من الصمت وعدم الإعلان، وقد برز ذلك في التعامل مع سلسلة أفلام الملاك والموساد وغيرها من المسلسلات التي تناولت عمليات استخباراتية ونقلتها قنوات دولية شهيرة.

تتبقّى الإشارة إلى أنّ استراتيجية الصمت وعدم الإعلان لتبني استراتيجية جديدة تقوم على الاتصال والتفاعل والردّ والاشتباك، وهو ما يستهدف تغيير الصورة الذهنية عن الموساد تحديداً وبناء صورة أخرى، والمخطط الراهن يستهدف إتمام مهمة عاجلة، وهي وضع الموساد تحديداً وباقي أجهزة المخابرات الأخرى في دائرة الإعلام، لهذا تنتشر أخبار الموساد مع كل جديد وارد من إسرائيل بصرف النظر عما هو مثار بشأن التعامل مع أزمة كورونا التي فتحت الأبواب الموصدة أمام أجهزة المخابرات لتمجيد دورها في ظل فشل سياسي واجتماعي كبيرين في إسرائيل.

المزيد من تحلیل