وجه بغداد الجديد... بلا حواجز أمنية

بعد ازالتها من الشوارع، الكتل الخرسانية ستتحول إلى سور لحماية بغداد

قيادة عمليات بغداد بدأت برفع الكتل الكونكريتية منذ حوالي عامين بشكل تدريجي (الموقع الرسمي لقيادة عمليات بغداد على الفيسبوك)

وجه جديد لم يعهده العراقيون منذ سنوات، ذلك الذي ظهر للعاصمة العراقية بغداد بعد إزالة الحواجز الكونكريتية من معظم الشوارع والدوائر الرسمية ومقرات الأحزاب والمناطق السكنية، التي باتت مكشوفة أمام بعضها البعض بغض النظر عن دين ومذهب قاطنيها.

أكثر من 70 ألف حاجز أزيل من العاصمة من جهات أمنية وحكومية مختلفة، لكن الحصة الأكبر كانت من نصيب قيادة عمليات بغداد التي تابع قادتها وكبار ضباطها ميدانياً عملية إزالة الكتل الكونكريتية من معظم المناطق.

الفريق الركن جليل الربيعي، قائد عمليات بغداد، قال إن قيادة عمليات بغداد بدأت برفع الكتل الكونكريتية منذ حوالي عامين بشكل تدريجي لكن قرار رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي بفتح المنطقة الخضراء أمام المواطنين زاد من وتيرة العمل.

بغداد بلا حواجز

وأضاف "كنا نعمل بجهود هندسية بسيطة لكن بعد فتحنا المنطقة الخضراء طلبنا الدعم من بعض الوزارات ودوائر الدولة، وبالفعل استجابت لنا، وأرسلت آلياتها، فتمكنا من فتح مناطق عدة في بغداد في وقت قياسي وما زلنا مستمرين بالعمل، وسيرى العالم يوماً بغداد بلا حواجز".

وعن البديل الأمني للكتل الكونكريتية، قال الربيعي "لم نرفع الحواجز إلا بعدما تأكدنا من وجود قدرات استخباراتية جيدة، وأردنا أن يشعر المواطن بالأمن أكثر. كما أن الكاميرات المنتشرة في بغداد ساعدت بشكل كبير في تقليل نسبة الجرائم والأعمال الإرهابية، لذلك لا نمنح أي موافقة أمنية للشركات والمراكز التجارية من دون أن تضع كاميرات".

الاستثمار وعزل المناطق

عملية تطويق الدوائر الرسمية بالحواجز الكونكريتية بدأت عام 2004 من قبل القوات الأميركية، التي كانت تتمركز دباباتها وبعض أرتالها قرب تلك الدوائر. وكان الهدف منها حماية الجنود الأميركيين من الاستهداف بالسيارات المفخخة.

وضع الأميركيون حينها مواصفات محددة لبعض الحواجز، وطُلب من شركات الإنتاج الالتزام بها لتقليل الخسائر أثناء التفجيرات، وبعضها لا يمكن اختراقه بالصواريخ وقذائف آر بي جي والسيارات المفخخة.

وكان من أهم الشركات التي جرى التعاقد معها شركة تدعى "77"، وهي شركة كردية مقرها أربيل. إذ أبرمت القوات الأميركية والحكومة العراقية عقوداً وصلت قيمتها إلى مليار و800 ألف دولار، وفق تصريحات أدلى بها مدير الشركة هيرش خوشناو لوسائل إعلام كردية.

الشركة المذكورة توقفت لاحقاً عن صنع الكتل الكونكريتية بعد تراجع الطلب عليها. أما أسعار الحواجز فراوحت آنذاك بين 150 و2500 دولار بحسب المواصفات المطلوبة في الحاجز من ناحية المواد الأولية والطول والارتفاع والسماكة.

السياسيون وسوق الاستثمار

صناعة الحواجز انتعشت بشكل مفاجئ، وظهر أكثر من مئة مصنع في بغداد ومدن الوسط والجنوب وإقليم كردستان، بينما دخل بعض السياسيين سوق الاستثمار في الكونكريت، وفتح بعضهم معامل منتجة لها في عدد من المناطق، لا سيما بين عامي 2005 و2006 حينما إرتفع الطلب عليها وتوسع استخدامها من الدوائر الرسمية والوزارات، ليشمل الأحياء السكنية والمناطق المتجاورة، التي جرى عزلها عن بعضها البعض بسبب اختلاف سكانها مذهبياً.

وعلى سبيل المثال، عُزل عدد من المناطق عن بعضها وجرى إغلاقها على السكان إبان شيوع القتل الطائفي في العامين المذكورين، وباتت إحدى أهم وسائل الحماية للسكان الذي كانوا يرتابون بكل من يدخل الحي السكني من خارجه، حتى باتت نقاط التفتيش لا تسمح بدخول الغرباء إلى الاحياء السكنية إلا عند إبراز السكان لبطاقة السكن، التي تثبت أنهم يقطنون في المكان.

في ذلك الوقت، بات السكان يستقبلون ضيوفهم من الأقارب والأصدقاء عند نقاط التفتيش وليس عند باب الدار، لأن تلك النقاط لا تسمح لهم بالمرور، وتطلب من ساكن الحي الحضور لإبراز أوراقه الرسمية مثل الجنسية وبطاقة السكن والبطاقة التموينية ليقوم بكفالة ضيفه قبل دخوله إلى المنطقة، ثم الخروج معه إلى نقطة التفتيش عند انتهاء الزيارة، ليتمكن من استلام بطاقته التعريفية التي أودعها هناك.

الحواجز والشعور بالخوف

أما اليوم فقد بدأت عملية إزالة الحواجز لتزيل معها الشعور بالخوف من الآخر، وعدم الثقة بين المناطق.

يؤكد رحيم الشمري، الباحث في الشأن الأمني، أن عدد الحواجز التي أزيلت من العاصمة يعادل نصف العدد الذي جرى نشره في الأعوام الماضية. وقال الشمري إن الحواجز التي رفعت تعادل 50 في المئة من نسبة الموجود منها في بغداد، وأن النسبة الكبرى منها كانت تحيط بالمناطق السكنية والتجارية في العاصمة، بينما لا تزال هناك نسبة كبيرة تحيط بمناطق أخرى مهمة.

وأضاف "جرى استخدام الحواجز لعمل سور أمني حول بغداد بمساحة 380 كيلومتراً، اكتملت مسافة 67 كيلومتراً منه حتى الآن، وبعد شهرين ستكتمل العملية برمتها وتنقل الكتل الخرسانية إلى محيط العاصمة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن تشكيل السور قوبل باعتراضات من مسؤولين في محافظة الأنبار، لأنه سيقطع أجزاءً من مدينتي الفلوجة والكرمة لمصلحة مدينة بغداد، ما يتسبب في تغيير ديموغرافي واضح فضلاً عن كونه سيقطع بعض المناطق الزراعية المحيطة بالعاصمة، وقد تنشأ عنه مشكلات بين أصحاب الأراضي التي يمر بها.

وعن التصريحات السابقة لمسؤولين عراقيين حول وضع تلك الكتل على الحدود العراقية مع دول الجوار لمنع تسلل الإرهابيين، أكد الشمري أنه "من الناحية الفنية هذه الكتل لا تصلح للحدود، لأن ارتفاعها يراوح بين ثلاثة وسبعة أمتار، في حين أن حواجز الحدود يجب ألا تقل عن 11 متراً، لذلك فضلت القيادات الأمنية استخدامها لتأمين العاصمة وبناء سور كونكريتي حولها".

وقال إن الحدود أُمنت بالكاميرات، لكن من المهم نصب كاميرات حرارية متطورة في مناطق بغداد أيضاًً، فضلاً عن المناطيد الجوية التي كان معمولاً بها من قبل القوات الأميركية في السنوات الماضية.

جو من الأمان

وبعد أكثر من 14 عاماً على إغلاق الشوارع والمناطق السكنية والدوائر الحكومية، بدأت عملية رفع الحواجز، وتزامنت العملية مع تحريك مئات نقاط التفتيش من الشوارع واختفائها من المناطق السكنية، لا سيما أنها كانت تعيق حركة السير في الشوارع العامة.

وتبدو شوارع فلسطين والرشيد وأبو نؤاس والسعدون وغيرها بوجه مختلف اليوم، بعد رفع الكتل الكونكريتية التي شوهتها لسنوات.

تهدف خطة قيادة عمليات بغداد المعلنة إلى إزالة جميع الحواجز قبل نهاية مايو (أيار) المقبل، لكن الخطة قد تتغير في حال وقوع أي حادث أمني مفاجئ، بينما يطمح العراقيون بالوصول إلى جو من الأمان يسمح لهم بالتخلي عن نقاط التفتيش والحواجز الكونكريتية إلى الأبد.

المزيد من العالم العربي