Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رغم صمت المدافع... كورونا يكشر عن أنيابه في وجه النساء

70 في المئة منهن يعملن بالقطاع الصحي... والرعاية الطبية للنازحات والحوامل من بينهن تزداد سوءاً

كورونا يزيد أوجاع المرأة والنازحات يدفعن ضريبة مضاعفة  (أ.ف.ب)

المرأة في زمن "كورونا" لا تختلف كثيراً عنها فيما قبل "كورونا". تراها في مشارق الأرض ومغاربها تسير على النهج نفسه، وتلتزم بالإطار ذاته، ولا تحيد عن الطريق إلا للضرورة القصوى. الفارق الوحيد هو أن النهج صار أكثر قسوة، والإطار أصبح أشد غلظة، والطريق لم يعد يحتمل توقفاً أو تململاً أو تفكراً أو حتى فاصلاً لفنجان قهوة أو غفوة أو حتى هدنة.

"الهدنة" الوحيدة التي تأخذها طبيبة الأطفال في أحد المستشفيات الخاصة، رحاب الجمل، 43 عاماً، تكون في ساعات النوم المسائية، وربما الصباحية في حال كانت ورديتها ليلية. تقول، "منذ بدأت أزمة كورونا واليوم يمر دون أن أدري كيف مر. بين المستشفى حيث طوارئ على أعلى مستوى، وتنقل من البيت إلى المستشفى والعكس، وما يكتنف ذلك من مخاطر العدوى، والبيت نفسه حيث أبنائي الثلاثة يتابعون دروسهم عبر الإنترنت ويحتاجون بالطبع لبعض الرقابة مني، ناهيك عن تعقيم البيت وتطهيره الدائم، ومهمة تجهيز الطعام والتنظيف العادية بعدما طلبت من عاملة المنزل أن تبقى في بيتها لتقليص احتمالات دخول الفيروس البيت، لا سيما أن زوجي مريض قلب، أي من الفئات الأكثر عرضة للوفاة بالفيروس".  

فيروس كشر عن أنيابه

كشر الفيروس عن أسنانه منذ مطلع العام الحالي، وكشف عن بقية الأنياب للنساء في حجم الثقل وتضاعف المهام الملقاة على كاهلهن. يخبرنا أطباء الأسنان أن الناب لا يقضم أو يمضغ، لكنه يتحمل قوة الضغط الجانبية الهائلة التي يسببها المضغ.

قوة الضغط الهائلة التي تسببها مخاطر الفيروس وأجواؤه ومتطلباته تجد في المرأة هذه الآونة "خير ناب". وحين تنوب المرأة العربية عن الرجل في القيام بأعمال الرعاية الأسرية، بالإضافة لعملها خارج البيت في حال كانت امرأة عاملة، فإن عبء "كورونا" عليها يكون رهيباً.

المدير الإقليمي بالنيابة لهيئة الأمم المتحدة للمرأة للدول العربية معز دريد يقول، إن المرأة العربية تقوم بخمسة أضعاف أعمال الرعاية الأسرية مقارنة بالرجل العربي. وأن النساء يشكلن عالمياً نحو 70 في المئة ممن يعملون بالقطاع الصحي والاجتماعي، وفي ظل الضغط على الأنظمة الصحية المُثقلة كواهلها نتيجة جهود الاستجابة لفيروس "كورونا"، فإن كل ذلك يضع على عاتق النساء عبئاً أكبر، يشمل على سبيل المثال لا الحصر رعاية المرضى، ما يجعلهن أكثر عرضة للإصابة بهذا الفيروس.

 

 

حين تمرض النساء

وحين تمرض النساء، لا سيما في ظل الظروف بالغة القسوة التي يعيشها الجميع، فإن حصولهن على الرعاية الصحية اللازمة يكون أمراً صعباً للغاية. وإذا كانت أنظمة دول العالم الصحية، بما في ذلك الأنظمة التي كانت قوية ويشهد لها بالحرفية والكفاءة، بات جميعها مثقلاً ومنهكاً، فما بالك بالأنظمة الصحية الهشة أصلاً؟

هشاشة الأنظمة الصحية في العديد من الدول العربية تضع تحديات تصل إلى درجة العراقيل أمام صحة المرأة تحديداً. وعلى الرغم من أن المعلومات الطبية الواردة من الصين تشير إلى أن الوفيات الناجمة عن الإصابة بفيروس "كورونا" أعلى بين الرجال، فإن نسب الإصابة بين الجنسين متقاربة عالمياً.

التقارب الجسدي القاتل

لا تستطيع النساء التحكم في التقارب الجسدي كلية بينهن وبين بقية أفراد الأسرة، بمن فيهم أولئك الموضوعون تحت الحظر للوقاية أو الحجر المنزلي للشك في الإصابة أو حتى التيقن منها في الدول، التي لم تعد قادرة على استقبال كل المصابين بالفيروس الذي يضاعف من حجم خطورة العدوى. لذلك يطالب دريد بضرورة أن تتناول خطط الاستجابة العالمية والإقليمية والوطنية تداعيات الفيروس على صحة النساء والفتيات وسلامتهن، وأن يأخذ رد الفعل الدولي والحكومي والمجتمعي في الاعتبار الأدوار والمسؤوليات التي تضطلع بها النساء.

الحمل والإصابة

إحدى المسؤوليات الجسام التي تجد المرأة نفسها غارقة فيها دون أن تمتلك مقاليد السيطرة عليها تكمن في الجنين الذي لم يولد بعد. تقول نهى حسين، 28 عاماً، التي تنتظر طفلها الثاني بعد شهرين أنها لم تعد قادرة على التحكم في نوبات الهلع والفزع التي تتملكها أحياناً، كلما فكرت في احتمالات إصابتها ونقل الفيروس لابنها أو جنينها، وظروف الولادة نفسها، وحال المستشفى، ورعاية الصغير في ظل هذه الأجواء الصعبة.

ضبابية المعلومات

وما يزيد من حدة الصعوبة ضبابية المعلومات المتاحة. فلا المعلومات المتوفرة تجزم بأن الفيروس غير قابل للانتقال من الأم الحامل المصابة إلى جنينها، أو تؤكد أن إصابة الحامل لن تؤدي بالضرورة إلى إصابة الجنين بتشوهات. ليس هذا فقط، بل إن عملية الولادة نفسها مرشحة لأن تتم، حال حظيت الأم برعاية في مستشفى أو وحدة صحية، دون وجود من يدعمها نفسياً من زوج وأم أو صديقة أو قريبة إلى جوارها، وذلك في ضوء تعليمات صحية مشددة باقتصار الحضور على الأم الحامل فقط.

الأم الحامل، أو الأم عموماً، الموجودة في بيت آمن ذي باب مغلق أفضل حالاً من تلك القابعة في مخيم تهتز أركانه من هبوب الرياح، وتتبدل ظروفه حسب خط سير المقايضات الدولية والتربصات السياسية، ثم تأتي "كورونا" لتطرح هذه الأم والفتاة أرضاً تحت ثقل مخاطرها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مخاطر عربية

كلمة "مخاطر" صارت مرتبطة بشعوب عربية عدة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تأتي نساء وفتيات دول مثل اليمن وسوريا في المقام الأول في هذا الصدد. في مطلع مارس (آذار) الماضي، عبر "صندوق الأمم المتحدة للسكان" عن قلقه المتزايد إزاء أوضاع النساء والفتيات المحاصرات بسبب التدهور المتزايد في الوضع الإنساني في سوريا، لا سيما في شمال غرب البلاد. فالصراع الدائرة رحاه منذ سنوات، الذي زادت حدته في الأشهر القليلة السابقة لاندلاع أزمة "كورونا" أدى إلى موجة جديدة عاتية من النزوح الجماعي والمعاناة البشرية، إضافة إلى إلحاق أضرار رهيبة بالمرافق المدنية. 

عرف النزاعات المسلحة

وكما جرى عرف النزاعات المسلحة، ومع دخول النزاع في سوريا عامه العاشر، استمرت النساء والفتيات في الاحتفاظ لأنفسهن بالنصيب الأكبر من تحمل وطأة المأساة. وبين صراع من أجل البقاء، ورعاية للأطفال المصابين بصدمات نفسية وعصبية، تأتي "كورونا" لتكون قشة متآمرة على كسر ظهر البعير.

المنظمات الأممية تقدر عدد النازحين بنحو 960 ألف شخص منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، 80 في المئة منهم نساء وأطفال، بينهم نحو 25 ألف امرأة حامل. في وقت تعطلت خدمات الصحة الإنجابية على ضوء الأحوال المتردية.

ويشير العاملون في "صندوق الأمم المتحدة للسكان" إلى أنهم يتلقون العديد من البلاغات من النساء والفتيات في سوريا ما يفيد بعدم شعورهن بالأمان، بسبب تنامي خطر العنف. كما يطالبن بتوافر خدمات الوقاية وضرورة تقديم خدمات متسقة وذات جودة للناجيات من العنف. 

 

 

ثمن الصراع

المديرة التنفيذية لـ"صندوق الأمم المتحدة للسكان" ناتاليا كانيم، تقول إن الوضع في سوريا حرج، لا سيما فيما يتعلق بالنساء والفتيات وتفاصيل حياتهن اليومية. ملايين النساء والفتيات يواصلن دفع ثمن باهظ لصراع لم يكن لهن دور في نشوبه. وفي الوقت الذي تتصاعد فيه المخاطر بسبب فيروس "كورونا"، اضطر الصندوق الذي يقدم خدمات صحية ضرورية إلى إغلاق سبع نقاط لتقديم الخدمات لنحو 13 ألف شخص بسبب النزاع المتصاعد وتقييد وصول المساعدات الإنسانية منذ ديسمبر الماضي. وفي الأسبوعين الماضيين، توقف مركزان صحيان وعيادتان متنقلتان كانتا تخدمان نحو ستة آلاف شخص شهرياً. كما تم تعليق العمل في ثلاثة أماكن آمنة كانت توفر خدمات منقذة لحياة النساء والفتيات في شمال غربي سوريا. وزاد طين الوضع بلة تصاعد العنف ضد النساء، الذي وصفته قابلات عاملات في سوريا بأنه أصبح "روتينياً".

روتينية العنف

رويتينة العنف الموجه ضد المرأة، لا سيما في زمن "كورونا" تستدعي ما تيسر من مواجهة. العديد من الدول الغربية بالإضافة إلى رصد زيادة كبيرة في حالات العنف المنزلي ضد المرأة منذ تطبيق إجراءات الإغلاق والحظر الكلية والجزئية. زيادة عدد ساعات بقاء أفراد الأسرة مع بعضهم البعض ساعدت في زيادة حدة العنف المنزلي. ورصدت الجمعيات المعنية بالعنف المنزلي وأرقام الهواتف الحكومية والتابعة لجمعيات المساعدة في دول مثل أستراليا وفرنسا وبريطانيا زيادة في طلبات الاستغاثة وطلب المعونة بسبب التعرض للضرب من قبل الزوج أو الشريك حيث اضطرار الطرفين للبقاء في مساحة محدودة معاً طيلة اليوم.

عربياً، الوضع ليس مخالفاً. لكن الاختلاف الوحيد يكمن في فكرة طلب المساعدة أو المعونة، إلا فيما ندر. وحتى في حال تم طلبها، تبقى هناك شكوك كبرى في الاستجابة حيث انشغال الجهات الحكومية في مهام وإجراءات تتعلق بـ"كورونا". لكن تبقى هناك فئة من النساء أوفر حظاً في هذا الشأن، وهي الفئة القادرة اقتصادياً على طلب الدعم النفسي المدفوع ولو عن طريق الإنترنت للحصول على نصائح أو للخضوع لجلسات استشفاء نفسي في هذا الشأن.

صمت المدافع

المدير الإقليمي لصندوق الأمم المتحدة للسكان لمنطقة الدول العربية لؤي شبانة يقول: "حين تصمت المدافع، فهذا لا يعني أن معاناة النساء والفتيات تتوقف، فتداعيات وآثار المعاناة وسوء المعاملة التي تتعرض لها النساء والفتيات تستمر لأمد بعيد. وحين تتزوج فتاة في سن 13 أو 14 سنة ستعاني جراء هذا طوال حياتها".

يضيف أن المرأة هي أول من يضحي بصحته في أوقات الأزمات في سبيل صحة الآخرين، سواء كانت تفشياً لفيروس كورونا  (COVID-19) أو أي أزمة صحية أخرى. فهن يقدمن الدعم لكبار السن والأطفال، ويقع على عاتقهن التعامل مع تردي الوضع الاقتصادي لأسرهن.

الأكثر فقراً وهشاشة

 الوضع الاقتصادي الناجم بسبب "كورونا" حتى اللحظة يضرب النساء بعنف. المدير المدير الإقليمي بالنيابة لهيئة الأمم المتحدة للمرأة للدول العربية معز دريد ينبه إلى تضاعف الضرر الاقتصادي الواقع على النساء مقارنة بالرجال بسبب أن وظائفهن عادة تكون غير مضمونة، وتصعب إمكانية وصولهن إلى الموارد المالية.

يضيف، "ولا ننسى أن الأزمات الإنسانية الناجمة عن الصراع في سوريا واليمن تؤدي إلى تفاقم التحديات التي تواجه حماية النساء والفتيات من مخاطر هذا الفيروس". ويطالب دريد بتوفير الدعم الذي يراعي طبيعة عمل النساء ومشكلاتهن ووضعهن في المجتمعات، مع ضمان صوت متساوٍ لهن في تقرير أفضل السبل للتصدي للفيروس.

تسهيلات للنساء

في مصر، تطالب "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" (منظمة حقوقية) الحكومة المصرية بحماية دخول ومشروعات الفئات الأضعف. وتقترح إخضاع أصحاب القروض من النساء والفئات المستحقة لمعايير التسهيلات السدادية والائتمانية التي أقرها البنك المركزي المصري، بالإضافة لتضمينهن في أي قرارات مستقبليه يصدرها البنك للتسهيل على المقترضين وأصحاب المشروعات منتناهية الصغر.

يشار إلى أن أغلب المستفيدين حالياً من تمويلات المشروعات متناهية الصغر هن من النساء. ونسبة كبيرة منهن من المعيلات. وتشير المبادرة إلى أن مثل هذه الفئات هي الأولى بحماية الدولة من عواقب فيروس "كورونا "، التي تلقي بظلال وخيمة على  دخول الأفراد، لا سيما الأكثر فقراً وهشاشة.

كوارث و"كورونا"

هشاشة أوضاع النساء في أوقات الكوارث متشابهة في كل أنحاء العالم. فمثلاً توافر خدمات الصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة ينظر إليها البعض باعتبارها رفاهية في ظل أزمة "كورونا" رغم أن العكس هو الصحيح، لأن تجاهلها يضاعف من حجم الكارثة. المبادرة تطالب بضمان استمرار تقديم خدمات متابعة الحمل والتوليد في الأماكن المخصصة لذلك، وألا تتأثر بالضغط الذي تتعرض له المستشفيات بسبب"كورونا". كما تطالب بأن تكون للحوامل اللاتي يصبن بالفيروس أولوية في التحليل، اتباعاً لتوصيات منظمة الصحة العالمية.

وتستمر حرب الكوكب الشعواء في جهود مواجهة وتطويق الفيروس. ومعها يعاني الجميع، وتظل معاناة النساء كعادتها ذات مذاق مختلف، حيث ضغوط متواترة، وأعباء متثاقلة، ومطالبات ضمنية أو فعلية بالتزام الصمت لحين مرور الأزمة، وقدوم الأزمة التالية.