Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مدينة "الورود" الجزائرية تحت الحظر الشامل خوفا من "سيناريو ووهان"

لا حركة إلاّ لدوريات الشرطة وتنقلات الطواقم الطبية التي تعيش استنفاراً غير مسبوق بفعل انتشار الفيروس بين السكان

لم تنفع كل الحجج ولو المهنية منها، في الحصول على رخصة مرور لمئات العالقين في طوابير طويلة على مستوى الحاجز الأمني الذي نُصب حديثاً، وسط الطريق السيّار في منطقة تسالة المرجة المؤدي إلى حدود محافظة البليدة (50 كلم جنوب العاصمة). فقد أقرّت السلطات حظراً صحياً شاملاً، منعت معه أي دخول أو خروج من المحافظة التي شهدت أول إصابة لجزائري بفيروس "كورونا" قبل أن يرتفع العدد إلى 143 حالة.

هادئة وخالية من أية حركة، بدت شوارع مدينة "الورود" (البليدة) في أول أيام الحظر الصحي الشامل. لا حركة إلاّ لدوريات الدرك والشرطة وتنقّلات الطواقم الطبية التي تعيش استنفاراً غير مسبوق بفعل انتشار الفيروس بين السكان.

"سنوات الإرهاب"

وفي ظل هذه الظروف، يلزم عبد الرؤوف بوشنافة بيته ليل نهار، بعدما فُرض عليه التخلي عن عمله كموزّع لمعدات شبه طبية ما بين المحافظات. ويقول في اتصال هاتفي إن "مشاهد خلو الشوارع وأصوات دعوات أجهزة الأمن عبر مكبّرات الصوت ليلاً، ذكّرتني بسنوات الإرهاب، حينما عايشنا حظراً للتجوال استمر سنوات عدّة".

والأهم بالنسبة إليه، أن تتمكّن الهيئات الطبية من حصر المصابين وعزلهم، "القصة بدأت من حفل زفاف حضره مسن مغترب قبل أن يعود إلى فرنسا، لحسن الحظ أنه اكتشف إصابته بكورونا في فرنسا، وأبلغ عنها عائلته في الجزائر بعدما نقل إليهم العدوى وهم لا يشعرون". يتمنى هذا الشاب (33 سنة) أن "يجسّد سكان البليدة هذا الحظر إلى آخر لحظة، حماية لمن نحبهم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبالفعل، تتشدّد قوات الأمن في تطبيق قرارات المجلس الأعلى للأمن، فعملية غلق منافذ المحافظة خلقت معاناة كبيرة لسالكي الطريق السيّار الذي يربط شرق الجزائر بغربها. فقد اضطُّر الآلاف للبحث عن مسالك فرعية عبر محور العاصمة، ثم منطقة بيرار في تيبازة، ثم العودة مجدداً إلى الطريق السريع. فلا استثناءات ضمن التعليمات الواردة لقوات الأمن إلاّ للطواقم الطبية، التي وجدت نفسها عالقة ضمن الحواجز في الساعات الأولى لتنفيذ الحظر قبل تفطّن مسؤولي المدينة.

 الدرك والشرطة يحاصران المحافظة

وتطبّق محافظة البليدة جنوب العاصمة حظراً صحياً شاملاً بدءًا من ليل الاثنين - الثلاثاء، تنفيذاً لقرار المجلس الأعلى للأمن الذي ترأسه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بصفته وزير الدفاع، القائد الأعلى للقوات المسلحة. وتشهد المحافظة ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الإصابات بالفيروس، إذ سُجّلت فيها أول حالة لمغترب جزائري زار أهله لفترة قصيرة منتصف فبراير (شباط) الماضي، ثم غادر المدينة تاركاً عدوى بالعشرات.

وبمجرد صدور بيان المجلس الأعلى للأمن، أقرت المحافظة مئات الحواجز الأمنية الرئيسة والفرعية، استجابةً لدعوات ملايين الجزائريين وسكان البليدة أنفسهم. فالوضع في البلدة وضواحيها كان يسير باتجاه كارثة حقيقية بفعل عدم الالتزام الكلي بالحظر المنزلي الطوعي. وتوسّع الحظر بداية ليل الثلاثاء - الأربعاء، ليشمل العاصمة بشكل جزئي (من السابعة مساء وحتى السابعة صباحاً).

ويقول سيد علي بوسماحة، القاطن في حي "ديار البحري" بالبليدة، في اتصال هاتفي أنّ "الحظر الكامل كان مطلب سكان المحافظة أنفسهم، لقد تفشّى الوباء بشكل غير معروف ووفق اتجاهات مجهولة، في وقت كان كثيرون يواصلون تنظيم الحفلات وارتياد الأسواق والمقاهي والساحات العامة"، مضيفاً بخصوص اليوم الأول للحظر الصحي الشامل "في بدايته، لم يكن منظماً بشكل واضح في غياب أية رخص استثنائية للخروج، إلاّ أنّ الأمر أصبح أكثر مرونة مع مرور الساعات بعد إصدار المحافظ بياناً يوضح استثناءات الخروج بشروط صارمة".

تنقل مشروط

وقد شرحت المحافظة في البيان أن "تنقّل المواطنين خارج المنزل مشروط بوجود مبرر مقبول، مع اقتصار أي خروج على فرد واحد من العائلة". وبدا تدريجاً أنّ حضور السلطات الولائية يزداد تباعاً لا سيما في تنظيم عملية دخول شاحنات التموين بالمواد الغذائية والأدوية الطبية للصيدليات.

ومن باب التضامن الحكومي بالشكل الذي قد يدفع تهمة "التخلي" عن البليدة، قال وزير التجارة كمال رزيق، وهو وزير احتفظ بسكنه العائلي ببوفاريك في المحافظة، رافضاً الإقامة الوزارية في نادي الصنوبر في العاصمة، "أنا من سكان مدينة بوفاريك وجزء من ولاية البليدة، وما زلت أسكن هنا مع إخواني وأهلي، أغادر بوفاريك صباحاً للعمل في الوزارة وأعود قبل الساعة السابعة إلى منزلي لأعيش الحجر مثلهم إلى السابعة صباحاً، تضامناً مع أهلي. وأريد أن أوجّه رسالة إلى الجميع أنّ ما تقوم به الدولة هو في صالح الجميع وليس عقاباً لنا... الحجر هو الحلّ الوحيد".

"ووهان" تزعج السكان

واشتكى سكان الولاية من عبارات "ميز" في بدايات انتشار الفيروس. ففي محافظة عنابة مثلاً، أقصى شرق الجزائر، اشتكى سكان من تنظيم حفل زفاف قبل أسبوع، وورد في شكواهم "في الحفل مدعوّون من محافظة البليدة"، لتزداد عبارات "الميز" لأيام لاحقة بوصفها "ووهان الجزائر"، ما أسّس لقاعدة ردود قادتها جمعيات مجتمع مدني وعلماء دين وشخصيات بارزة.

في هذا الشأن، أشار عبد الرحمن سعيدي، النائب البرلماني السابق والقاطن في بوفاريك بالبليدة لـ"اندبندنت عربية"، إلى أنّ "ما يحدث ابتلاء عالمي يقتضي مظاهر الوحدة والتضامن وتفهّم الإجراءات". وذكّر سعيدي أنه "ملتزم بالعزل المنزلي منذ إقراره بشكل كامل، وأشعر أنّ هناك انضباطاً كبيراً من قبل السكان، وأنّ السلطات بدأت تولي اهتماماً واضحاً للمحافظة، بعدما أحسّ سكانها في بدايات الوباء تخلياً عنهم من قبل الحكومة، لا سيما الأطقم الطبية العاملة في المحافظة وتزويد المحلات بالمواد الغذائية اللازمة".

ونبّه سعيدي سكان المحافظة إلى محاولات "خلق بلبلة لكي تخرج الأوضاع عن السيطرة. لقد شاهدتُ بعض الفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي تصوّر مركزاً بريدياً مغلقاً في قلب المدينة، الحقيقة أنّ من صوّر الفيديو استغلّ فترة راحة منتصف النهار (مدة ساعة واحدة) وزعم أن المركز ظلّ مغلقاً، مثل هذه الإشاعات قد تدمّر نفسية السكان".

المزيد من العالم العربي