الكورونا المرضية والسياسية "2"

عصر العولمة مثل الفيروس الحالي لا يحترم الحدود ويفرض تشابكاً وتواصلاً مجتمعياً عالمياً

يجب أن تكون مؤسسات الدولة قوية حتى تتصدى للمخاطر الكبرى مثل فيروس كورونا (أ.ف.ب)

كتبتُ منذ أسبوعين عن تشابه أعراض وتحديات ومخاطر فيروس كورونا الجديد مع تلك المصاحبة عصر العولمة، وأن ردود فعلنا إزاءهما مشابهة أيضاً في سلبياتها وإيجابياتها. ومع الأسف أعودُ إلى الموضوع نفسه مرة أخرى اليوم مضطراً، نتيجة لتفاقم المشكلة وانتشارها سريعاً، إذ وصل عدد المصابين إلى أكثر من 300.000، وتجاوزت الوفيات 10.000، وشهدنا ردود فعل سياسية غير مواتية، تعكس قصر النظر حتى على أعلى المستويات.

ومن الواضح من التعامل الصيني مع هذا التحدي، أنه بعد تردد مبدئي نجحت بكين إلى حدٍ ما في كبح جماح الموجة الأولى من الفيروس، من خلال قيام أدوات حكومية قوية بفرض السياسات والضوابط الشاملة والصارمة في بعض الأحيان، وتبدو المؤشرات الأخيرة من الصين أنّ معدلات ظهور الحالات الجديدة من الداخل انخفضت كثيراً، إن لم يكن توقّفت.

ومع اختلاف التوقيت وتباين الدرجات اتخذ كل دول العالم إجراءات لتقييد حركة مواطنيها، على أمل وضع حدٍّ لانتشار المرض، ولم تستثنَ من تلك الدول الغربية أو الليبرالية، حتى الولايات المتحدة بدأت في وضع قيود على تحرّك مواطنيها بعدة ولايات.

والمُلفت أيضاً أن عدداً غير قليل من الدول التي تأخرت في اتخاذ إجراءات احترازية شهدت زيادة سريعة في عدد المصابين والوفيات، نتيجة لتأخرها في التعامل مع المخاطر، فضلاً عن الارتفاع النسبي في عمر السكّان.

والخلاصة الأولى التي أودُّ تأكيدها مرة أخرى هي أن الدولة قوية بمؤسساتها ومصداقيتها، وهو أمرٌ بالغ الأهمية، وأشدد على هذه النقطة بصرف النظر إن كانت الدولة ملكية أو جمهورية أو برلمانية، ليبرالية أو محافظة، ديمقراطية أو مركزية.

الدولة بمؤسسات قوية شأن مهم بل ضروري للتصدي للتحديات والمخاطر الكبرى والمعقدة التي يتّسم بها عصر العولمة، نظراً إلى الحاجة إلى توافر القدرة على حشد الإمكانات وفرض الضوابط للتعامل مع التحديات الجمّة.

والخلاصة الثانية، من الأسبوعين الماضيين، ولعلها إحدى الإيجابيات القليلة لهذه الظروف الصعبة، هي يقين المجتمع الدولي الآن وبأكمله أنّ المخاطر لا تقف عند حدود الدولة الوطنية، إذا أردنا الاستفادة حقاً من كل حريات عصر العولمة من حرية حركة الأفكار، والأفراد، والسلع، عبر الحدود، والبحار والمحيطات، فمع التنقّل الإيجابي توجد مخاطر علينا التعامل معها.

وفي السياق نفسه، يمكن القول من دون مبالغة أو مزايدة إنّ تجربة الأسابيع الأخيرة، التي لم تصل بعدُ إلى ذروتها، تؤكد أن تصرُّف الدول داخل حدودها وسيادتها ينعكس على مصالح وحقوق دول أخرى عبر الحدود، بل عبر البحار والقارات.

وهو ما يبرز الحاجة إلى التوفيق بين مبادئ تبدو متناقضة، ومن أهمها "احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شأنها الداخلي، ومبدأ المسؤولية الجماعية والحماية المجتمعية"، وكذلك مبدأ حسّاس أثير للمرة الأولى بعد المجازر الفظيعة في رواندا، وفسّر على أنه يجب أن يفتح الباب لتدخل عسكري من الخارج، وهو ما يتجاوز ما أطرحه في هذا السرد، إنما الموضوع يحتاج إلى عرض أوسع وأدق لتعدد جوانبه.

ومع هذا، يمكن ومن الآن المطالبة بالتوصل إلى اتفاقات دولية، تلزم الدول توفير المعلومات ومزيد من الشفافية في القضايا الداخلية أو الإقليمية التي تكون لها آثار تتجاوز الحدود الوطنية للدول.

وربما يتسرّع البعض في الدفع بأنّ هذا ينطبق أساساً على المشكلات الوبائية فقط، وهو دفعٌ خاطئ وقاصر، إذ توجد مشكلات إنسانية كثيرة يترتب عليها تداعيات سياسية وأمنية، ومنها على سبيل المثال أثر التغير المناخي في وفرة المياه الصالحة والأراضي القابلة الزراعة، وقضية اللاجئين وغير ذلك.

ومن القضايا والمعادلات الأخرى التي يرى البعض أنها تطرح نفسها، تخوّف البعض من استغلال فيروس كورونا الجديد لتوغل الدولة على معلومات وحريات الأفراد، وهو تخوّف يبدو سليماً، وإن كنت أرى أنه غير مكتمل الرؤية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فعصر العولمة والتقدم التكنولوجي وتحديداً في المجال الإلكتروني سلب منا جميعاً كثيراً من الخصوصية والحرية، مع سهولة متابعة تحرّكنا حتى الشخصي، لحملنا أجهزة التليفون المحمول، وقيام كثير منا باستخدامه في تنفيذ عديدٍ من أموره الشخصية، بما فيها المشتريات، وكل ذلك يضع معلوماتنا الشخصية وتصرفاتنا وأماكن وجودنا أمام أجهزة وشركات وأفراد من دون أن يكون أمامنا خيار أو قرار في ذلك.

تغيرات وتحديات كثيرة ستؤثر حتماً في نمط حياة المجتمع الدولي، وتمهّد لتغيرات حقيقية في قواعد النظام الدولي المعاصر، وتوازن القوة فيه، وعلى الرغم من خطورة الموقف فإنه مع الأسف نجد قوتين كبريين مثل الولايات المتحدة والصين تتبادلان الاتهامات، وتحاولان استغلال الموقف لتحميل الآخر مسؤولية ظهور وانتشار فيروس كورونا الجديد، من خلال تصريحات أحد سفراء الصين السلبية تجاه الولايات المتحدة، وتصميم الرئيس الأميركي شخصياً على تسمية الفيروس على أنه "فيروس صيني".

من السابق لأوانه الانتهاء إلى خلاصات محددة عن الوضع السياسي الجديد بصرف النظر عن أن فيروس كورونا وضع القيادات الصينية تحت ضغط وانتقادات شديدة في أول الأمر، إلى أن تغيّرت الدفة، ونجحوا في السيطرة على الموقف ما دعّم موقفهم السياسي داخلياً وخارجياً.

في المقابل، تعرّض عددٌ كبيرٌ من قيادات الدول الغربية إلى انتقادات شديدة، نتيجة لتأخرهم في التعامل مع الموقف، على رأسهم الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا، وقد يكون الأمر له تداعيات مباشرة على مستقبلهم السياسي داخلياً، إذا لم ينجحوا مثل الصين في السيطرة على الموقف.

النظام الدولي المعاصر في مرحلة تغيير مستمر، زادت معدلاته في عصر العولمة، وسيفرض عليه التعامل مع أسئلة وتحديات عاجلاً إزاء آثار فيروس كورونا الجديد. الأمر يحتاج إلى مراجعة وتدقيق ومتابعة. عصر العولمة مثل فيروس كورونا لا يحترم الحدود، ويفرض تشابكاً وتواصلاً مجتمعياً عالمياً، ولا يفصل بين سياسات اليمين أو اليسار أو المدن الوطنية، أو يحتكم إلى مبادئ اجتماعية شرقية، وغربية، وشمالية أو جنوبية.

علينا جميعاً إيجاد سُبل أفضل للتعاون مع بعضنا بعضاً، من دون المساس بحقوق الآخرين أو مصالحهم، في الوقت نفسه نتمسّك بحقوقنا الشخصية أو السيادية، فالتوافق والتكامل أمران ضروريان، والمعادلة صفرية إمّا نتعاون مع بعضنا بعضاً، وإما نواجه حتماً بمزيدٍ من الإجراءات الاحترازية، التي تتعارض مع عصر العولمة وتكنولوجياته، وتناقضات ربما تفرض نفسها علينا إذا لم نكن حكماء وواعين في قراراتنا، تؤدي إلى اضطرابات في النظام الدولي المعاصر، وإضاعة فرصة الاستفادات الأمثل من خيارات واحتمالات التعامل مع عصر العولمة وفقاً لمبادئ إنسانية تتفق مع القرن الـ21.

المزيد من آراء