ماذا وراء التصعيد بين باكستان والهند؟

وسط دعوات التهدئة وحسابات الربح والخسارة، قد يخطئ البلدان الحسبة وتندلع حرب محدودة كما جرى في معركة كارغل بينهما عام 1999

هل يمكن اعتبار خطاب رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان الى الأمة الأربعاء 27 فبراير (شباط)، ودعوته الهند الى الحوار واستخدام لغة العقل، مؤشراً إلى أن التصعيد بين البلدين آخذ بالانخفاض، إذ يتوافق ذلك مع تسليم الخارجية الهندية وثائق للقائم بالأعمال الباكستاني في دلهي تتعلق بتورط جماعة جيش محمد، التي مقرها باكستان، بالهجوم الانتحاري الذي وقع في 14 فبراير، واستهدف جنوداً هنوداً، وأدى الى مقتل 40 جندياً هندياً، فبعد أن كانت الهند ترفض تسليم باكستان أي وثائق تتعلق بالهجوم، ورفضت أن تشارك باكستان في التحقيقات متهمة إسلام آباد بعدم الجدية في التعامل مع الجماعات المسلحة التي تنشط في باكستان، وتستهدف الجيش الهندي في الشطر الذي تسيطر عليه الهند من كشمير. كما جاءت تصريحات وزيرة الخارجية الهندية سوشما سواراج في الصين داعية الى التهدئة وعدم التصعيد.

هذه التصريحات الهندية الباكستانية الداعية للتهدئة يمكن قراءتها في سياق واحد، وهو تقدير كلا البلدين أن استمرار حالة التصعيد العسكري قد يخرج الأمور عن سيطرتهما.

رد الاعتبار

بالنسبة إلى الهند، فهي تعتقد أنها من خلال ما سمّته الضربات الاستباقية التي قالت إنها استهدفت معسكراً لجيش محمد داخل الأراضي الباكستانية، فقد انتقمت للهجوم الذي استهدف جنودها وسجلت سابقة هي الأولى منذ عام 1971 باختراقها الأجواء الباكستانية وقيامها بعمل عسكري. الهند رفعت صوتها عالياً هذه المرة، فلم تكتف بالعمل الدبلوماسي ومحاولة عزل باكستان دولياً عقب هجوم بُلواما، بل تحركت عسكرياً، ووجدت تعاطفاً دولياً معها، خصوصاً من قبل الولايات المتحدة التي لم تُدن الغارات الهندية، بل دعت باكستان الى التحرك ضد الجماعات المسلحة وطالبت البلدان بممارسة أقصى درجات ضبط النفس.

باكستان من جهتها تعتقد بأنها ردت الاعتبار لنفسها، وأمام شعبها بإسقاطها طائرتين مقاتلتين هنديتين، وبينما تنفي باكستان خرقها الأجواء الهندية صباح الأربعاء 27 فبراير، تؤكد الهند خرق باكستان للمجال الجوي الهندي فوق الشطر الذي تسيطر عليه الهند في كشمير.

عاملان أساسيان يضبطان إيقاع التصعيد

وسط دعوات التهدئة هذه وحسابات الربح والخسارة، قد يخطئ البلدان الحسبة وتندلع حرب محدودة كما جرى في معركة كارغل بين البلدين عام 1999، وما يضبط إيقاع هذا التصعيد هما عاملان أساسيان، الأول ألا تلجأ الهند أو باكستان الى القيام بعمل عسكري تصعيدي آخر، وهذا يعتمد عقب الرد الباكستاني على الخطوة التالية التي ستقوم بها الهند، فهل تصعّد عسكرياً فترد باكستان وتخرج المواجهات من دائرة ردود الفعل لأهداف سياسية الى مواجهات عسكرية تأخذ شكل حرب محدودة.

والعامل الآخر هو المجتمع الدولي الذي بدأ فعلاً بالتحرك، ودعوة البلدين الى التهدئة، ولا شك أن تطور هذا الصراع الى حرب ولو كانت محدودة سيؤثر في استقرار جنوب آسيا، وفي الوضع في أفغانستان.

في السابق كانت باكستان تحذر من أن أي توتر حقيقي مع الهند سيضر بجهود الحرب على الإرهاب لأنه سيدفعها الى سحب جزء من قواتها المرابطة على الحدود الغربية مع أفغانستان للتعامل مع التهديد الآتي من الشرق على طول حدودها مع الهند، وحيث أن الولايات المتحدة معنية في هذه المرحلة تحديداً بالتوصل الى حل سياسي في أفغانستان لسحب قواتها من هناك، فإنه سيكون في غير مصلحتها استراتيجياً أن يتطور هذا التصعيد بين البلدين على شكل حرب.

السيطرة على ضغط الشارع

ضغط الشارع في كل من الهند وباكستان ربما بات بالإمكان السيطرة عليه بعد الرد الهندي والرد الباكستاني بالمثل، ذلك إن لم تصعد الأحزاب السياسية وتستغل حالة التوتر لأغراض سياسية، فرغبة الحزب الحاكم بالهند في استغلال التوتر مع باكستان لصالحه مع قرب الانتخابات الهندية في مايو (أيار) من هذا العام، هي أمر مقلق. في المقابل، فإن طبيعة العلاقات الباكستانية الهندية، فضلاً عن كيفية نظرة باكستان إلى الهند من حيث عقيدتها العسكرية، والتي تصنف الهند على أنها عدو، تجعل من الصعب على باكستان عدم الرد على الهند إذا أقدمت الأخيرة على أي عمل عسكري داخل أراضيها أو ضد قواتها.

طاولة المفاوضات وكشمير

التوتر الأخير بين باكستان والهند سلط الضوء أيضاً على عمق أزمة كشمير بين البلدين إذ خاض البلدان حربين من أجل كشمير، ويخشى أن تكون كشمير سبباً في حرب أخرى بين البلدين.

وكانت باكستان كثفت نشاطها دولياً خلال العامين الماضيين في تسليط الضوء على كشمير، والحديث عن انتهاكات يقوم بها الجيش الهندي للمدنيين الكشميريين، ترافق ذلك حالة أشبه بالانتفاضة يعيشها الشطر الهندي من كشمير منذ عامين إذ يتظاهر شبان كشميريون بشكل أسبوعي في شوارع سرينيغر (عاصمة إقليم كشمير) ضد قوات الجيش الهندي. ولا شك أن ملف كشمير هو أكثر الملفات تعقيداً بين البلدين منذ تقسيم شبه القارة الهندية عام 1947.

الحوار في حسابات الانتخابات

عموماً، فإن أي تهدئة بين البلدين عقب هذا التوتر، لن تؤدي الى بدء حوار مباشر بين البلدين، وعلى الرغم من جدية باكستان في بدء الحوار الذي تمثل بدعوات رئيس الوزراء الباكستاني المستمرة للهند بالحوار، فإن الاخيرة لن تقدم على ذلك قبل الانتخابات الهندية، فورقة باكستان والتصعيد معها ستكون رابحة لكسب الناخبين الهنود سواء من قبل حزب الشعب الحاكم أو حزب المؤتمر.

كذلك، فإن أي حوار بين البلدين لا يناقش ملف كشمير مصدر التوتر الحقيقي بين البلدين، لن يساعد في إنهاء حالة الحرب والسلم التي يعيشها البلدان منذ استقلالهما قبل 71 سنة.

المزيد من تحلیل