Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

درس نهم يتكرر في الجوف

الحكومة تخسر ثالث أكبر المحافظات اليمنية

منظر من الطبيعة في محافظة الجوف اليمنية (غيتي)

يبدو أن درس "نهم" الأمس تكرر في "الجوف" اليوم، وربما يأتي الدور غداً على مأرب أو حضرموت نتيجة للإخفاقات الميدانية المتكررة لقوات الجيش الوطني اليمني، إذ نلحظ حالة من اليأس والإحباط تنتشر بين اليمنيين الذين لا يرون، في المدى القريب، فرصة للخلاص من الميليشيات في بلد يرزح تحت أثقال أخرى.
والأحد الماضي، استيقظ الشارع اليمني على صور الميليشيا تتجول في أحياء مدينة الحزم وأسواقها، وهي المركز الإداري لمحافظة الجوف، (شمال شرقي البلاد) بعد هجوم مركّز وكثيف استمر لأشهر من القتال ضد قوات الجيش الوطني مسنوداً بالقبائل وأبناء المحافظة وبغطاء جوي لمقاتلات التحالف العربي، والأخيرين سبق وسيطروا على المدينة في منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2015.
واشتدت المعارك في مديرية الغيل الواقعة غربي مدينة الحزم (نحو 20 كم)، عقب وصول تعزيزات بشرية كبيرة للمليشيا لحسم المعركة.

لماذا الجوف؟
تكتسب الجوف أهمية استراتيجية في أجندة الحوثيين لاعتبارات جغرافية وسياسية. فهي، جغرافيّاً محاذية من جهاتها الشمالية للسعودية (قائدة التحالف العربي لاستعادة الشرعية)، ولمحافظتي مأرب (جنوب شرق) التي تعد أكبر معاقل القوات الحكومية المناهضة للمشروع الحوثي الإيراني في اليمن، وحضرموت، (شرق)، إضافة إلى التصاقها (شمالاً) بمحافظتي صعدة (معقل ميليشيا الحوثي) وعمران.
إلى ذلك، فإن صحاريها تطفو على بحار من النفط والغاز، وتعد من أكبر المحافظات مساحة، إذ تصل إلى نحو 39 ألف كيلومتر. لهذا، فهي ثالث أكبر المحافظات اليمنية بعد حضرموت والمهرة.
وسيطرة الميليشيا مجدداً على الجوف ترفع نسبة تلاشي آمال الحكومة اليمنية في استعادة المحافظات الشمالية، ذات العمق البشري، والحاضنة الاجتماعية للحوثيين، والعاصمة صنعاء. وهو ما يفسر استماتة الحوثي لتحقيق هذه الغاية، خصوصاً بعد الانهيار المعنوي والتشتت الذي أصاب الجيش الوطني الحكومي، عقب خسارته منطقة نهم المطلة على العاصمة صنعاء.
على الرغم من ذلك، لم يصدر عن الحكومة أي رد فعل حيال خسارتها محافظة استراتيجية كبرى، مثل الجوف. وبالكاد ورد في وكالة سبأ خبر عن اتصال هاتفي أجراه رئيس الحكومة معين عبد الملك بكل من وزير الدفاع محمد المقدشي ومحافظ الجوف اللواء أمين العكيمي، للاطلاع على "التطورات العسكرية في الجوف"، من دون ذكر أي إجراءات ميدانية واضحة.
على الجانب الآخر، أثنى القيادي البارز في جماعة أنصار الله (الحوثيين) وعضو المجلس السياسي التابع للجماعة، محمد علي الحوثي، الأحد 8 مارس (آذار)، على مشاركة "أبناء محافظة الجوف ومشايخها في تحقيق النصر".
وفي تغريدة له على حسابه في تويتر، وصف الحوثي "تحرير الجوف" بـ"الانتصار".
أما سفير اليمن لدى اليونيسكو، محمد جميح، فيعتبر في حديث مع "اندبندنت عربية" أن سقوط الحزم في أيدي الحوثيين هو "انعكاس طبيعي لبقاء القيادات السياسية والعسكرية خارج الوطن، وانشغال المكونات الداعمة للحكومة الشرعية بالمكايدات والمعارك الجانبية، إضافة إلى الكشوفات الوهمية داخل الجيش".

لا دعم
كذلك، يرى المتخصص في الشؤون العسكرية عبد العزيز الهداشي أن ما يجري لقوات الجيش الوطني هو نتيجة حتمية لحالة التوهان والفساد والخلاف البيني داخل صف الشرعية.
ويقول الهداشي "مجدداً، تخسر الحكومة الشرعية محافظة أخرى، فيما حذرنا قبل أيام من مغبة انتظار هجوم الحوثي، ودعونا إلى المبادرة وتنفيذ هجوم معاكس، لكن شيئاً من ذلك لم يحصل".
يضيف، في حديث مع "اندبندنت عربية"، "على الرغم من التفوق العددي للحوثيين بنسبة ثلاثة مقاتلين مقابل واحد من الشرعية، فإن الجيش المرابط هناك ومعه أبناء القبائل صمدوا لأكثر من 41 يوماً وقاوموا الحوثي بكل شجاعة على الرغم من الهزيمة النفسية بعد خسارة نهم".
يتابع "على الرغم من سيطرة الحوثي على الجوف فإن أبناءها الذين قاوموا الحوثي بكل بسالة، وفي مقدمهم محافظها أمين العكيمي، أثبتوا أن المعارك هي معارك أبطال قبل أن تكون معارك سلاح وآليات".
ومن بين العوامل التي يراها سبباً لانحسار المناطق من قبضة الجيش الوطني، يقول إن "جبهة الجوف لم تلق الدعم الكافي من قيادة الجيش، نظراً لقلة عدد أفراد القوات المقاتلة في الجوف وغياب الإسناد والدعم، في حين أن كشوفات الجيش تضم 300 ألف جندي، بينما القوة الفعلية على الأرض لا تتجاوز 20 ألف جندي موزعين على جبهات عدة متفرقة".
ويذكّر بعوامل أخرى "لا يمكن تجاهلها"، تتمثل في "الفساد المستشري داخل الجيش والشرعية".

محاسبة الفاسدين
ويستدل الهداشي بوجود "آلاف الأسماء الوهمية في كشوفات الجيش التي تذهب رواتبها لقيادات عسكرية فيما المقاتل الحقيقي في أرض المعركة بلا رواتب منذ أشهر وهو مدرك لهذا الفساد ويعرف أنه بات يقاتل من أجل فاسدين، وبالتالي سيؤدي هذا إلى انهيار الروح المعنوية للمقاتل وسيلجأ للإبقاء على نفسه وسلامته".
 
وفي شأن المأمول فعله من جيش الحكومة الشرعية، يجيب "بعد سقوط حزم الجوف، سيظل الحوثي في حال اندفاع هجومي ومعنوي وإن لم يتم كبح جماحه فسيواصل إسقاط المحافظات الأخرى، مثلما حدث في العام 2015، وهو الأمر الذي أصاب مناهضيه بالرعب سواء داخل صفوف الحكومة الشرعية أو الانتقالي الجنوبي أو قوات المقاومة الوطنية في الساحل الغربي (والأخيرة تتبع طارق محمد صالح، نجل شقيق الرئيس الراحل علي عبدالله صالح الذي لا يعترف بشرعية هادي )".
أما عن الآلية المثلى لكبح جماح المليشيا فيقول "يفترض الاستعداد بأسرع وقت ممكن لشن هجوم مضاد لاستعادة محافظة الجوف بغية استعادة الروح المعنوية والعقيدة القتالية المنهارة في صفوف الحيش".
يتابع "إضافة إلى عزل الفاسدين ومن يثبت تورطهم في قرارات الانسحابات التي تمت في الجوف ونهم ومحاكمتهم وفصل المتغيبين وإلغاء الكشوفات الوهمية".
ويعتقد الهداشي أنه "على الجيش انتهاج خطة لحماية مأرب الغنية بالنفط، لأنه من المتوقع أن يهاجمها الحوثي في أي لحظة من الجوف والجدعان وصرواح في مأرب".
وفيما يصف "الوضع بأحجار الدومينو التي تتساقط تباعاً"، يحذر بأنه إذا لم تبادر الحكومة الشرعية إلى فعل عسكري يوقف الانهيار، فإن الشعب اليمني سيتخذ خياراته ويتجه إلى استعادة وطنه بمعزل عن الحكومة التي ينخرها الفساد".

أحداث متوقعة
ويرى الكاتب والمحلل السياسي اليمني عادل الأحمدي، أن سقوط الجوف كان أمراً متوقعاً بعد سقوط نهم.
وفي مقال له على صفحته في فيسبوك، تحت عنوان "الجوف والتحالف ومطرفية العصر"، كتب الأحمدي، "ذهبت الجوف على الرغم من الصمود الكبير لأبطال الجوف والعديد من بواسل الجيش مسنودين بغارات مكثفة من طيران التحالف لكن خطة الهجوم الحوثية كانت أكثر اكتمالاً من خطة الدفاع، وجاء تعيين الفريق صغير بن عزيز رئيساً للأركان، (عينه الرئيس هادي مؤخراً رئيساً لهيئة الأركان العامة) أشبه باستقدام الهدّاف بعد صفارة الحكَم".
ويسأل الأحمدي عن الألوية العسكرية في مأرب منذ سنوات، "لماذا تم ترك الجوف تصارع بلا مدد سوى الطيران والقبائل، ولماذا ظلت الجبهات الأخرى نائمة نوم أهل الكهف، هل تجهل الشرعية والتحالف ماذا تعني الجوف؟ أهو تخاذل أم مؤامرة أم خيانة، وأسئلة كثيرة تمزق نياط القلوب إزاء وطن يتسرب في يد الطاغوت والكهنوت بينما أدوات الصد ممكنة وفي اليد".
تابع "لم تكن خطة الهجوم الحوثية لتنجح، لو تم إسناد مقاتلي الجوف بألوية من مأرب أو سيئون أو شبوة، أو تم تحريك جبهات أخرى تعمل على تشتيت العدو وتدفعه إلى التراجع، أو حتى التلويح بالتنصّل من اتفاق استوكهولم ودفع المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغوط على الميليشيا ريثما يتم الإمداد والتأمين لجبهات الجوف، لكن شيئاً من ذلك لم يكن، ومثل هذا الخذلان كان متوقعاً بالنسبة إلى كثيرين، لأن دروس تسليم نهم مرت مرور الكرام".

المزيد من تحلیل