هل تم وقف تقدم المسيرة الكوربينية؟

نجح جيريمي كوربين لأنّه قدم نفسه معارضاً للنظام، لكن الآن مع انقسام الحزب وتقهقر رسالته ربما تكون استراتيجية كوربين قد أفلست

كوربين يحتفل بتجاوز حزبه التوقعات في الانتخابات العامة في يونيو (حزيران) 2017. (أ.ف.ب)

من الغريب أن يتم تقسيم الحزبين الرئيسيين الآن. يبدو الأمر كما لو أن الانهيار الوشيك لمغادرة الاتحاد الأوروبي أجبر أخيراً الولاءات الحزبية على الانكسار. لكن المفارقة تكمن في أنه، كما اعترفت آنا سوبري، لا شيء من انشقاقات الأسبوع الماضي يُغير الحسابات في البرلمان في شأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست). الأكثر من ذلك هو أن "آخر شيء تحتاجه هذه الدولة هو إجراء انتخابات عامة" لتغيير هذه الحسابات، بحسب سوبري.

لكن أسباب الانشقاقات من كلا الحزبين الرئيسيين تذهب أبعد من بريكست، والآثار المترتبة على إطلاق مجموعة النواب المستقلين هي بالنسبة إلى جيريمي كوربين أكثر منه بالنسبة لرئيسة الوزراء. الأهم من ذلك، لا ينوي حزب المحافظين خوض الانتخابات المقبلة في ظل قيادة تيريزا ماي، في حين أن أعضاء حزب العمال متلهفون ومتفائلون لرؤية كوربين يحاول تكرار خدعة تجاوز التوقعات التي فعلها في المرة السابقة.

قد تكون الأهمية الحقيقية للمجموعة المستقلة هي أنها تشير إلى النقطة التي توقفت عندها مسيرة الكوربينية عن التقدم. فلثلاثة أعوام ونصف، واجه كوربين جميع التحديات وتغلب عليها. ثلاث مرات بدا فيها هادئاً، على شفير الهزيمة ومع ذلك فاجأ الجميع - بما في ذلك نفسه.

وعندما وافق، مع ذلك التردد الصوري الذي لا يزال مطلوباً في الدوائر الاشتراكية القديمة، للسماح بطرح اسمه لقيادة الحزب، لم يكن يتوقع أن يجتذب ما يكفي من الدعم ليكون مرشحاً، ناهيك عن الفوز. لكنه كان الدخيل الحقيقي من خارج الوسط السياسي ضد النظام. كانت تلك رسالة حان وقتها.

وقد أدى ارتفاع عدد أعضاء الحزب الذي اجتذبهم إلى تحقيق إيرادات أكبر للحزب مما كان مألوفاً لسنوات عديدة - لا تهم أسطورة منخرطي الثلاث جنيهات - فمعظم المُسجلين الجدد دفعوا الرسوم كاملة، ما يعني أن كوربين تولى حزباً أصبح فجأةً في وضع مالي مريح.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن تعثر ارتفاع أعداد المنخرطين، وواجه كوربين تمرداً من بعض نواب حزب العمال بعد أن بدا مرحِباً بنتيجة استفتاء 2016 للخروج من الاتحاد الأوروبي. تجاهل تصويتاً لسحب الثقة منه من قبل فريقه البرلماني والاستقالة الجماعية لبعض وزراء الظل. لكن بعد ذلك، واجه تحدياً من أوين سميث، حيث خاض انتخابات ثانية للقيادة، واجتذب موجة ثانية من الأعضاء الجدد، حيث تجاوز الحزب عتبة النصف مليون عضو.

فترة الراحة هذه كانت قصيرة، حيث أن مكانته ومكانة حزبه انجرفت في استطلاعات الرأي مع استمرار تيريزا ماي في التمتع بتأثير الهالة كرئيسة وزراء جديدة. ماي، متقدمةً 20 نقطة في الإستطلاعات، ذهبت إلى الشعب لطلب تفويض خاص بها للتفاوض على مغادرتنا الاتحاد الأوروبي.

تحكّم كوربين في أعصابه وتمسّك باستراتيجيته سيوماس ميلن، المدير التنفيذي للاستراتيجية والاتصالات في حزب العمال. والاستراتيجية التي يديرها ميلن، كما يشير مسمّاه الوظيفي الكبير، والتي يساعد زعيم الحزب في التواصل بها، هي بسيطة: الإبقاء على علامة كوربين العُمال، حيث العلامة هنا تعني "ضد النظام".

في الحملة الانتخابية، تجاهل كوربين وميلن ببساطة قرار خروج بريطانيا وركزا على السخط المتراكم من سبع سنوات من الصرامة المالية: قضايا الشرطة، والإسكان، والمدارس، والخدمات الصحية الوطنية. لقد وعدوا بالتغيير مقابل المزيد من الوضع القائم، وهو أقدم خط فاصل في التاريخ الديموقراطي، ونجح طرحهم المعادي للمؤسسة إلى ما هو أبعد من أحلامهم.

كلُ ما قيل في زعيم حزب العمل تحوّل إلى قوة. تحولت معاداته لأميركا إلى حجة مفادها أن السياسة الخارجية التي تقودها الولايات المتحدة جعلت بريطانيا هدفاً للإرهاب. وتحوّل عدائه للأعمال الخاصة إلى خطة لتأميم شركات المرافق الاستهلاكية. وكان اهتمامه بماركسية أميركا اللاتينية وتاريخ التيار الجمهوري الإيرلندي مجرد شارات على أصالته.

في ليلة الانتخابات، قبل إعلان نتائج الاستطلاعات الأولية، طلب كوربين من فريقه الداخلي التنبؤ بالنتيجة. كان ميلن من بين أولئك الذين توقعوا غالبية كبيرة للمحافظين، في حين فقط كاري مورفي، رئيسة هيئة موظفي كوربين، توقعت أن ترافق الزعيم إلى قصر باكنغهام في اليوم التالي.

وكما كان الحال، لم يذهب كوربين ومورفي إلى القصر، لكن حزب العمال حصل على مزيد من المقاعد بدلاً من خسارتها، وبرغم إخفاقه في منع حصول تحالف المحافظين والحزب الوحدوي الديموقراطي بالغالبية، إلا أن الهزيمة بدت وكأنها انتصار. فحظي تقديم كوربين من قِبل ميلن كشخصية أصيلة من خارج الوسط السياسي، بأمتع اللحظات.

طوال فترة قيادته، أدت استراتيجية "ضد النظام"عملها، حيث أن التمسك بتلك العلامة ساعده في الحفاظ على التماسك بين أنصار البقاء والخروج (من أوروبا) في حلف حزب العمال الذي يغلب عليه أنصار البقاء. وتم تصنيف أنصار البقاء الأكثر تشدداً مع النخبة البليرية (نسبة إلى توني بلير)، وهكذا حافظ كوربين على مسافته، في حين دعم خروجاً من أوروبا أكثر نعومة من خطة الحكومة. سمح ذلك لأنصار الخروج بالتصويت له في عام 2017 مع السماح للحملة الرئيسية بالتركيز على أشياء أخرى.

حدث فقط هذا العام أنْ أخفقت استراتيجية ميلن. مساعدو كوربين كان يُمكنهم أن يروا بسرعة وسهولة قدوم عرض ماي لمحادثات حزبية مشتركة حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. كانوا يعلمون أنها ستضطر إلى طرح صفقتها على البرلمان وأنه سيتم هزيمتها بفارق كبير. ومع اقتراب اللحظة، تم تأجيلها، ثم اقتربت مرة أخرى، وتوقعوا أن تقوم رئيسة الوزراء - لحظة إعلان نتيجة التصويت - بدعوة نواب المعارضة، بمن فيهم القادة، للتشاور معها بشأن إيجاد طريق للأمام.

وفيما ناقشوا كيف يجب أن يكون رد كوربين، تمسكوا بالاستراتيجية التي خدمتهم بشكل جيد. يجب على كوربين أن يرفض التحدث إلى رئيسة الوزراء، التي تُجسد المؤسسة، ما لم توافق على مطلبه بإقامة اتحاد جمركي دائم. كانوا يعرفون أنها سترفض، لأسباب ليس أقلها أن حزبها سيصبح غير قابل للإدارة إذا وافقت، لذا اعتقدوا أن كوربين سيبدو معقولاً مع إبقاء يديه نظيفتين من خلال عدم التآخي مع العدو.

كان هذا خطأ. فالرأي العام كان يؤيد بقوة محادثات مشتركة بين الأحزاب، وحتى أعضاء حزب العمال الذين يدعمون كوربين كانوا في حالة من الحيرة وعدم اليقين.

لا يمكننا تحديد مدى تأثير هذا القرار في انخفاض نسب التأييد لأداء كوربين، لكنه سبقها بأسبوعين. في بداية هذا الشهر، أعرب 72 في المئة من الناخبين عن عدم رضاهم على الطريقة التي يؤدي بها كوربين وظيفته كقائد للمعارضة، وأعربت نسبة 17 في المئة فقط عن رضاها. وكانت الدرجة الصافية ناقص 55 نقطة هي الأسوأ في تاريخ أي زعيم معارضة منذ مايكل فوت في أغسطس (آب) 1982 حيث كانت عند سالب 56 نقطة.

هكذا يواجه كوربين الأمر مجدداً.  أرقام العضوية في الحزب لا تزال مرتفعة، لكنها تنجرف نحو الأسفل، والآن انقسم الحزب أخيراً. وليكن واضحا تماماً، هذه لحظة مهمة.  كان كوربين وميلن قلقين بشأن انشقاق نواب حزب العمال منذ بعض الوقت. أدركوا مدى خطورة التهديد التي يُشكلها أي انفصال. وعلى الرغم من انشقاق ثلاثة نواب محافظين، من المرجح أن يأخذ الحزب الأصلي الانفصالي proto-party)) المزيد من الأصوات من حزب العمال أكثر مما يأخذ من حزب المحافظين.

كان من المفاجئ، إذن، أن كوربين ودائرته الداخلية لم يفعلوا سوى القليل لتفادي الانشقاق. أسقطوا إجراءات تأديبية ضد مارغريت هودج، التي وصفت كوربين بالعنصري في وجهه، وأظن أن مكتب الزعيم تدخل في ليفربول ويفرتري لإقناع حزب لوسيانا بيرغر المحلي بالتخلي عن اقتراحات سحب الثقة منها (نعم النخبة في لندن تتجاوز التعبير الأصيل عن المشاعر المحلية المناهضة للمؤسسة).

لكن ذلك كان بعد أن قام جون ماكدونيل، وزير خزانة الظل، بإحداث الضرر فعلياً بالقول، في واقع الأمر، إن كل ما كان على بيرغر أن تفعله لوقف الشرطة الفكرية هو الإعلان بأنها تحب الأخ الأكبر(Big Brother). وفي مقابلة على برنامج توداي، قال: "نصيحتي هي أن تقوم لوسيانا بحل هذه المسألة؛ وأن تقول بوضوح شديد: لا، أنا لا أؤيد حزباً آخر. أنا لست بصدد القفز من السفينة."

ولكن بعد حدوث الانشقاق، لم يكن من المفاجئ أن رد ميلن كان العودة إلى استراتيجيتة ذات البند الواحد، حيث قال "متحدث باسم كوربين" إن المنشقين من حزب العمال هم الآن جزء من "تحالف النظام" يدعم الخصخصة وخفض الضرائب على الشركات.  لكن زعيم حزب العمال يبدو الآن وكأنه جزء من النظام الحالي، والمنشقون هم الذين يشبهون المتمردين.

وأشار كوربين إلى أن المنشقين وقفوا مع برنامجه الانتخابي في عام 2017، وقال إنه يأسف على ذهابهم إلى "مكان آخر." هذا يرسمهم كمتمردين ويرسمه هو كشخصية السلطة -  بعيداً عن إثارة ضحك أجوف حول موقفه من البيانات الإنتخابية لحزب العمال في الماضي.

لكن هذا يؤكد أيضاً على مدى استثنائية انتخابات عام 2017. وكان السبب الوحيد لعدم انقسام حزب العمال وقتها هو أن الانتخابات جاءت بمثابة مفاجأة، والنواب، على يقين أن كوربين لن يفوز، أرادوا الحفاظ على وظائفهم من خلال الاحتفاظ بمقاعدهم.

لكن لن تنطبق أي من ظروف ذلك الوقت على الانتخابات المقبلة. فتريزا ماي لن تكون زعيمة حزب المحافظين. وبالتالي، فإن الحملة الكارثية التي خاضها المحافظون وقتها من غير المرجح أن تتكرر - على الرغم من أن هناك طرقاً عدة للإخفاق أكثر من النجاح.  والأهم من ذلك، هو أن زعيماً جديداً، في بريطانيا ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، سيجد سهولة في التغلب على خسارة حفنة من نواب حزب المحافظين المؤيدين للاتحاد الأوروبي، أكثر من قدرة كوربين على تجاوز انشقاقاته الخاصة.

سيكون من الصعب على كوربين أن يتجاوز التوقعات للمرة الثانية. من يدري مدى الضرر الذي ستلحقه المجموعة المستقلة بحزب العمال بحلول ذلك الوقت؟ الجميع يحبون الإشارة إلى أن النظام الانتخابي من المرجح أن يعاقب الحزب الجديد، وهذه تُعتبر ملاحظة جيدة، وتاريخ الحزب الديموقراطي الاجتماعي يحمل دليلاً على ذلك، لكن الأوان قد فات الآن.

الانفصال قد حدث. هم قد لا ينجحون، ولكن لا يزال بإمكانهم فعل الكثير من الضرر في المحاولة. واليأس من المشروع يضيف فقط قوة عاطفية على القصة.  سيكون هذا بمثابة حبكة فرعية في السياسة لبعض الوقت في المستقبل، وسيحمل معظمها أخباراً سيئة بالنسبة إلى كوربين.

نعم، لقد قلب كوربين التوقعات من قبل. لقد تم التقليل من شأنه من قبل، بما في ذلك من قِبلي.  لكنه سيكون شخصية المؤسسة في وقت الانتخابات المقبلة.  يبدو أن قوة رسالته "ضد النظام" بدأت تتقهقر.

© The Independent