Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحيل مبارك... رئيس مصري تنتهي مسيرته في محاكم التاريخ

حكم البلاد 30 عاماً انتهت بإسقاطه... وأكد حرصه على الحياة والموت في وطنه

الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك (أ.ف.ب)

بين شهري فبراير (شباط) 2011 و2020 شهد العقد الأخير من حياة الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك تحولات كبرى، حوّلته من رئيس حكم البلاد لثلاثة عقود وانتفض الشعب ضد حكمه إلى أن أسقطه، إلى أول حاكم مصري يمثل أمام محكمة، مروراً برئيس سابق للبلاد. اختار بعدها البعد عن الأضواء إلا ما ندر، وصولاً إلى اتساع مساحات الحنين إلى عهده والترحم على وفاته بذكر مناقب الرجل العسكري ودوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973.

لم يكن يتوقع كثيرون، أو حتى يدرك مبارك حين أعلن في آخر خطاباته قبل التنحي تمسكه بالعيش والموت على أرض الوطن، وتأكيده إهداء سجله وأعماله لمحاكم التاريخ لتقول كلمتها في تفاصيل مسيرته؛ أن يأتي يوم بعد المشهد الأخير في حكمه؛ وتعلن السلطات المصرية الحداد لثلاثة أيام على رحيلة وتنعاه كافة مؤسسات الدولة كأحد أبطال أكتوبر، ورئيسٍ سابق للبلاد؛ وتشيع جثمانه عسكرياً؛ بعدما بدت اللحظات الأولى لخروجه من السلطة وصور محاكمته تنبئ بقول آخر.

 

 

وبقدر عقود حكمه الثلاثة كان زخم مسيرته، حيث تربع حسني مبارك الذي توفي، الثلاثاء، عن عمر يناهز 92 عاماً، على عرش مصر بلا منازع لثلاثين عاماً قبل أن تُسقطه ثورة شعبية غاضبة. ففي 11 فبراير (شباط) 2011، اضطر إلى التخلي عن السلطة وتسليمها إلى الجيش، الذي قرر الاصطفاف مع المنتفضين في ميدان التحرير والتخلص في ذات الوقت من الجنرال السابق ومن طموحات نجله جمال السياسية.

وبعد أسابيع قليلة من خروجه من السلطة بدأت محاكمة مبارك، الذي كان قائداً للقوات الجوية المصرية إبان حرب تحرير سيناء في أكتوبر عام 1973، بعد سبعة أشهر من سقوطه لاتهامه بالتواطؤ في قتل أكثر من 800 متظاهر سقطوا أثناء الثورة ضدّ حكمه التي استمرت 18 يوماً. وحكم عليه في يونيو (حزيران) 2012 بالسجن المؤبد (25 سنة).

لكن محكمة النقض المصرية، أعلى هيئة في القضاء الجنائي المصري، برّأت مبارك بشكل نهائي في 2 مارس (آذار) 2017 من هذه التهمة وتم إخلاء سبيله، إلا أن الرئيس الأسبق أدين ونجلاه علاء وجمال في 2016 بالفساد المالي.

عُرف عن مبارك أنه رجل براغماتي، وبحسب مناصريه، فقد نجح على مدى سنوات حكمه أن يطرح مصر كركيزة للاستقرار بالمنطقة ووسيط رئيس في النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي.

ورغم اعتراضات كثيرة فإنه تمسك بمعاهدة السلام التي أبرمها سلفه السادات مع إسرائيل عام 1979، وحرص على أن يظل ضمن ما عرف قبل الربيع العربي بمعسكر الاعتدال في العالم العربي، فضمن تأييد الغرب لنظامه وخصوصا الولايات المتحدة التي ظل حليفاً لها على الدوام. وظل مبارك وجهاً مألوفاً في الاجتماعات الدولية على مدى سنين حكمه. ورغم تصديه بقوة للجماعات المتطرفة، فإنه لم يتمكن من وقف صعود الإسلام السياسي الذي جسدته جماعة الإخوان المسلمين.

 

 

أبرز محطات حياته

ولد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) 1928 لعائلة من الطبقة الريفية المتوسطة بقرية كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وعقب انتهائه من تعليمه الثانوي التحق بالكلية الحربية، وحصل على البكالوريوس في العلوم العسكرية عام 1948، وعلى درجة البكالوريوس في العلوم الجوية عام 1950 من الكلية الجوية. وتدرج في سلم القيادة العسكرية فعين عام 1964 قائداً لإحدى القواعد الجوية غرب القاهرة.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1967 عُين مديراً للكلية الجوية في إطار حملة تجديد قيادات القوات المسلحة المصرية عقب هزيمة يونيو (حزيران) 1967. ثم رئيساً لأركان حرب القوات الجوية المصرية، وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى تعيينه قائداً للقوات الجوية ونائباً لوزير الدفاع عام 1972.

وفي عام 1973، اشترك في التخطيط لحرب 6 أكتوبر، حيث بدأ الهجوم المصري بعبور قناة السويس والتوغل بجزيرة سيناء التي كانت تحلتها إسرائيل منذ حرب يونيو 1967. بدأ العمليات العسكرية بغارات جوية مكثفة ساعدت في دعم عبور القوات المصرية لقناة السويس واقتحام خط بارليف، وكان لهذا أثر كبير في تحويل مبارك إلى بطل قومي. رُقي في العام التالي للحرب إلى رتبة فريق، ثم اختاره الرئيس المصري الأسبق أنور السادات نائباً له في عام 1975.

كان دور مبارك أساسياً أيضاً في المفاوضات مع إسرائيل إلى أن تم التوصل إلى اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 ومعاهدة السلام بين البلدين عام 1979، التي انقسمت حولها الآراء في الشارع المصري حيث اعتبرتها عدة قوى معارضة، لا سيما جماعة الإسلام السياسي بمثابة تنازل لإسرائيل.

 

 

وبعد اغتيال السادات خلال العرض العسكري في السادس من أكتوبر 1981، أدى مبارك اليمين الدستورية في الرابع عشر من الشهر ذاته رئيساً للبلاد. وأعيد انتخابه باستفتاءات شعبية عليه كمرشح أوحد أعوام 1987، و1993 و1999، استناداً إلى الدستور المصري آنذاك، الذي حدد فترة الرئاسة بست سنوات دون حد أقصى للمرات التي يمكن أن يترشح فيها. وفي عام 2005 أقدم مبارك على تعديل دستوري جعل خلاله انتخاب الرئيس بالاقتراع السري المباشر، وفتح باب الترشيح لقيادات الأحزاب وأعيد انتخابه بنسبة كبيرة من أصوات الناخبين.

خلال سنوات ولايته الخامسة تعرض لضغوط داخلية متزايدة لإدخال إصلاحات سياسية واقتصادية، وزادت حدة المعارضة بعد انتخابات مجلس الشعب في نوفمبر عام 2010، وأسفرت عن انتخاب برلمان يسيطر عليه الحزب الوطني الحاكم بأغلبية كاسحة تزيد على 90 في المئة.

واعتبارا من 25 يناير (كانون الثاني) 2011 شهدت مصر سلسة تظاهرات حاشدة امتدت أياماً، وبلغت أوجها يوم 28 من الشهر ذاته، عرفت بـ"جمعة الغضب"، وانتهى بفرض حظر التجول ونزول الجيش إلى شوارع القاهرة ومدن عدة.

 

 

وظهر مبارك على شاشة التلفزيون في ساعة متأخرة ليعلن حل الحكومة. وفي 29 يناير 2011 أقدم على إجراء ظل يرفضه ثلاثة عقود، وهو تعيين نائب له، فاختار مدير المخابرات اللواء عمر سليمان للمنصب، كما كلف وزير الطيران في الحكومة المقالة أحمد شفيق بتشكيل الحكومة. لكن في يوم 11 فبراير أعلن نائبه تخلي مبارك عن منصبه وتكليف المجلس العسكري بإدارة شؤون البلاد. وبعد شهرين من تنحيه تم التحقيق مع مبارك في مكان إقامته بمدينة شرم الشيخ باتهامات تتعلق بقتل متظاهرين، واستغلال النفوذ ونهب المال العام.

وبعد قرار إحالته إلى المحاكمة، ومعه نجلاه ووزير داخليته حبيب العادلي وستة من معاونيه، ظل مبارك يتلقى العلاج في المستشفيات العسكرية، وجرت تبرئته من تهمة قتل المتظاهرين، وظهر راقداً على سرير طبي أثناء حضوره جلسات محاكمته.

 وفي الثاني من يونيو 2012، قضت محكمة جنايات القاهرة بمعاقبة مبارك بالسجن المؤبد لمسؤوليته عن قتل المتظاهرين، وهي العقوبة ذاتها التي نالها وزير داخليته، بينما برأت المحكمة المعاونين الستة لكن جرت تبرئة مبارك لاحقاً من هذه التهمة، وقضت أيضاً بانقضاء المدة في الدعوى المقامة ضد مبارك ونجليه بتهم استغلال النفوذ ونهب المال العام. وبعد إشاعات متعددة من حين لآخر بوفاة الرئيس المصري الأسبق، توفي اليوم لتظل مسيرته وسياسته بين يدي التاريخ يقضي فيه وفق معطياتها ونتائجها.