Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التحرك الفلسطيني بعد إعلان "صفقة القرن"

مسار حل الدولتين وصل إلى مفترق طرق تاريخي... ولا بد من دبلوماسية نشطة وقوية

يجب على الجانب الفلسطيني التحرك بدبلوماسية نشطة وقوية ووعي إزاء خطة السلام الأميركية (أ.ف.ب)

سبق أن أعلنتُ أنني لا أرى أنّ (صفقة القرن)، التي طرحها دونالد ترمب من البيت الأبيض، تشكّل أساساً مقبولاً لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، ليس للأسلوب الفجّ والمنحاز الذي أُعلنت به بحضور إسرائيلي وغياب فلسطيني فحسب، إنما لأنها أُسست على أن الواقعية السياسية والعسكرية التي تخدم الواقع الإسرائيلي المحتل تجبّ الشرعية الدولية كأساس للحل، حتى عندما تتعارض مع كل قواعد القانون الدولي، ما يجعل من المُستبعد التوصّل إلى اتفاق يُلبي حتى الحد الأدنى من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ويهدم في الوقت نفسه كل أسس عملية السلام العربية الإسرائيلية، وينسف الأرضية للمفاوضات مستقبلاً إذا تهيّأت الظروف مرة أخرى بعد الانتخابات الإسرائيلية، وإذا نجح الطرف الفلسطيني في توحيد صفوفه داخلياً من أجل الوصول إلى السّلام بإقامة دولتين: إسرائيلية وفلسطينية.

وليس من المبالغة أو التهويل القول إنّ منهجية الصفقة المقترحة، وأسلوب الكشف عنها، والاستهزاء الشديد والمقصود بالجانب الفلسطيني قبل وبعد إعلان الصفقة، تثير تساؤلات حول أنّ الغرض الحقيقي من كل ذلك لم يكن الضغط على الجانب الفلسطيني للتماشي مع الطرح، إنما لضمان رفضه المبادرة، والإيحاء بأنه متعنّت، وأنّ لا جدوى من استمرار السعي لحل الدولتين، وهو ما يفتح الباب لإسرائيل لاتخاذ مزيدٍ من الإجراءات الأحادية بالضم الرسمي للأراضي العربية المحتلة، وتحديداً في الضفة الغربية والجولان.

وأعتقدُ أنّ مسار حل الدولتين وصل إلى مفترق طرق تاريخي، وعلى الجانب الفلسطيني التحرّك بدبلوماسية نشطة وقوية ووعي وشجاعة كاملة إزاء كل ذلك، خصوصاً بعد أن رفض كلّ من جامعة الدول العربية والجانب الفلسطيني الصفقة المطروحة، وأيّد كلاهما التفاوض على الأسس المشروعة كأفضل سبيل لحل النزاع العربي الإسرائيلي سلمياً.

ويجب أن يكون للفلسطينيين ثلاثة أهداف رئيسة، هي: عدم تغيّر أسس عملية السلام العربية الرئيسة، والتصدي لاتخاذ إسرائيل خطوات أحادية على الأراضي الفلسطينية، والاستعداد لما هو مُقبل في ظل تآكل فرص تحقيق السلام الفلسطيني الإسرائيلي على أساس حل الدولتين.

وفي هذا السياق والانتخابات الإسرائيلية والأميركية على الأبواب، وبصرف النظر عن نتائج تلك الانتخابات، يجب عدم ترك "مشروع صفقة القرن" كآخر البدائل والاقتراحات المطروحة للتعامل مع هذه القضية، حتى لا يشكّل هذا الطرح وحده نقطة انطلاق للنقاش بعد انتهاء الموسم الانتخابي في البلدين.

وعلى الجانب الفلسطيني أن يطرح مبادرة تفاوضية تكون برعاية الدول الخمس الدائمة العضوية بمجلس الأمم، تحمل في طياتها قدراً أكبر من التفصيل، في ما يتعلق بالقضايا الرئيسة التي انصبّت عليها غالبية الجولات التفاوضية الفلسطينية الإسرائيلية السابقة، والموجودة كذلك، لكن مبتورة، في صفقة القرن بما يتماشى مع الرؤية الإسرائيلية فقط، ألا وهي حدود الدولة الفلسطينية بما في ذلك ما يمكن أن تشمله من تبادل جزئي للأراضي أو تعديلات بسيطة بالحدود لتوحيد القرى، والصيغة الملائمة للقدس الشرقية، وليس فقط التمسّك بالقدس الشرقية عاصمة لفلسطين، وكذلك ما يتعلق بحرية العبادة لكل الأديان، وترتيبات التعاون بينهم والإسرائيليين لضمان ذلك، وعناصر "الحل العادل المُتفق عليه" لقضية اللاجئين الفلسطينيين، بما في ذلك مسؤولية إسرائيلية، وضرورات التعاون الدولي، وأيضاً التصوّر الفلسطيني لطموحاته الأمنية ومدى استعداده للتعاون، وقد سبق له أن أعلن أنها محدودة، لتفنيد الحجج الإسرائيلية المُبالغ فيها عن حاجاتها الأمنية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وسبق أن نوقش كل هذه العناصر بين القيادات الفلسطينية والإسرائيلية، وموجودة بشكل عام في إطار المبادرة العربية، أي أنّ الفكرة هي بلورة المبادرة العربية بقدر أكبر من التفصيل، لتكون طرحاً جديداً، ينبني على الشرعية الدولية، ويحترم الحقوق الفلسطينية، ومن الطبيعي أن يحظى هذا الطرح بتأييد عربي ودولي، خصوصاً في ظل النقاش الدائر بأوروبا حالياً.

ولا مانع كدعم للحق التفاوضي الفلسطيني في ضوء التطورات الأخيرة أن تعلن السلطة الفلسطينية في الوقت نفسه قيام دولة فلسطينية تحت الاحتلال على أساس حدود 1967، وهو ما يتفق مع حل الدولتين المُعترف به دولياً، الذي ادّعت الولايات المتحدة وإسرائيل في الطرح الأخير أنها تؤيده، وعبارة "على أساس حدود 1967" تتفق مع الموقف الدولي، ولا تغلق الباب أمام بعض التعديلات الحدودية المحدودة من خلال التفاوض.

وبالتوازي مع هذا، من المفيد أن ينشط الجانب الفلسطيني في التصدي بالمحافل الدولية لأي خروقات إسرائيلية للقانون الدولي وحقوق الإنسان، وجاء موقف مجلس حقوق الإنسان ووضع قائمة سوداء بالشركات التي تستغل الأراضي الفلسطينية المحتلة في صالح الفلسطينيين.

تساعد هذه الخطوات في حماية أسس عملية السلام للتفاوض، واحترام الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، لكن لا توجد ضمانات لنجاحها، أو حتى تحقيق تقدّم على المدى القصير، فالتحديات والعقبات كبيرة وكثيرة، خصوصاً إذا انتهت الانتخابات الأميركية والإسرائيلية لصالح مؤيدي (صفقة القرن)، وهو احتمالٌ قائمٌ بالفعل.

كما أنّ استمرار تآكل الاحترام الدولي لأسس عملية السلام قائم، ومواصلة إسرائيل تغيير الأوضاع على الأرض، وفرض الأمر الواقع غير مستبعد على الإطلاق، ما سيقضي على إمكانية إقامة دولة فلسطينية متواصلة الأراضي وصاحبة السيادة، ليصبح "واقع الدولة الواحدة الإسرائيلية الفلسطينية المشتركة" البديل العملي الوحيد.

وعلى الفلسطينيين بدء التعامل مع هذا الاحتمال غير المستبعد، الذي أصبح أكثر ترجحاً، ما يتطلب نفساً طويلاً وطرحاً فلسطينياً مختلفاً، ينصب على إثارة مسألة ضرورة احترام وضمان الحقوق المتساوية لكل مواطني الدولة الواحدة، ويتطلب التوسعَين الفلسطيني والعربي في الاتصال والاهتمام بمواطني إسرائيل ذوي الأصل العربي، وطرح قضايا حقوقهم المتساوية في مختلف المحافل، باستخدام كل الوسائل السلمية السياسية والاقتصادية والصناعية والإعلامية لتحقيق ذلك.

مسيرة شاقة وطويلة، على غرار ما جرى في جنوب أفريقيا، لكن يجب الاستعداد لها إذا لم يكن هناك سبيل لضمان الحقوق الفلسطينية الوطنية المشروعة على المدى القصير.

حلّ الدولتين على مشارف النفسَ الأخير، إن لم يكن انتهى، والدولة الواحدة ربما تكون الواقع الوحيد المُبتغى، واقعٌ لا يلبي طلبات أيّ من الطرفين، وينبئ بامتداد النزاع إلى أجيال قادمة، وتركيزه عملياً على ضمان الحقوق المتساوية بين الشعوب بهُوية وطنية مشتركة للإسرائيليين والفلسطينيين.

المزيد من آراء