Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مهمة "أمين العرب" الصعبة في المنطقة المأزومة

8 أمناء عموميين تقلدوا المنصب طوال 75 عاماً ونبيل العربي تفرَّد بهذا الموقف

أن تُولد في دولةٍ عربيّةٍ معناه أنّك في أكثر منطقة تشهد نزاعات سياسيّة وعسكريّة بالعالم، أمَّا أن تكون أميناً عاماً لجامعة الدول العربية فيعني ذلك أن تكون محمّلاً بمهام محاولة حل تلك النزاعات، بل وإيجاد سبيلٍ لمستقبل أفضل لشعوب تلك المنطقة، وهي المهمة التي أوكلت إلى 8 أمناء عموميين حتى الآن في تاريخ الجامعة الذي يصل إلى 75 عاماً.

عبد الرحمن عزام... الباحث عن استقلال العرب
فكرة إنشاء تجمُّع للدول العربية تبنّتها الحكومة المصرية، بعد دعوات كثيرٍ من المفكرين والسياسيين، كان من أشدهم تأييداً للفكرة عبد الرحمن عزّام الوزير السابق وعضو الوفد المصري في لجنة وضع ميثاق الكيان الوليد الذي اُتفق على تسميته (جامعة الدول العربية)، وأطلق التجمّع في الـ22 من مارس (آذار) 1945.

وتولى عبد الرحمن عزام أميناً عاماً للجامعة، فهو أحد المنادين بإنشائها، والمدافع عن استقلال الشعوب العربية من الاحتلال التي كانت ترزح تحت وطأته منذ عقودٍ، ولم يكن دفاعه بالقول فقط، إنما شارك أيضاً في قتال المحتل الإيطالي في ليبيا.

 

أوّل أمين عام للجامعة العربية سعى خلال عهده، الذي استمر 7 سنوات، لتوسيع قاعدة الدول الأعضاء بالجامعة وتقوية روابطها مع العالم الخارجي، وتوحيد الصوت العربي في دعم قضايا التحرر حول العالم، وحشد التأييد الدولي لاستقلال العرب، فاستقلت سوريا ولبنان وليبيا.

وطاف عزام العالم للتعريف بحق شعوب تونس والجزائر والمغرب في الاستقلال عن المحتل الفرنسي، حتى رحيله عن الأمانة العامة في سبتمبر (أيلول) 1952.

حسونة... وقف الصراع العربي
اختيار الأمين العام من دولة المقر كان توافقاً عربياً غير مكتوبٍ، فجاء ثاني أمناء الجامعة مصرياً أيضاً، محمد عبد الخالق حسونة الذي شغل حقيبة الخارجية قبل اختياره أميناً للجامعة، في وقت كانت تموج فيه مصر بتغيرات كبيرة تلت ثورة الـ23 من يوليو (تموز) 1952، وانعكست على الواقع العربي بامتداد الفكر القومي من الرئيس المصري جمال عبد الناصر إلى معظم الأقطار العربية.

التوازن في المواقف كان مهمةً صعبةً على الأمين العام للجامعة العربية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لكن عبد الخالق حسونة أدار الجامعة باقتدار، ونجح في توجيه دفة العمل العربي إلى صدور قرار موحّد عقب نكسة 1967، من خلال مؤتمر القمة في الخرطوم الذي عرف بـ"اللاءات الثلاث"، ثمّ قمة القاهرة عام 1970 التي أوقفت الصراع العسكري في الأردن مع الفصائل الفلسطينية.

رياض... عسكري في مهمة دبلوماسية
في يونيو (حزيران) 1972، تسلّم محمود رياض الأمانة العامة للجامعة، مدفوعاً بتاريخ طويل بوصفه عسكرياً عمل في قطاع غزة وسفيراً لمصر في دمشق، ثم وزيراً للخارجية في عهد المد القومي العربي.

وبعد نحو عامٍ على توليه المنصب وصل التضامن العربي إلى ذروته في حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، ليحاول رياض الحفاظ على وتيرة العمل العربي المشترك، وعمل على حشد الدعم المالي من الدول البترولية لإعادة إعمار مصر وسوريا.

 

لكن التحوّلات كانت درامية، بعدما توجّه الرئيس المصري حينها أنور السادات إلى السلام مع إسرائيل، وقرار الدول العربية تعليق عضوية القاهرة بمجرد توقيع اتفاقية إنهاء عقود العداء مع تل أبيب.

واستقال محمود رياض من الجامعة قبل 4 أيام من توقيع السادات اتفاقية السلام في مارس (آذار) 1979، رغم معارضته الاتفاق، والعروض من الدول العربية بأن يستمر، لكنه قال إنه مصريّ، قبل أن يكون أميناً عاماً للجامعة.

القليبي... انقسام عربي
مع بدء القطيعة العربية لمصر، انتقل مقر الجامعة وأجهزتها إلى تونس، واستمرّ العُرف بأن يكون الأمين العام من دولة المقر، لتتجه دفة الأمانة إلى الشاذلي القليبي الذي شغل وزارتي الثقافة والإعلام في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة، وكان بالأساس متخصصاً في اللغة العربية وآدابها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مهمة القليبي كانت صعبة بالنظر إلى الانقسام العربي الكبير بعد خروج مصر من الجامعة، فعمل على تكوين لجان لتنقية الأجواء العربية، كما اهتمّ بدعم التعاون العربي الأفريقي، لكنه اصطدم من جديد بالانقسام العربي حين غزا العراق الكويت، واختلفت المواقف العربية، فاستقال الشاذلي القليبي في الـ2 من أغسطس (آب) عام 1990 احتجاجاً على الحشد العسكري العربي الأميركي لتحرير العراق، بعد 11 عاماً على كرسي الأمانة العامة.

عصمت عبد المجيد... عودة القاهرة
استقالة القليبي ربما كانت استباقاً لتغييره، لأن قرارات القمة العربية عام 1989 نصَّت على عودة مصر إلى الجامعة وعودة الجامعة إلى مصر، أي أن تكون القاهرة مقراً لها من جديد، وكان التنفيذ في مهلة أقصاها الـ31 من أكتوبر (تشرين الثاني) 1990، وبعدها عاد العُرف بأن يكون الأمين العام من دولة المقر ليُجرى التوافق على أحمد عصمت عبد المجيد أميناً عاماً، في يونيو (حزيران) 1991، تاركاً مقعده وزيراً للخارجية المصرية بعد عقود من العمل الدبلوماسي، وخلال مدّته التي استمرت 10 سنوات عُقِدَ مؤتمرا قمة غير عاديين: الأول بالقاهرة في يونيو (حزيران) 1996، والثاني في أكتوبر (تشرين الأول) 2000، لبحث القضايا العربية، كأمن البحرين، وتأكيد سيادة دولة الإمارات على جزرها الثلاث، واللجوء إلى الوسائل السلمية لحل النزاع القائم عليها، إلى أن انتهت ولايته في عام 2001.

موسى... ملفات شائكة ممتدة
بعد مسيرة دبلوماسية حافلة بالنجاحات انتقل موسى من مقعد وزير الخارجية إلى الأمانة العامة في مايو (أيار) 2001، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها إبعاد من الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك للدبلوماسي الوحيد صاحب الشعبية في الشارع.

 

لكن، موسى لم يعتبر بيت العرب داراً للتقاعد، إنما عمل على عدة ملفات، منها إنشاء البرلمان العربي، ودعم التواصل العربي مع التجمعات الدولية والإقليمية، وتدشين صندوق دعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب إقرار الانعقاد السنوي للقمة العربية.

فترة وجود عمرو موسى في الجامعة العربية شهدت كثيراً من الأحداث التي غيّرت وجه المنطقة، بدءاً من الغزو الأميركي للعراق 2003، والحصار الإسرائيلي لغزة، وحتى ثورات الربيع العربي، وتدخّل الناتو في ليبيا 2011، وهي الملفات التي لا يزال يثار الجدل حول دور الجامعة العربية فيها، وهل حققت المطلوب أم كان هناك دور أفضل يمكن أن تلعبه، ليرحل موسى عن الجامعة بعد 10 سنوات، باحثاً عن دور سياسي في مصر ما بعد الثورة.

العربي... الخبير القانوني والدبلوماسي
التخبط الذي ساد المنطقة العربية خلال ثورات الربيع العربي انعكس على بيت العرب، فاختيار بديل لعمرو موسى شابه كثيرٌ من الجدل، لأنه للمرة الأولى كادت الكفة تميل إلى اختيار أمين عام من خارج دولة المقر، هو القطري عبد الرحمن العطية، في مواجهة المرشح المصري حينها مصطفى الفقي، لكن اقتراح اسم نبيل العربي وزير خارجية مصر ليكون مرشح بلاده غيّر المعادلة، لصالح استمرار المنصب بين المصريين، واُختير العربي في يوليو (تموز) 2011.

 

الخبرة القانونية والدبلوماسية للعربي ساعدته على تولي دفة الأمانة في وقت عصيب، عقب أشهر من اندلاع ثورات الربيع العربي، وتدهور الأوضاع في سوريا وليبيا، إذ حاول الأمين العام أن يحافظ على دور في حل الأزمتين عبر التنسيق مع الأمم المتحدة، ودعا إلى تطوير ميثاق الجامعة، لكنه رفض الاستمرار أكثر من ولاية واحدة (5 سنوات) في المنصب، وطلب عدم التجديد له، ليكون أول أمين عام في تاريخ الجامعة يقوم بتلك الخطوة.

أبو الغيط... محاولة الحفاظ على ما تبقى
في يوليو (تموز) 2016 كان موعد اختيار خليفة نبيل العربي، وظهر الانقسام العربي من جديد، بعد مفاوضات شاقة حاولت خلالها مصر أن تُقنع أشقاءها بقبول مرشحها أحمد أبو الغيط آخر وزير خارجية في عهد مبارك، لتنجح في ذلك مع تحفّظ قطريّ، ومنذ توليه المنصب يحاول أبو الغيط الحفاظ على ما تبقى من دور للجامعة في منطقة عربية مأزومة، ما بين أزمات سياسية في لبنان والعراق وثورات في الجزائر والسودان، وتهديد لكيان ووحدة الدولة في سوريا وليبيا، والعمل على إيجاد الحد الأدنى من التوافق العربي حول التحديات التي تواجههم، وأهمها التدخلات الإيرانية والتركية، وإنقاذ القضية الفلسطينية، التي ضاعت حسب وصف أبو الغيط.

المزيد من العالم العربي