Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا تُحمّل موسكو الولايات المتحدة مسؤولية فيروس "كورونا"؟

نظريات المؤامرة الروسية تزعج واشنطن وتعيد ذكريات الحرب الباردة

من المؤكد أن روسيا ليست الدولة الوحيدة التي تصدّر نظريات المؤامرة حول فيروس "كورونا" (أ.ب)

مع استمرار حصد فيروس "كورونا" مئات المرضى في الصين وانتشاره حول العالم، امتدت نظريات المؤامرة من الهند إلى أستراليا بحثاً عن سبب ظهور المرض، لكن في روسيا على وجه الخصوص، استغل الأطباء والإعلام حالة الخوف والارتباك من الوباء لتحميل الولايات المتحدة المسؤولية، وهو ما أزعج واشنطن التي اعتبرت ذلك نمطاً راسخاً من حملات التضليل الروسية التي تستحضر مؤامرات الحرب الباردة لتشويه الولايات المتحدة والانتقاص من مكانتها الدولية تماماً مثلما صوّر جهاز الاستخبارات السوفياتية السابق (كيه جي بي) فيروس نقص المناعة البشرية (إتش أي في) المسبب لمرض الإيدز باعتباره سلاحاً بيولوجياً أنتجته الولايات المتحدة في ثمانينيات القرن الماضي.

ليست روسيا وحدها

ومن المؤكد أن روسيا ليست الدولة الوحيدة التي تصدّر نظريات المؤامرة حول فيروس "كورونا"، إذ أوضح رئيس منظمة الصحة العالمية تيدروس أوهانوم غيبريسوس أن منظمته لا تحارب الفيروس فحسب، إنما تحارب أيضاً الأقاويل ونظريات المؤامرة التي تقوّض من جهود منظمة الصحة العالمية لاحتواء المرض الذي يقتل المئات.

لكن المثير للدهشة والاستفهام في الولايات المتحدة أن نظريات المؤامرة في روسيا لم تكن محصورة في زوايا الإنترنت وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، بل تصدرت برامج النقاش الأكبر والأشهر على قنوات التلفزيون الرئيسة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تضليل إعلامي

في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، قال زعيم الحزب الليبرالي الديمقراطي، وهو حزب يميني متطرف لمحطة إذاعية في موسكو، إنه يعتقد أن "كورونا" سلاح بيولوجي أميركي أو مؤامرة ضخمة تقف وراءها شركات تصنيع الدواء الأميركية الكبرى بهدف جني الثروات.

وتشير إيمي ماكينون المحللة السياسية في مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، إلى أن المحاولات الروسية التي تستهدف تشويه الغرب وإضعافه على الساحة الدولية، تسبق انتشار الفيروس بزمن طويل، ذلك أن طبيعة الرسائل التي تخرج من روسيا وما تشير إليه بشأن الولايات المتحدة، هو نموذج لطريقة التضليل الإعلامي التي يتبعها الكرملين في موسكو ويعرفها رؤساء التحرير ومعدو البرامج التليفزيونية والعاملون في الإعلام الموالون للسلطات الذين يلتزمون بهذه الطريقة نظراً لإدراكهم بضروراتها السياسية.

وهكذا، أصبح الموضوع الرئيس الذي يطغى على قضايا وسائل الإعلام الروسية، بدءاً من المواقع الإخبارية الصغيرة والمهمشة على شبكة الإنترنت، وصولاً إلى أهم القنوات التلفزيونية في أوقات المشاهدة الجماهيرية، هو أن فيروس "كورونا" تم تخليقه في مختبرات بيولوجية أميركية بهدف إعاقة التنمية الاقتصادية المتسارعة في الصين.

غيتس وسوروس... ونوستراداموس

وأبدى عدد من الصحافيين والباحثين الأميركيين دهشتهم من أن بعض مقالات الصحف الروسية تعاملت مع القضية بطريقة خيالية حين ألقوا بالمسؤولية على الولايات المتحدة، إذ إن الملياردير بيل غيتس مؤسس شركة مايكروسوفت العملاقة لبرامج الكومبيوتر، أو رجل الأعمال والمستثمر جورج سوروس الذي يصورونه أنه عدو للكرملين، كان لهما دور في تفشي الفيروس.

ولعل أحد أكثر الأمور غرابة هو طرح مقدم برنامج شهير على القناة الأولى التي تمولها الحكومة الروسية، فكرة أن اسم الفيروس (كورونا)، هو إشارة مستترة لأصلها الأميركي، لأن الرئيس دونالد ترمب كان قبل سنوات يُسلم التاج (كراون بالإنكليزية) للمرشحة الفائزة خلال مسابقة اختيار ملكة جمال العالم، وأن التاج يعني (كورونا) باللغة اللاتينية. ومن المعروف أن اسم مجموعات فيروسات "كورونا" في حقيقة الأمر تشير إلى شكلها تحت المجهر.

وعلى الرغم من اتفاق وسائل الإعلام الروسية على أن مصدر الفيروس هو الولايات المتحدة، إلا أنها لم تتفق حول من تنبأ بانتشار الفيروس القاتل قبل سنوات أو قبل قرون مضت، وأكد البعض أنه عالم التنجيم الفرنسي ميشيل نوستراداموس، بينما ذهب آخرون إلى أنها العرافة البلغارية العمياء الذائعة الصيت بابا فانجا أو حتى ستيفن هوكينغ عالم الفيزياء والكون البريطاني.

فوهة مدفع

ووفقاً لمؤسسة "راند" البحثية في العاصمة واشنطن، فإن الدعاية الروسية الحديثة، أشبه بفوهة مدفع تطلق سيلاً متواصلاً من نظريات المؤامرة الواهية أحياناً، والمتناقضة أحياناً أخرى، والتي تستهدف إرهاق المشاهدين وإرباكهم، ما يجعلهم في النهاية يتشككون في الحقيقة الموضوعية ذاتها، وفي حين أن الجمهور الرئيس الذي يتعرض لهذه الحملات هو جمهور محلي في روسيا، إلا أن تقارير أخرى تحمل النظريات التآمرية تنتشر عبر وسائل الإعلام الروسية التي تقدم خدماتها بلغات مختلفة مثل (سبوتنيك) الروسية.

ولكن، وفقاً لبريت شافر من تحالف صندوق مارشال الألماني الذي يدرس أساليب التضليل الإعلامي، لم تبرز نظريات المؤامرة بشكل واضح على محطات البث الدولية الروسية الصادرة باللغة الإنجليزية مثل (آر تي) و(سبوتنيك)، وكانت هذه المحطات تدور تاريخياً حول أطراف نظرية المؤامرة من دون أن تروج لها بشكل مباشر، لأنها تريد الحفاظ على مظهرها المخادع كمحطات دولية بالقوانين.

"العملية إنفكشن"

وتعيد الجهود الروسية في إلقاء اللوم على الولايات المتحدة، ذكريات الحرب الباردة، إذ كان الاتحاد السوفياتي يطلق حملات تضليل معلوماتية مدمرة، فمع بدء زيادة أعداد المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية (إتش آي في)، بدأ جهاز الاستخبارات الروسي (كيه جي بي) بشنّ حملة اتخذت اسماً كودياً هو (العملية إنفكشن) التي تزعم أن الفيروس هو سلاح بيولوجي أميركي بغية الإضرار بمكانة ووضع الولايات المتحدة حول العالم وفي المحافل الدولية.

وبحسب قول ضابط كبير في الاستخبارات السوفياتية، فإن الهدف من هذه الإجراءات، هو خلق بيئة وآراء مؤاتيين للاتحاد السوفياتي عبر الترويج بأن الفيروس هو نتاج لاختبارات سرية لسلاح بيولوجي جديد يُعده جهاز الخدمة السرية الأميركي بالاشتراك مع وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، لكن الفيروس خرج عن السيطرة وانطلق خارج المختبرات المعملية.

كيف تختلق قصة؟

في عام 1983 نشرت صحيفة "باتريوت" الهندية الموالية للسوفيات بأوامر من (كيه جي بي) رسالة من مجهول ادعى أنه عالم أميركي يقول إن الفيروس تم تخليقه في معامل بيولوجية في الولايات المتحدة. وفي حين لم تجذب الصحيفة الهندية انتباه وسائل الإعلام حول العالم، إلا أن مقالاً ضخماً نشرته صحيفة ثقافية سوفياتية، استند إلى ما ذكرته صحيفة "باتريوت" الهندية، وأضاف المقال ورقة علمية من عالم في ألمانيا الشرقية التي كانت خاضعة للنفوذ السوفياتي، تُثبت أن فيروس (إتش آي في) كان سلاحاً بيولوجياً أميركياً.

 ومن هنا، انتشرت القصة المختلقة في 80 دولة حول العالم، بعضها صحف مرموقة في بريطانيا زعمت أن الفيروس سلاح عرقي يؤثر في مجموعات عرقية محددة.

ويقول شافر إن حملات التضليل الروسية تتبع نموذجاً مماثلاً للنموذج السوفياتي مع اختلاف بسيط، هو أن الحملات الحالية انتشرت بفضل الإنترنت خلال أسابيع، بينما استغرق الأمر سنوات عدة خلال ثمانينيات القرن الماضي. ويشير تحليل الحملات الجارية الآن، إلى أن زراعة هذه الأنباء تبدأ في مواقع إخبارية غامضة، ثم تلتقطها وسائل إعلام كبيرة تعيد صياغتها حتى تفقد المصدر الأصلي للقصة.

قليل من الحقيقة

ويشير خبراء إعلاميون، إلى أن حملات المعلومات المضللة التي تقوم بها روسيا، تعتمد على نواة من الحقيقة قبل أن يتم تضخيمها وتشويهها حتى لا يتم التعرف عليها، وقد استغل الروس والسوفيات في السابق، تجارب أميركية حقيقية من استخدام الأسلحة البيولوجية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حيث رش باحثون مدناً مشتبهاً فيها بالمواد الكيميائية، كما أطلق باحثون آخرون البكتيريا في مترو أنفاق مدينة نيويورك، وتم استخدام البعوض في الأبحاث عن قصد كوسيلة لنشر المرض.

وبينما لم تعرقل المعلومات المضللة كيفية تعاطي روسيا مع الحالات المصابة بالفيروس لديها، فإن الخطر الدائم يتمثل في إمكان تآكل الثقة في الحقيقة نفسها.

المزيد من تحلیل