Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الثمن

كل شيء له ثمن وكل شيء قابل للبيع

عرضت مسرحية الثمن لآرثر ميلر في الكويت (رويترز)

كان هذا عنوان مسرحية للمؤلف المسرحي الأميركي آرثر ميلر (1915-2005)، وقد عمل على تكويت نصها وخَلْجنته المترجم المسرحي الكويتي الكبير عبد العزيز السريّع، وعُرضت على مسرح مركز جابر الأحمد الثقافي في الكويت شهري يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط)، أبطالها أربعة، بينهم الفنان السعودي عبدالله السدحان وناصر كرماني بدور "منصور"، وتدور أحداثها بمشهد واحد لأخوين يرغبان في بيع أثاث بيت والدهما الراحل على تاجر "الخردة" وصرف العملات- هكذا عرف نفسه- "أبو سليمان" الذي لعبه السدحان. يذكر أن "أبو سليمان" هو الثعلب في القصص الشعبي على لسان الحيوان، وتبدو التسمية هنا مترابطة مع ما عُرف عن الثعلب من مكر وخداع.

يختلف الأخوان حول الثمن المطلوب لمقتنيات الذكريات التي تركها والدهما وراءه في رحلته السرمدية بعد وفاته، شخصيتان مختلفتان: أخ عسكري بسيط وقنوع يعيش على مرتّبه من قوات الشرطة، وخالد- التاجر الحذق المتفذلك "الفهلوي" الذي يريد ثمناً أعلى للأثاث، تسانده في طموحه المالي، زوجة أخيه الطماعة.

مسرحية "الثمن" جميلة برمزيتها، وعميقة ببساطة مشاهدها، وفرضت عليّ كمشاهد الغوص بالأثمان بأبعاد لغوية خارج خشبة المسرح.

لكل شيء ثمن، في كتابه "اعترافات أكاديمي متقاعد"، يذكر الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبدالله أنه التقى سياسياً كويتياً مهمّاً قال له "لكل سياسي في الساحة الكويتية ثمن"!

تذكرتُ شطر بيت لقصيدة للشاعر العراقي مظفر النواب، يهجو فيها من باعوا فلسطين:

"لقد قبضوا كلهم".

والعروس الجميلة التي تتعدد خصالها تكون غالية المهر- وهو الثمن الذي يدفعه العريس ليشاركها في رحلة الحياة، وغالي الأثمان من قصائد الأمير خالد الفيصل الغزلية التي لحنها وغناها محمد عبده:

يا غالي الأثمان، غلّوك بالحيل *** من يوم سمّوا بك جميل المُحيّا

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

للأشياء ثمن، وللمواقف والآراء أثمان وأثمان. أظهرت لنا أزمة قطر الخليجية أن بيننا مثقفون وكتاب وإعلاميون يبيعون مواقفهم وآراءهم لمن يدفع ثمناً لها. لنعترف: كنّا نعتقد بأن ذلك ديدن غيرنا من غير الخليجيين ممّن يسترزقون من ورائنا، يسيل لعابهم للمقسوم، فيكونون "أقلاماً للإيجار"، بل وأفواهاً ومغرّدين وناشطين جاهزين للعرض لمن يدفع أكثر، ثم جاءت أزمة قطر الأخيرة لتكشف لنا أن "العلّة باطنية" وأن "سروها في علباها"، وأن خيرنا فينا من الاسترزاق والتكسب.

والثمن يختلف معنى ولفظاً عن السعر، فالتسعيرة ليست كالتثمين، فالتثمين غالباً للقديم، والتسعير للجديد، وكانت المسرحية تدور حول تثمين قديم مقتنيات الأب المتوفي.

تطلب من البائع أن يخفّض السعر، فالثمين لا يتراجع سعره، فالثمين له سعر، ولكن ليس للسعر ثمن.

ونقول بالأمثال: "فلان ما له ثمن"، كناية عن أنه لا يقدَّر بثمن، كالصديق الصدوق النادر هذه الأيام، والشهم الكريم صاحب الخصال الحميدة الذي تشتري صداقته ومودته. ذاك الصديق الذي يقول لك حين يشعر بأنك في ضيقة وضنك: "بيعني بالسوق"، كناية عن أنه مستعد لأن يُباع بالأسواق كبضاعة لسد حاجتك وتفريج كربتك، يكون الرد: "نشتريك غالي"، أي أننا نشتري مودتك وصداقتك ولا نفرّط بك مهما كان الثمن.

تنتهي مسرحية "الثمن" ببيع تلك الذكريات لـ"أبي سليمان" بثمن بخس للمقتنيات والذكريات وأصداء وبقايا ممتلكات. كل شيء له ثمن، كل شيء قابل للبيع.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء