Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الصحافة في عهد تبون... بين الحرية والتفلت من النظام السابق

القوانين والتشريعات المرتقبة لضبط الإعلام على إيقاع السلطة لا أكثر

طرح اهتمام الرئيس الجزائري بالإعلام تساؤلات واستفهامات عدّة (غيتي)

منح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون اهتماماً كبيراً للصحافة منذ إعلان ترشحه للانتخابات التي فاز بها في 12 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، واستمر الحال بعد جلوسه على كرسي الرئاسة، ما جعل المهنيين من القطاع يتطلعون إلى مستقبل واعد لحرية التعبير والصحافة بعد إقفال وإهانة متعددة الأسباب.

حيز واسع للصحافة

أخذت الصحافة حيزاً واسعاً في برنامج الرئيس تبون، وما جاء في مخطط عمل الحكومة المزمع عرضه غداً الثلاثاء (11 فبراير/ شباط) على البرلمان، دليل على عزم السلطات ترقية مجال الإعلام الذي يعتبر من الورش السبع الخاصة بتعديل الدستور التي دعا إليها الرئيس، الذي أمر الحكومة بالشروع في إصلاحات واسعة حول مجال حرية التعبير والصحافة والاتصال بشكل أمثل، بعيداً من مختلف أشكال المساس بهذه الحريات في ظل اتساع نطاق شبكات التواصل الاجتماعي.

كما دعا تبون إلى تحديد أطر قانونية للإعلانات، وسبر الآراء والصحافة الرقمية، وتشجيع تطوير الصحافة، ومساعدة الفاعلين في قطاع الإعلام والاتصال على تنظيم نشاطهم ضمن جمعيات للدفاع عن مصالحهم ونقابات مهنية، مع إخضاع الممارسة الحرة للنشاط الإعلامي لأخلاقيات المهنة، ومراجعة القانون المتعلق بالإعلام والسمعي والبصري، من خلال ضبط أكثر لنشاط القنوات التلفزيونية التي تبث برامجها من الخارج على الامتثال للقانون الجزائري، وتشجيع إنشاء قنوات إذاعية.

إشارات إيجابية من الرئيس تبون

طرح اهتمام الرئيس الجزائري بالإعلام تساؤلات واستفهامات عدّة، غير أن رجال الإعلام والصحافيين يجمعون على أن قطاعهم يعاني على جميع الجبهات والمستويات المهنية والاجتماعية والمادية والحقوقية.

يقول الإعلامي محمد لهوازي في حديث لـ"اندبندنت عربية"، إن الكل متفق على أن قطاع الإعلام في الجزائر يعيش حالة فوضى كبيرة منذ سنوات لاعتبارات أبرزها ممارسات النظام السابق الذي أحكم قبضته على وسائل الإعلام لتسويق صورته وتبييضها وتبرير سياساته، إلى غاية انفجار الوضع عبر الحراك الشعبي الذي جرف معه كل شيء.

كسب ود السلطة الرابعة

ويرى لهوازي، أنه قبل وصول الرئيس تبون إلى الحكم أمعن في التأكيد على أنه سيعمل على مزيد من تحرير قطاع الصحافة ومنح الصحافيين هامش حرية أكبر مما هو عليه، وأنه لا سقف لحرية التعبير إلا ما يتعلق بالثوابت الوطنية، لكن هذا الكلام النظري لم يتجسد ميدانياً بالشكل المأمول من طرف مهنيي القطاع، مضيفاً أن الرئيس حاول إرسال إشارات حسن نية بتعيين وزير مستشار لدى الرئاسة مكلف بالاتصال ناطق باسم الرئاسة وتنظيم لقاء مع وسائل إعلام محلية في مسعى لكسب ود السلطة الرابعة.

وبالنسبة إلى مستقبل الصحافة، يشير الإعلامي إلى أن الواقع يوحي بأن مآسي قطاع الإعلام ستستمر بالنظر إلى غياب إرادة سياسية حقيقية لتنظيفه من الشوائب التي علقت به طيلة العقدين الماضيين، خاتماً أنه لن يكفي مجرد الحديث عن الارتقاء بالصحافة إلى مصاف الدول الديمقراطية، بل سيعيد برنامج الحكومة تكرار التجارب الماضية، ولن يكون دور القوانين والتشريعات الحالية سوى ضبط الصحافيين على إيقاع السلطة لا أكثر.

تضييق المدراء... وحقوق مهضومة

تطرق مخطط الحكومة إلى نقطة التجاوزات وغيرها من مظاهر الانتهاك والمساس بالأشخاص والشخصيات المعنوية، لا سيما سهولة التشهير وبث أخبار كاذبة على نطاق واسع، ما حتم تحديد قواعد واضحة وفعالة تؤطر بقوة القانون الواجب الأخلاقي الذي يملي تقديم معلومات يمكن التحقق من صحتها ومصدرها وموثوقيتها وصدقيتها، غير أن غياب تعامل مهني للمكلفين بالإعلام والصحافة مع الصحافيين يجعل الحصول على المعلومة صعباً لتستمر مظاهر الأخبار الكاذبة والمغلوطة والمجهولة، ويتساءل البعض حول قدرة إصلاحات تبون من إيصال الصحافة إلى مصاف الديمقراطيات الكبرى في وقت يمارس مدراء المؤسسات الإعلامية التضييق على الصحافيين معنوياً ومادياً؟.

مهمة صعبة وليست مستحيلة

تعتبر الصحافية فاطمة الزهراء نازف في حديث لـ"اندبندنت عربية"، أن تحرير الصحافة من القيود أمر صعب في الجزائر لعوامل عدة، وترى أنه "قبل الوصول لتحرير صاحب القلم، يجب تحرير حقوقه وواجباته، إذ يجب أولاً البدء بالأساس وهو التقنين والعمل على الاستقلالية المالية للمؤسسات الإعلامية، مضيفة أنه يمكن الحديث عن حرية الصحافة بعد العمل على هيكلة المؤسسة بشكل صحيح.

 وتوضح أن المهمة ليست مستحيلة وتتطلب العمل والجهد من كل الأطراف المعنية سواء من ناحية القانون، أو الجانب المادي وأخلاقيات المهنة للصحافيين.

وتتابع نازف أن "الإجراءات الحالية للحكومة لم تطبق بعد، ويجب أن تكون ملموسة لنغربلها جيداً"، مشيرة إلى أنه "كنا نحبذ لو أن الرئيس اجتمع بالصحافيين العاملين بالمؤسسات بدل رؤساء المؤسسات الإعلامية، فهم الطبقة التي كانت تحتاج توضيحات قانونية لحقوقها وواجباتها".

وعود تنتظر التجسيد

على الرغم من تعهدات الرئيس بدعم حرية الصحافة، وتجديده مراراً وعوده، غير أن الأوضاع لم تشهد أي تحسن، وما زال الصحافيون يتعرضون للاعتقال والملاحقة، ويستمر حجب بعض المواقع الإخبارية، وأكد ائتلاف الصحافيين الجزائريين أن الإعلام الجزائري يعيش تدهوراً كارثياً إلى حد لا يوصف منذ العام الماضي، معتبراً أنه من المفترض بعد حراك شعبي شارك فيه الملايين من الجزائريين أن نعرف حرية تعبير منقطعة النظير لطمس معالم الممارسات القديمة للسلطة السياسية ورضوخاً لرسالة الشعب الجزائري الذي خرج في 22 فبراير يطالب بجزائر الديمقراطية والشفافية، لكن مع الأسف الواقع مناف تماماً لهذا.

في سياق متصل، يشير المحلل السياسي مومن عوير في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، إلى أن ما تم عرضه في مخطط الحكومة بضرورة الاهتمام بالصحافة وترقيتها، إضافة إلى ما صرح به الرئيس تبون عن الرغبة في تحرير الصحافة من كل القيود والعراقيل، هي خطوات إيجابية لما للصحافة من دور كبير ومسؤولية، لكن تبقى مجرد وعود وأهداف، لأنه "ألفنا سماعها خلال حكم بوتفليقة".

وقال إنه "ننتظر التجسيد على أرض الواقع، وبعد ذلك نكون خطونا خطوة للاقتراب على الأقل من إعلام الدول المتقدمة".