Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إجماع اللبنانيين على رفض "خطة السلام" يجنبهم تداعياتها

"حزب الله" منشغل عنها على الرغم من دعوته للمقاومة... وتشاؤم من قدرة المنظومة العربية على مواجهتها

يرصد لبنان إن على المستوى الرسمي أو على المستوى السياسي، انعكاسات التطورات الأخيرة في شأن القضية الفلسطينية على الوضع الإقليمي والعلاقات العربية، من أجل تحديد تداعياتها عليه، في ظل الأزمة السياسية والاقتصادية الخانقة التي يعيشها، في وقت يحتاج إلى الدعم الخارجي من أجل تفادي الانهيار المالي.

ويقول مصدر وزاري، إن "الانطلاق من وحدة الموقف السياسي اللبناني إزاء صفقة القرن التي أعلنت في واشنطن من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بالاستناد إلى الإجماع على رفض ما تضمنته وشبه التوافق الداخلي على اعتماد المبادرة العربية للسلام، يشكل أرضية مقبولة لتحصين الموقف الداخلي حيال ارتدادات أي خلافات عربية يمكن أن تظهر في التعاطي مع العروض التي قدمتها واشنطن للفلسطينيين وسائر الدول المعنية بالقضية الفلسطينية.

موقف لبناني موحد

فما يعني لبنان من خطة ترمب التي هندسها صهره جاريد كوشنر المقرب من نتنياهو، والذي يتحدر من عائلة يهودية تقدم المساعدات المالية لبناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية، هو تغييبها للقرارات الدولية المعنية بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين وتوطينهم في بلد اللجوء، في مقابل إغراءات مالية أو في دولة ثالثة. إلا أن وحدة الموقف اللبناني على رفض توطين اللاجئين الفلسطينيين بشدة، وعلى إدارة الظهر لأي إغراءات مالية من أجل القبول بها، يجنب لبنان سلبيات هذه الخطة. كما أن القرار الصادر بعد ظهر السبت 1 فبراير (شباط)، عن الاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب في القاهرة، برفض الخطة والتحضير لتحرك إقليمي ودولي في مواجهتها، يحصن لبنان من أي تداعيات خلافية بين الدول العربية حول الموقف حيالها. فالتباين بين الفرقاء اللبنانيين حول ما بعد رفض الخطة يقتصر على دعوة أكثرية الفرقاء إلى التمسك بمبادرة السلام العربية، التي تقوم على التفاوض وفق القرارات الدولية بالارتكاز على مبدأ الأرض مقابل السلام، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية في الحكومة الجديدة ناصيف حتي في القاهرة، وبين اعتبار "حزب الله" أن "خيار المقاومة هو الخيار الوحيد لتحرير الأرض واستعادة المقدسات وأن كل الخيارات التفاوضية لا تعيد أرضاً ولا تحرر معتقلاً"، إضافة إلى اتهامه بعض الأنظمة العربية بالتواطؤ مع واشنطن. إلا أن هذا التباين في الموقف اللبناني الداخلي لن ينعكس على العلاقات بين الفرقاء اللبنانيين لأن خيار المقاومة متروك للشعب الفلسطيني، لا سيما أن هناك محادثات قريبة ستجرى بين رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وقيادة حركة "حماس" في غزة، بعد الاتصال بين أبو مازن وبين رئيس المكتب السياسي في الحركة إسماعيل هنية، من أجل إنهاء حالة الانقسام الداخلي في مواجهة خطة ترمب، وتحديد سبل إفشالها. ووحدة الموقف الفلسطيني هي المدماك الأول في أي مواجهة ما ترتبه "خطة السلام".

انشغالات "حزب الله"

وفي تقدير أحد النواب اللبنانيين، المناهضين لسياسة "حزب الله" الإقليمية وارتباطه بإيران، أنه مع الخلاف معه على توجهاته فإن "الحزب يدرك أن ما يقرره الفلسطينيون هو الأساس ولا يستطيع أن ينوب عنهم. أما اتهامات الحزب لدول عربية فليس أمراً جديداً وهو أصلاً موضوع خلاف معه من زاوية انحيازه إلى المحور الإيراني". ويرى أن "الحزب منغمس في مواجهة الضغوط الأميركية والغربية عليه عبر العقوبات في لبنان، وعلى إيران، أكثر من اهتمامه بالقضية الفلسطينية، لا سيما بعد الضربة التي وجهتها الولايات المتحدة للمشروع الإيراني التوسعي، باغتيال قاسم سليماني، على الرغم من خطابه الإيديولوجي بدعم المقاومة الفلسطينية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كما أن الحزب، المنخرط بتفاصيل الوضع السوري الحرج يصرف قسطاً من اهتماماته هناك. وهو منشغل أيضاً بالوضع اللبناني الداخلي المرشح لتفاقم أوضاعه الاقتصادية والمالية، في ظل حكومة جهد من أجل إيجاد قواسم مشتركة بين حلفائه كي ترى النور وتنجح في تخفيف أضراره، بالتالي موقفه الفلسطيني هو موقف تقليدي وخطابي يصعب أن يرتب أي عبء جديد على لبنان. وإذا كانت التهمة للحزب أنه وإيران يستغل القضية الفلسطينية من أجل تنفيذ سياسات ومصالح إيرانية، فإن تطورات الأشهر الأخيرة أثبتت أنه لم يعد يحتاج لتبريرات من أجل الانسجام التام مع طهران من دون استخدام غطاء المقاومة ضد إسرائيل تحت شعار "تحرير فلسطين والقدس".

وفي المقابل، هناك من يرى من الفرقاء اللبنانيين أن الخطوة الأميركية الأخيرة تقدم هدية جديدة لإيران، من أجل الاستمرار في حمل لافتة الدفاع عن حقوق فلسطين وتبرير دعمها لتنظيمات المقاومة ضد الاحتلال، من أجل أن تسوغ لنفسها تسليح حلفاء لها في لبنان وفلسطين واليمن والعراق، كي تستحوذ على النفوذ فيها.

عوائق وحدة الموقف العربي

وتوقف النائب نفسه عند موقف الوزير حتي في القاهرة ودعوته إلى "تحصين البيت العربي لدعم الجانب الفلسطيني". فالرفض العربي لخطة ترمب صحيح أنه جاء إجماعياً بعد أن كانت ردود فعل بعض الدول مختلفة في اليومين الماضيين، إذ راعى بعضها الجانب الأميركي، ثم عاد وانسجم مع لهجة أصحاب القضية، من أجل التوجه بموقف عربي موحد إلى المجتمع الدولي، لكن العلاقات العربية في أسوأ أحوالها هذه الأيام. ومع قول الرئيس السابق للجمهورية أمين الجميل في تعليقه على اتفاق ترمب – نتنياهو، إنه "ليس هناك أي دولة عربية مستعدة لتجاوز الإرادة الفلسطينية"، فإن النائب اللبناني الذي يتابع الوضع الإقليمي عن قرب أوضح لـ"اندبندنت عربية"، أن توفير الدول العربية قوة ضغط إقليمي دولي على الإدارة الأميركية لتعديل انحيازها الأعمى إلى إسرائيل، متعذر نتيجة تباعد المصالح والاهتمامات بينها، بسبب الصراعات والحروب التي تنغمس كل منها فيها.

ويقول سياسي مخضرم في وصف الواقع الإقليمي والعربي لـ"اندبندنت عربية"، إن "ما آل إليه يجعل من الصعب الاعتقاد بإمكان تضافر الجهود العربية الإقليمية لإفشال الهدايا التي قدمها ترمب لإسرائيل في صفقة القرن، التي يعتقد بعض الإعلام الإسرائيلي نفسه، أنها صيغت بطريقة تحتم رفضها من الجانب الفلسطيني لتشريعها المستوطنات وتقزيمها الدولة الفلسطينية الموعودة، وتجريدها الفلسطينيين من أي شبر من القدس".  ومع أن سلطنة عمان تابعت جهودها مع طهران من أجل السعي إلى حل سياسي بينها وبين الرياض، وحصلت إشارات إيجابية في هذا الصدد من طريق تبادل للأسرى بين الجانبين، فإن الهجمات الأخيرة التي شنها الحوثيون في الأيام الماضية على الأراضي السعودية لا تدل إلى نجاح جهود التفاوض. ولا يستبعد السياسي إياه أن يكون الجانب الأميركي وراء إعادة تأزيم الأمور في اليمن لإبقاء الجانب العربي منشغلاً بالحرب هناك. ويذهب السياسي نفسه إلى حد القول إن "الجهود العمانية من أجل التوافق بين إيران والسعودية على أمن الملاحة البحرية في مياه الخليج، قد لا تعجب واشنطن كي لا يشعر الجانب العربي بالأمان في هذه المرحلة، وتفضل أن يبقى بحاجة إلى الوجود الأميركي".

التناقض العربي - التركي

وفي وقت أخذ بعض الدول العربية والخليجية يتلمس إمكان التطبيع مع نظام بشار الأسد في سوريا، فإن هذه الدول اكتشفت أن الأخير يمتنع عن القيام بأبسط الخطوات من أجل خفض مستوى القمع الذي يعامل به شعبه، ويواصل سياسة الإخضاع والتهجير والحلول العسكرية، في ظل استمرار التنافس الروسي - الإيراني على سوريا.

ويعتقد السياسي اللبناني إياه أن "المنظومة الإسلامية التي يمكن للدول العربية أن تستند إليها على الصعيد الدولي تعاني هي الأخرى من التناقض المصري - السعودي - التركي بسبب الانزعاج من توسيع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان دوره وصولاً إلى ليبيا، الأمر الذي زاد الشرخ بين الرياض وأنقرة، إضافة إلى الخلاف الكبير بين الأخيرة ومصر".

وينتهي إلى القول إن "عناصر المشهد الإقليمي تجعل من الصعب تشكيل قوة ضغط على الصعيد الدولي لفرملة الاندفاعة الإسرائيلية المستفيدة من حاجة ترمب لدعم اليمين الإسرائيلي له في الانتخابات الرئاسية المقبلة. وهو المشهد نفسه الذي يجعل من سعي لبنان للإفادة من الدعم العربي لمعالجة أزمته الاقتصادية صعباً، في ظل التخبط الذي يتحكم بالمنظومة العربية، وبقاء لبنان ساحة للصراع الأميركي - الإيراني".

المزيد من تحلیل