"برودون" كما رسمه غوستاف كوربيه

صاحب "فلسفة البؤس" في ثنايا الفن التشكيلي ومعانيه

برودون كما رسمه كوربيه في "جلسة" منزلية

من يتأمل صورة اللوحة المرفقة مع هذا النصّ هنا سيخيّل إليه أن السيّد الجالس بدعة وتأمل وثقة بالنفس فيها، واحد من كبار بورجوازيي القرن التاسع عشر، ورب عائلة مزدهرة يسرح أطفالها في الحديقة الثرة على مزاجهم ولا يعرف القلق طريقا إليهم أو إلى ذك السيّد. ومع ذلك حسب المرء أن يعلم أن هذا الأخير ليس في حقيقة أمره سوى بيار جوزف برودون، أحد مؤسسي الفوضوية السياسية ودعاة العنف في تاريخ الفكر الإشتراكي، حتى تصيبه الدهشة. ولسوف تزداد دهشة المرء حين يتذكر أن برودون هذا نفسه هو مؤلف كتاب "فلسفة البؤس" الذي ردّ عليه كارل ماركس – مؤسس المادية التاريخية وصاحب كتاب "رأس المال" - بكتاب هو الأعنف والأكثر سخرية من بين مؤلفاته كافة، عنوانه "بؤس الفلسفة". ومصدر الدهشة طبعا هو أفكار برودون ودعوته الثورية العنيفة التي قد تقترح علينا اللوحة أنها – أي الدعوة - كانت مطالبة بالتوقف عند باب بيته. فالثورة الفوضوية العنيفة شيء والحياة المرفهة داخل البيت البورجوازي شيء آخر تماما.

الفوضوي منظّرا للفنون

مهما يكن من أمر لا بد من التوضيح هنا أن اللوحة نفسها تتعلق بجانب غير معروف تماما من جوانب حياة برودون ونشاطه، بقدر ما تتعلق بالصداقة التي كانت قائمة بين برودون والرسام الفرنسي غوستاف كوربيه، راسم اللوحة. فحتى وإن كان كوربيه قد أعلن غير مرة في حياته أنه جمهوريّ النزعة وديمقراطيّ في اختياراته الفكرية والسياسية، فإنه كان يحمل لصديقه برودون قدرا كبيرا من الاحترام حتى ولو كانت سلميّته تتناقض مع عنفية هذا الأخير. على أي حال نعرف أن كوربيه بعد عقد ونيّف من رسمه هذه اللوحة، انضم إلى كومونة باريس حين ادلعت لكنه وبعد أن تسلم مهام فنية وإنسانية فيها، عاد وتركها معلنا أن عنفها هي الأخرى لا يتطابق مع شخصيته الهادئة. فهل لنا أن نستنتج مواربة من هذا الأمر بأن كوربيه إنما شاء أن يرسم عبر تلك اللوحة التي باتت واسعة الشهرة من بين أعماله، تطلعاته هو، البورجوازية والعائلية، من خلال تعامل الحدّ الأقصى عبر إضفاء تلك الصفات على أكثر المفكرين بعدا عن تلك التطلعات؟ إلى حد ما أجل. غير أن علينا أن نحاكم الأمر من وجهة نظر أخرى ونتذكر أن معظم الثوار وبخاصة أولئك الذين الذين دعوا إلى العنف من بينهم، كانوا من المثقفين البورجوازيين بشكل أو بآخر: فالفقراء وغير المتعلمين منهم، لم يكونوا يملكون الترف الكافي والوقت الملائم للتفكير في مثل تلك المصائر. ويقينا أن برودون لم يكن ليشذّ عن تلك القاعدة. ولعل هذا ما أرادت هذه اللوحة أن تقوله لنا هنا.

والحال أن الحديث عن هذه اللوحة التي رسمها كوربيه في العام 1953 وموجودة معلقة الآن في متحف "القصر الصغير الباريسي" حيث تلفت النظر بحجمها الكبير (بارتفاع 147 سم وعرض 198 سم)، ما يجعلها في الحقيقة أكبر حجما من أن تكون هدية فنية رسمها صديق لصديقه!، هذا هذا الحديث يقودنا ناحية أخرى ربما تكون مجهولة إلى حد ما بالنسبة إلى سيرة برودون نفسه. فالواقع أن ذلك "الثوري الكبير" الذي عاش كما تقول لنا سيرته أزمانا مضطربة وداهمته على الدوام أفكار قلقة ومقلقة، وجد نفسه ذات يوم عاكفا على وضع كتاب هو الأكثر هدوءا وتحليلا من بين مؤلفاته جميعا. واللافت أنه لم ينشر هذا الكتاب في حياته بل كتبه ووضعه جانبا لينشر بعد حين من رحيله في العام 1865. وهو في هذا الكتاب وعنوانه "عن مبدأ الفن ودلالته الإجتماعية" يقدم نظرة تحليلية لعلاقة الفن بالمجتمع بدت بالغة الأهمية في حينه وكان يمكن لها أن تثير قدرا كبيرا من السجال لو أن الكتاب نُشر في حياة صاحبه. لكن الأفكار التي أوردها برودون في كتابه كانت على أي حال رائجة في فرنسا في ذلك الحين حيث كانت الفنون بشكل عام - والتشكيلية بشكل خاص - تعيش حالة ثورية إبداعية حقيقية خارجة إلى الهواء الطلق جاعلة الإنسان موضوعها، وهما الأمران اللذان راح برودون يشدد عليهما باعتبارهما الوظيفة الأساسية للوحة و"قد حان أوان خروجها من صالونات البورجوازيين والأعيان حيث تختفي عن نور الطبيعة والشمس وعن عيون الناس المعنيين بها". وبالنسبة إلى برودون، المعادي تماما في ذلك الحين لنزعة النيوكلاسيكية التي "تتكالب على استنساخ المواضيع الأسطورية وبورتريهات من تعتبرهم أبطال التاريخ"، فإن رسم الأساطير الإغريقية وكذلك رسم لوحات لا تنتهي لبونابارت وأضرابه، ليست سوى هروب من ناحية ونفاق من ناحية أخرى. فما هو الفن الذي كان المنظّر الفوضوي يتطلع إليه؟ ببساطة كان فنا ملتصقا بالناس العاديين وبهمومهم. ومن هنا نراه يركز على بعض لوحات صديقه كوربيه التي تصوّر تلك الحياة "الغنية والواعدة" في بؤسها. ويخص برودون بالذكر هنا، على سبيل المثال، لوحة "قاطعي الحجارة" لكوربيه وشخصياتها المكبلة ببؤسها وعملها الشاق، معتبرا إياها علامة على فن جديد.

المثال الأعلى المصريّ!

والطريف أن برودون يجد في الفن المصري الفرعوني القديم مجالا ليقول كم أن الفن "الإنساني الحقيقي" كان يتمحور لدى الفراعنة من حول الإنسان وبالتحديد "من حول الوجه البشري سابرا أحواله وردود فعله" وهنا تلوح له المقارنة ممكنة بل ضرورية مع الفن اليوناني القديم الذي قد تكون فنيّته لا غبار عليها ومقاييس الشخوص متميّزة فيه لكنها إلى ذلك تبدو مفتقرة إلى الروح وإلى ما يجعلها تهم إنسان عصورنا الحديثة حقا. ومن هنا ينعي برودون على فناني زمنه كونهم يستبعدون المواضيع الإنسانية ليغرقوا في ما اعتبره "تصوير الجماليات في إطلاقيتها". أما كوربيه فهو بالنسبة اليه على العكس من ذلك "فنان عرف كيف يلتقط الروح الإنسانية في شخوص يبدو واضحا أنها طالعة من الحياة مباشرة".

والحقيقة أننا لا ندري ما إذا كان برودون قد كتب هذا التحليل لكوربيه وعمله قبل رسم هذا الأخير تلك اللوحة التي كان من شأنه لو تماشى حقا مع أفكاره أن يعتبرها عملا "بورجوازيا خالصا" أم أن كوربيه كافأه بتلك اللوحة على ذلك الموقف "النقدي" المعتبر فنه فوق فنون الآخرين. ولكن مهما كان الأمر هنا، لا بد لنا أن نلاحظ أن الكثير من اللوحات التي رسمها كوربيه في السنوات الأخيرة من حياته وحتى بعد رحيل برودون بسنوات طويلة (كوربيه رحل عن عالمنا في العام 1877 في وقت كان فيه الإنطباعيون بنزعتهم المازجة بين النزعتين الطبيعية والإنسانية يعيشون بداية إزدهار ما كان من شأنه إلا أن يرضي برودون لو كان لا يزال على قيد الحياة في ذلك الحين)، الكثير من لوحات كوربيه كانت تتطابق إلى حدّ كبير مع ما كان صاحب "فلسفة البؤس" يطالب الفنانين برسمه، ولكن ليس طبعا مع تلك اللوحة التي نحن في صددها هنا والتي تعطينا عن برودون صورة مغايرة تماما للصورة المعهودة عنه، بل حتى فنا يختلف عما كان يطلبه في الفن!

بقي أن نذكر أن برودون المولود في العام 1809 في بيزانسون الفرنسية، كان يكبر كوربيه (المولود عام 1839 في باريس) بثلاثين سنة، لكن ذلك لم يحل دون قيام صداقة وثيقة بينهما تأثّر كوربيه خلالها بأفكار برودون ما سيقوده لاحقا إلى الكومونة والمنفى. أما برودون فإنه عاش حياة صاخبة متقلبة عرف خلالها المنافي والسجون وشتى ضروب القمع ولا سيما أيام لويس نابوليون. وهو شارك في تأسيس أمميات وجمعيات ثورية في  فرنسا وسويسرا وغيرهما....

المزيد من ثقافة