"بِس"... الفرعون "القزم" يكشف سر خفة ظل المصريين

تمثاله الأشهر في "حتحور"... وارتبط قديما بالضحك والرقص والفحولة... وهذه علاقته بـ"الهالوين"

لا تفارق الفكاهة المواطن المصري في إيقاع حياته اليومية، إذ لا يتوقف عن إطلاق النكات في السراء والضراء، وأحيانا يسخر من نفسه شخصياً، وربما للحكاية أصل وجذور تعود إلى آلاف السنين، ويفسرها الإله "بِس" معبود الفكاهة والمرح والموسيقى والرقص والثمالة في زمن الفراعنة، والذي يقع التمثال الأكبر له في معبد حتحور بقرية دندرة في محافظة قنا بصعيد مصر.

ويحظى التمثال بشهرة كبيرة في أوساط السائحين الأجانب الذين يأتون إلى هذا المعبد خصيصاً لنيل بركات الفكاهة من هذا المعبود الفرعوني القديم، لذا زارت "اندبندنت عربية" المعبد للتعرف أكثر إلى الإله "بس" وعلاقته بروح الفكاهة في مصر القديمة.

 

القزم المضحك طارد الأرواح الشريرة

يقول عبد الحكيم الصغير، مدير معبد حتحور، إن "شكل الإله بِس عبارة عن قزم صغير بأثداء مترهلة وبطن ممتلئ، منتفخ الوجنتين وله لحية تشبه المروحة، ما يثير الضحك لدى كل من يرى هيئته المتناقضة، ولم يُعبد إلا في عهد الدولة الفرعونية الحديثة بمدينة (طيبة) عقب الفتوحات المصرية لوسط أفريقيا والنوبة، إذ كان يكثر الأقزام في هذه المناطق، وما زالت قبائل أفريقية حتى الآن ترتدي أقنعة تشبه وجه هذا الإله، في طقوس الحفلات على إيقاع الطبول الصاخبة. وكان الملك بيبي الثاني، من الأسرة الفرعونية السادسة أول من أحضر الأقزام من وسط أفريقيا ليستخدموا في الرقص لإضحاك الحاشية في الاحتفالات الملكية".

هل استُلهِمت الفكرة من عالم الجن؟

يضيف "بعض الباحثين في علوم الآثار والتاريخ الفرعوني يرى أن المصري القديم استلهم فكرة الإله (بس) من عالم الجن، نظراً إلى هيئته المعقدة التي تجمع بين وجه الإنسان وجسم القرد، ليظهر في صورة (إله الجن الطيب)، لكن هذا الرأي يفتقد أي أدلة قطعية الثبوت والدلالة، بينما الرأي الراجح بين أغلب علماء الآثار أن معبود الفكاهة والمرح والموسيقى والرقص، مصري خالص استلهم المصري القديم فكرته، خلال توسع الدولة الفرعونية في أفريقيا".

من جانبه، يرى الخبير الأثري، محمد العمري، أن "خفة دم الشعب المصري تعتبر امتداداً أصيلاً للفرعوني القديم، الذي على الرغم من جديته وحرصه المتواصل على التشييد والبناء والإنجاز، فإنه خصص معبوداً لإشاعة البهجة والفرح، يُتقرب إليه بالرقص والموسيقى والاحتفالات، للترويح عن النفوس وشحذ الهمم".

ولهذا الإله عدة أشكال متنوعة يظهر بها على جدران المعابد في مدن قنا وأسوان والأقصر، حيث يظهر ممسكاً بعض الآلات الموسيقية، وكذلك وهو يشرب الخمر، وأحياناً أثناء أداء بعض الرقصات، كما يظهر عارياً في بعض التماثيل الصغيرة.

 

أدوار متعددة بجانب الفكاهة

في السياق، يقول صلاح الماسخ، المدير بمعبد الكرنك والباحث في شؤون طرائف مصر القديمة، إن "أدوار الإله (بس) لم تقتصر على الفكاهة والمرح والرقص والموسيقى والثمالة فحسب، بل تعددت أدواره، ومنها حماية النساء أثناء الحمل والولادة ورعاية الأطفال الرضع، لذلك كان المصري القديم يكثر من صناعة تمائم الإله بس لكل امرأة حامل من عامة الشعب أو الأميرات، اعتقاداً في أن ذلك يحميهن ويسهل عليهن عملية الوضع".

ويتابع "هناك أدوار أخرى للإله (بس) منها حماية النائمين وحماية الموتى من السرقة وبخاصة الملوك والأمراء، ولذلك كثيراً ما نجد بعثات الحفر الأجنبية تعثر على تماثيل له مختلفة الأحجام داخل المقابر الفرعونية"، مشيراً إلى أن "من أدواره أيضاً أنه كان يحفز الرجال والنساء في مصر القديمة على الخصوبة والفحولة، كما كان يجري استخدام شكله كوشم على أجساد الجاريات والراقصات، وكتمائم على أسرة النوم".

أحد العاملين في معبد دندرة يُدعى محمد الدندراوي، يقول إن "بعض فتيات الصعيد اللائي تأخرن في الإنجاب، يحرصن على زيارة تمثال (بس) والطواف من حوله، اعتقاداً منهن في قدرته على طرد الأرواح الشريرة والسحر".

عيد الإله "بس"... والهالوين

فيما يشير الأثري والمرشد السياحي، علي النجار، إلى أن "للإله "بس" عيد سنوي في الأول من شهر (هاتور)، وهو أحد شهور السنة في مصر القديمة، حيث كان يحرص حكام الأقاليم على إقامة حفلات ومهرجانات راقصة يرتدي فيها المحتفلون أقنعة هذا المعبود، وتُخصص نهاية كل احتفالية لتزويج الفتيات اللائي تأخرن في الزواج، ويكافأ كل من يتزوج فتاة بحصة من فائض إنتاج الأقاليم الزراعية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى أن "هذا العيد كفكرة مصرية خالصة، ويعتبر عيد الهالوين في أوروبا امتداداً له".

وداخل معبد حتحور التقينا سائحاً هندياً يدعى حافيظ إنيش، حيث قال إن "شخصية الإله (بس) يجب أن توظف في أعمال الدراما الكارتونية للأطفال، كشخصية مصرية لنشر روح خفة الظل والفكاهة، لأن الصغار الذين يميلون إلى المرح، سيصبحون اجتماعيين ومتصالحين مع المجتمع".

وبالمثل يقول زائر مصي للمعبد، يُدعى أحمد المعناوي، إنه لم يسمع عن شخصية "بس" سوى من الممثل المصري الشهير عادل إمام في فيلم "عريس من جهة أمنية"، حينما كان يصفه بإله "المسخرة" لدى المصري القديم.

المصري "ابن نكتة"

ويؤكد محمد أبو الفضل بدران، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة الأسبق ونائب رئيس جامعة جنوب الوادي، أن "روح الفكاهة التي يتمتع بها المصريون، تعود إلى ما عانوه منذ عصور قديمة، فالنكتة بالنسبة إليهم خروج مؤقت من دائرة الهم والحزن، ففي الضحك لدى المصري القديم منذ عهد (بس) وحتى وقتنا الحالي انتصار على البكاء والشجون، والمصري كلما كان حزيناً مهموماً لجأ إلى النكات للتخلص من الضغوط والهموم".

وذكرت ليندا شاول، وهي سائحة بلجيكية تقيم في مدينة الأقصر (جنوبي مصر) منذ 10 سنوات، أن "أكثر ما يميز الشعب المصري حين تعامله أنك لا تشعر بالغربة معه لبساطته الشديدة، فخلال تجولي بالأسواق قد أتعامل مع أغلب الناس بلغة الإشارة لعدم إجادتي العربية، وأجد نفسي منجذبة لخفة دم المصريين رغم عدم وجود لغة مشتركة".