إيران... أمام سنوات من الإضطرابات

نظام طهران فقد كثيراً من الدعم... وأخطر تهديد من الطلاب والفقراء

تمكن النظام الإيراني في السابق من سحق التظاهرات بوحشية شديدة (أ. ف. ب)

شكل خروج تظاهرات واسعة من جامعات إيرانية عدة للتعبير عن غضبهم من كذب الحكومة في مأساة إسقاط الطائرة الأوكرانية، تحدياً خطيراً للنظام في طهران. فقد تحولت حملته لتصوير نفسه ضحية اعتداء أميركي بعد مقتل قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، إلى كارثة في الداخل وفضيحة مدوية في الخارج. فبدلاً من تصدير صورة التظاهرات المليونية التي خطط لها للتدليل على شرعية النظام وشعبية سليماني، جاءت تظاهرات الطلاب وهتافاتهم ضد المرشد علي خامنئي وتمزيق صورة سليماني، لتؤكد عمق الغضب الشعبي ضد النظام وسخطه على مغامراته الخارجية. ما يؤشر إلى أن إيران ستستمر في حالة من عدم الاستقرار لسنوات أخرى مقبلة، في ظل دموية النظام ورفضه تغيير الحكم سلمياً.

وعلى الرغم من تمكن النظام الإيراني، في السابق، من سحق التظاهرات بوحشية شديدة، مثلما فعل قبل أسابيع حين قتل 1500 متظاهر واعتقل آلافاً بحسب التقديرات الأميركية، إلا أن محللين سياسيين في مراكز بحثية في الولايات المتحدة، اعتبروا أن حركات التمرد المعارضة للنظام والتي لوحظت بقوة خلال الأعوام الثلاثة الماضية، تكشف عمق الغضب الشعبي حيال النظام.

وإذا كان لدى خامنئي قاعدة من الموالين ويستطيع حشد واحد في المئة من الشعب الإيراني، أي نحو 800 ألف شخص، فضلاً عن قدرته على إجبار ملايين الموظفين الحكوميين على النزول إلى الشوارع والتعبير عن حزنهم لمقتل سليماني، فإن أغلبية الإيرانيين بدت مستاءة مما يحدث، حيث مثل انفجار الغضب المفاجئ في الجامعات وفي صفوف الطبقة الوسطى تناقضاً مع ما تبدو عليه الوحدة الوطنية في إيران حين هتف المحتجون "سليماني قاتل وقائده خائن"، و"الموت للديكتاتور"، في إشارة إلى رأس السلطة في إيران، المرشد الأعلى للثورة.

خطورة الطلاب

ويقول تقرير صادر عن مركز الدفاع عن الديمقراطيات في العاصمة الأميركية، إن احتجاجات الطلاب منذ عام 1999 تشير إلى أن النظام فقد كثيراً من الدعم، فضلاً عن خسارته تأييد الطبقة الفقيرة التي خرجت بقوة للتظاهر بعد رفع أسعار البنزين بسبب الضغوط الاقتصادية الناتجة من حملة الضغوط القصوى الأميركية.

ويكمُن خطر طلاب إيران في أنهم أتوا بالنظام الحالي إلى السلطة عام 1979، ويمكن أن يكونوا جزءاً من المعادلة التي تقود إلى إسقاط نظام الحكم في طهران في أي مرحلة مقبلة، خصوصاً أن التظاهرات الأخيرة تمثل رفضاً ساطعاً لإهدار أموال الشعب الإيراني الذي يعاني من وطأة اقتصادية خانقة، في دعم الرئيس بشار الأسد في سوريا، وحزب الله في لبنان، وحركتي حماس والجهاد الإسلامي في غزة. وكلها كانت من أفعال سليماني وخامنئي.

هل يسقط النظام؟

وبينما تضيف هذه التظاهرات مزيداً من الضغوط على القيادة الإيرانية التي تعاني من سقوط حر في اقتصاد البلاد في وقت يواجه عقوبات أميركية جديدة تشمل العديد من القطاعات الصناعية والتجارية في إيران، إلا أن عدداً من المراقبين في واشنطن يرون أنه من الصعب أن يسقط النظام في طهران سلمياً بسبب نزوع الحكم الثيوقراطي الديني إلى العنف، ولهذا فإن موجة الاحتجاجات المتكررة في إيران ستسبب حالة من عدم الاستقرار في البلاد لسنوات أخرى مقبلة.

ويقول محللون إن ضعف قبضة النظام قد يدفع إلى نشوء جماعات معارضة داخل إيران، كما سوف تحتاج المعارضة الرئيسية الديمقراطية في الخارج إلى تشكيل هيئة كبرى جامعة تؤثر في صنع القرار، وكلما زاد يأس النظام في طهران، أصبح لدى الولايات المتحدة قدرة أكبر على الإسهام في تشكيل مستقبل إيران بصرف النظر عن نوع الحكومة التي ستحكم البلاد.

أميركا وتغيير الحكم

على الرغم من تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أكثر من مرة أنه لا يسعى إلى تغيير النظام في إيران، إلا أن تغريداته الأخيرة على تويتر تتعارض مع هذه التصريحات، حيث شجع المتظاهرين وحذر نظام طهران من قمعهم أو قتل المحتجين، كما غرد مرة أخرى "إلى الشعب الإيراني الشجاع الذي يعاني، أقف معكم منذ بداية رئاستي، وستستمر حكومتي في مساندتكم، ونتابع احتجاجاتكم عن كثب، شجاعتكم ملهمة".

وكتب مايك بومبيو وزير الخارجية الأميركي تغريدة مماثلة إلى المتظاهرين الإيرانيين جاء فيها "أميركا تسمعكم، أميركا تدعمكم، أميركا تقف إلى جانبكم".

ومع هذه العبارات، يظل التساؤل هو كيف يمكن الولايات المتحدة أن تدعم هذا الخطاب تجاه الشعب الإيراني، في وقت تتواصل حملة الضغوط القصوى التي تسبب مزيداً من الصعوبات الاقتصادية على المواطنين.

سياسة التصدعات

ويعتبر أليرزا نادر، الباحث في الشأن الإيراني، أن الإدارة الأميركية تعتقد أن حملة الضغوط القصوى قد تضر المواطنين العاديين على المدى القصير، لكنها ستُحدث تصدعات داخل النظام بما يسرع من انهياره، خصوصاً أن الجمهورية الإسلامية ضعيفة ومُعرضة لتغييرات.

ويؤكد جون بولتون مستشار ترمب أن تغيير النظام في إيران أصبح ملحوظاً، والشعب الإيراني يرى ذلك، حيث لم يخضع نظام خامنئي في السابق إلى ضغط بمثل هذا الحجم، وعلى أميركا وأوروبا وفرنسا ألا يدعموا هذا النظام أو التفاوض مع ممثليه غير الشرعيين.

وإذا كان بولتون قد توقع مراراً تغيير النظام في إيران من دون أن يحدث ذلك، فإن مراقبين أشاروا في تقرير نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأميركية إلى أن مزيجاً من سنوات الاستياء العام، مع السُخط الاقتصادي، بالتوازي مع سوء تعامل النظام مع كارثة الطائرة الأوكرانية، يمكن أن تشكل جميعها لحظة هشة للنظام الإيراني الذي سَئِم أكثر الملتزمين بتأييده من استمرار الحالة الراهنة التي تزداد سوءاً بفعل ترنح الاقتصاد.

ليس بعد

وفي حين يتفق البعض على أن النظام الإيراني يعاني بشدة من وطأة الضغوط المتزايدة عليه في الداخل والخارج، إلا أن البعض الآخر من المراقبين في واشنطن، لا يرون أن هناك أزمة حقيقية تهدد بقاء النظام في إيران حالياً على الرغم من الصعوبات التي يمر بها في الداخل الإيراني وأيضاً في كل من العراق ولبنان، حيث لا دليل واضحاً على وجود وضع ثوري في إيران يمكن أن يُسقط النظام.

ويضيف هؤلاء أن سياسات ترمب الحالية حيال إيران لا تتمتع بفرصة كبيرة لإسقاط نظام مستمر منذ 40 عاماً وهو نظام اعتاد العيش سنوات طويلة من قبل تحت وطأة عقوبات دولية، بينما تشير دروس التاريخ إلى نماذج قليلة جداً التي تمكنت فيها الضغوط الخارجية من إسقاط أنظمة حكم من دون تدخل عسكري، فقد فشلت الجهود الأميركية على مدى عقود في إسقاط نظام حكم فيدل كاسترو في كوبا أو كيم يونغ أون في كوريا الشمالية.

لكن، بعد مقتل سليماني، دخلت سياسة الضغوط القصوى الأميركية على إيران مرحلة جديدة تتجاوز العقوبات الاقتصادية إلى الاستخدام الانتقائي للقوة العسكرية. وهو ما يمكن أن يدفع النظام في طهران إلى الاختيار بين ثلاثة بدائل، تصعيد العنف، أو التفاوض مع الولايات المتحدة على الاتفاق النووي من دون شروط مسبقة، أو مواجهة انهيار النظام. ولهذا ينصح خبراء سياسيون في واشنطن الإدارة الأميركية بالصبر والانتظار حتى تثمر سياسة الضغوط القصوى اللحظة المناسبة.

المزيد من دوليات