Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجيش العراقي في ذكراه الـ99... كيف أضحى وضع بغداد بعد حله؟

مغامرات السياسيين وخلافاتهم انعكست على مهنيته... وزُج بحروب خارج مهامه الوطنية

كان الجيش العراقي من الجيوش الأولى بالعالم العربي وبلغ تعداده أكثر من مليون مقاتل في الثمانينيات (أ.ف.ب)

لم يتوانَ بضعة ضباط عراقيين تخرجوا في الأستانة التركية على رأسهم نوري السعيد وقريبه جعفر العسكري، عن إعلان تأسيس جيش عراقي وطني في العام 1921، وأحضروا ملكاً هاشميّاً من الحجاز هو فيصل بن الحسين، لينصّب ملكاً على عرش العراق، ولتُطوى صفحة الاحتلال البريطاني المباشر، وتحويله إلى مرحلة الانتداب السياسي، وليسجّلوا تاريخاً جديداً يُوقف إصرار الجنرال البريطاني جيمي مود الذي دخل بغداد 1917 مزهواً بفكرة (جئنا محررين لا فاتحين)، التي لم يصدّقها العراقيون، وانتفضوا عليه بثورة العشرين، لتكون مهمة بناء جيش وطني هي البديل بفوجٍ أُطلق عليه اسم (فوج موسى الكاظم).

مهام الجيش الأول
تولى الجيش عملية الدفاع عن العراق واستقلاله وحماية المملكة العراقية الناشئة، بعد سُبات طويل منذ سقوط بغداد العام 1258 على يد المغول واحتلاله وهيمنة شعوب وإمبراطوريات متعاقبة آخرها الدولة العثمانية، التي أسقطها الحلفاء بعد الحرب العالمية الأولى مطلع القرن الماضي، ليدخل الجنرال مود بغداد، ويسجل تاريخاً بريطانيّاً جديداً في الشرق، على أنقاض دولة "الرجل المريض" العثماني.

جيش وطني ملكي
ولم تقتصر مهمة الجيش العراقي في العهد الملكي على المهمة المعلنة له، وهي الدفاع عن حدود البلاد وأمنها، بل تعدى ذلك ليكون ظهيراً وطنيّاً يشترك في حسم معارك البلاد وتقليص النفوذ العشائري المتقاتل فيه، والإدارة السياسية الحديثة التي بصمت بيد زعيمه الأوحد الباشا الفريق نوري السعيد مؤسس تشكيلات الجيش الثلاثة وصائغ توجهات الصنوف الرئيسة الثلاثة البرية والبحرية والجوية وصائغ عقيدته أيضاً، الذي تولى رئاسات متعددة للحكومات المتعاقبة للعراق، وتولى مع الغرب معاهدة (حلف بغداد) لتقويض المد الشيوعي بالشرق الأوسط، وتسببت في إسقاطه فيما بعد.

عصر الانقلابات الكبرى
وقادت هذه السياسة الموالية الغرب إلى تشكيل تنظيمات سرية داخل القوات المسلحة العراقية، أبرزها حركة الضباط الأحرار، التي نجحت في قلب نظام الحكم الملكي إلى جمهوري العام 1958، وتزعّم الجنرال عبد الكريم قاسم قيادة البلاد بعد مقتل العائلة المالكة، وتقويض الحكم الهاشمي بعملية أثارت جدلاً واسعاً بدأ ولم ينته إلى يومنا هذا، عن مسوغات الانقلاب وأطرافه ومحركيه ونتائجه، التي أنهت حكم قاسم بعد أربع سنوات من حكمه، على يد ألوية الجيش الذي اصطف ضده، وأدى إلى مقتله العام 1963 في انقلاب رمضان الذي قاده العسكر الموالون البعث، وفتحت الباب على مصراعيه لعمليات التصفيات والاغتيالات السياسية في العراق، بمؤثرات داخلية وإقليمية، ليصطبغ العهد الجمهوري على مدى ستين عاماً بالدم.

حروب الجيش العراقي
وفي الوقت الذي كان فيه الجيش هو المؤسسة الرئيسة للحكم أضحى أيضاً المؤسسة الكبرى للانقلابات والتحركات وبؤرة الصراع على السلطة والحكم، وظل كذلك المؤسسة الوطنية التي دافعت عن البلاد، وقدَّمت التضحيات الجسام في حرب فلسطين العام 1948، وحرب تشرين العام 1973، وقمع الانتفاضات الانفصالية التي استنزفت العراق بشراً وأموالاً.

فحيث تكون مقابر الشهداء تكون قبور الجنود العراقيين سواء في كفر قاسم بالخليل بفلسطين، وفي القنيطرة والجولان، وبالحدود العراقية الإيرانية، التي امتلأت بجثامين الجنود المدفونة مع الألغام التي زرعها الجانبان معاً، حصيلة الحرب العراقية - الإيرانية كأطول حرب في التاريخ الحديث، استمرت ثماني سنوات.

عقيدة الجيش وطني عروبي
وكانت عقيدة الجيش العراقي الوطنية والقومية تدفعه ليكون جيش الأمة، كما كان يصرّح قادته الذين يُدربون على الأناشيد التي تمجِّد العرب وتاريخهم، وتدرس معاهدة معارك القادة العرب في كليات الأركان والحرب والدفاع الوطنية، ويمتحن ضباطه بمنجزات خالد بن الوليد والمثنى والقعقاع وسعد بن أبي وقاص، وطارق بن زياد، وسواهم ويحفظها منتسبوه عن ظهر قلب، بلورة فكرة الدفاع عن كل الأرض العربية ومواطنيها.

حتى صار الجيش العراقي من الجيوش الأولى بالعالم العربي، وبلغ تعداده أكثر من مليون مقاتل في الثمانينيات، يتوزّعون على 55 فرقة تؤلف أربعة فيالق، إضافة إلى فيلق الحرس الجمهوري والقوتين الجوية والبحرية، يساندها ظهيرٌ مدنيٌّ مسلحٌ من مجندين، يقدم الدعم اللوجيستي ومسك الأرض على جبهة كانت ملتهبة تمتد 1300 كم بين العراق وإيران.

وله السبق في الاشتراك في معارك خارج أرضه في الأردن وسوريا وفلسطين وسيناء المصرية، وكما يصف خبراء عرب بأن الجيش العراقي كان يضم طيارين من أشجع الطيارين الذين سجلوا مواقف مشهودة في كثيرٍ من الأماكن.

ويسجّل لكليات الأركان والحرب العراقية بأنها من أصعب الكليات وأقواها، مزجت بين خبرة الدراسات الغربية والشرقية معاً حصاد الخبرة التعليمية في مدارس الحرب في مناشئ مختلفة تمتد من لندن وموسكو، إضافة إلى البلدان العربية مثل مصر والأردن وسواها.

انحراف الجيش عن مهامه
لكن، مغامرات السياسيين وخلافاتهم انعكست على مهنية الجيش العراقي، وزُج بحروب خارج مهامه الوطنية والقومية المُتفق عليها، في مقدمتها غزو بلدان عربية مثل الكويت في العام 1991 الذي ما كان جل قطعات الجيش وقياداته راضية عن هذا العمل، الذي خسّر العراق وجيشه الكثير، وفتح الباب على مصراعيه للتدخلات الخارجية، كما يؤكد كبار العسكريين العراقيين والسياسيين أيضاً ممن عملوا في صفوفه إبان تلك الحقبة التي مهدت لغزو العراق العام 2003، وقصمت ظهره، وتسببت في حلّ جيشه بعد ثمانية عقود من تأسيسه وتاريخه الطويل.

حلْ الجيش وتسريحه
فما أن أُحتل العراق العام 2003 حتى أعلن الحاكم المدني الأميركي بول بريمر قرار حلّ الجيش العراقي، مسّوغاً ذلك بأنه إحدى أدوات القمع التي استخدمها النظام السابق في قمع الشعب، ليتلقى الجيش العراقي ضربة قاصمة لوجوده.

وقد أسهمت أطرافٌ عراقية وإقليمية كثيرة في تسويغ هذا القرار، وتداخلت مصالح إقليمية معروفة في الترويج له، ثمناً لإطاحة النظام السابق وإزالة حكمة، وبذلك أطلقت عملية الفوضى الخلاقة التي كسرت ثوابت بناء المجتمع العراقي، وزعزعت بنيته الوطنية.

فوضى تلت حل الجيش
وأطلقت يد التشكيلات العسكرية المتعددة (الميليشيات) المساندة الوجود الأميركي من جهة والمقاومة له من جهة أخرى، في سابقة لم تشهدها البلاد من قبل، حوَّلت العراق إلى ساحة مفتوحة لكل احتمالات المجابهة، بعد أن برزت قوى الإرهاب الدولي أمثال القاعدة وداعش التي قتلت مئات الآلاف من العراقيين، وهجّرت الملايين، وانتهكت حياة ومقدرات الشعب العراقي، وتعدى تهديدها إلى عموم الشرق الأوسط والعالم، ما دعا إلى ضرورة وجود جيش عراقي بديل، يُوقف تلك العمليات الإرهابية التي أحرجت متخذي قرار حلّ الجيش.

جيش عراقي جديد
واضطرت الولايات المتحدة إلى إعادة تدريب وإنفاق المليارات على إنشاء قيادات عمليات جديدة بديلة للجيش السابق، تتألف من عشر قيادات في بغداد والبصرة ونينوى وصلاح الدين والأنبار وتكريت وسامراء والفرات الأوسط ودجلة وكركوك، تلخص مهمتها بأن تتولى عمليات السيطرة العسكرية المباشرة على تلك المناطق، وترتبط برئيس الحكومة المُسمّى بالقائد العام للقوات المسلحة وفق الدستور.

كما عملت الولايات المتحدة على إنشاء قوات متخصصة بمكافحة الإرهاب، وأخرى تتولى قيادة الصحوات للعمليات الخاصة ضد داعش والقاعدة التي سبقتها، وهي مهيأة للتدخل الفوري عند أي مظاهر هجوم لـ(داعش) وقبلها (القاعدة)، والتنظيمات الإرهابية المُتوقع حدوثها.

التحديات الكبرى للجيش
يؤكد كبار القادة العسكريين العراقيين الذين عملوا عقوداً من الزمن في الجيش العراقي بأن المعالجة الأميركية باستحداث جيش جديد يتوزّع على قيادات العمليات العشر، يكتنفها كثيرٌ من الشكوك والفوضى والارتباك، لأنها قامت على بناء طائفي محاصصي هش، تتنازعه الأهواء وتتحكّم فيه عناصر غير مهنية جاء بهم ما يسمى بـ(الدمج) بين الميليشيات والجيش النظامي، حين مكّنت فصائل الميليشيات التي قاتلت مع إيران أيام المعارضة ضد الجيش العراقي، مثل المجلس الأعلى وقوات بدر وفصائل وألوية تابعة للحرس الثوري الإيراني يزيد عددها الحالي على ستين فصيلاً، ومُنحوا أعلى الرتب ليتولوا إدارة تلك القوات المستحدثة النظامية! وهي في الغالب تمالئ إيران وتمتثل لسياستها في المنطقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كما أن الصراع الحالي بين الجيش العراقي والقوى المسلحة الأخرى النافذة تؤشر لحالة الصِدام المُتوقع نتيجة التناقضات التي تحيط به، وهو مهدد بميليشيات تملك السلاح والسطوة السياسية والدعم الخارجي، وهي التي تهدد وتعيّن وتقصي من تشاء من أفراد الجيش وقياداته، في عموم القوات المسلحة يتيح لها الهيمنة على القرار المناط بالقائد العام للقوات المسلحة الذي تأتي به المحاصصة الحزبية والسياسية، وهي من تتمكّن من فرضه أو إقصائه، ومجيء وزير دفاع وفق المحاصصة الطائفية، وهو بلا سلطة حقيقية، تضع ألغاماً في بنية الجيش وتكوينات المؤسسة العسكرية في العراق عموماً.

عقيدة الجيش الجديد
كما أن الجيش الجديد تأسس على الولاء السياسي والطائفي، وليس الكفاءة والمهنية، وكان احتلال (داعش) الموصل وثلث العراق مؤشراً إلى التخبط في القيادة، والسيطرة لديه، فأعداد فصائل (داعش) الإرهابية القليلة والمنظمة تمكّنت من السيطرة المريبة على مناطق ومدن شاسعة وتقهقر قوات مسلحة نظامية بدعم لوجيستي كبير، أشر حجم ونوع الإخفاق، وفساد القيادات العسكرية آنذاك التي تركت أسلحتها وانسحبت بصورة مريبة.

تدخل المرجعية بالجهاد الكفائي
حينها أدركت المرجعية الشيعية العليا، بأن الفساد السياسي يتحكّم بالمنظومة الأمنية والعسكرية تحديداً، واضطرت إلى استصدار فتوى سُميت بـ(الجهاد الكفائي) الذي يدعو إلى الدفاع الشعبي العام عن البلد وقت الخطر، بعد أن وصلت فصائل (داعش) إلى أطراف بغداد وتهديد كربلاء، بقوات (داعش) التي قال عنها الرئيس أوباما "نحتاج إلى ثماني سنوات لطردها ووقف زحفها".

لكن، قوات مكافحة الإرهاب التي تولّت الإدارة والسيطرة بمساندة قوات التحالف والعمليات المشتركة الأميركية وبمؤازرة متطوعي الحشد الشعبي من العراقيين، تمكّنت من تقويض التمدد الداعشي خلال سنتين وطردها من المدن العراقية.

وبذلك استعاد الجيش العراقي قدراً من الثقة بالنفس، وشرع بالتدريب المستمر والاستنفار خشية عودة الدواعش أو التلويح بخطر عودتهم.

المزيد من تحلیل