Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إيران لا تملك خيارات عملية للرد على مقتل سليماني

طهران لن تُقْدِم على انتقام ذي معنى باستثناء بعض التظاهرات الصاخبة وشعارات فارغة معادية أميركا

ارتباط سليماني الوثيق بالمرشد الأعلى خامنئي جعله ثاني أقوى رجل في إيران (أ.ف.ب)

مع تأكيد نبأ مقتل قاسم سليماني في وقت مبكر من صباح يوم الجمعة 3 يناير (كانون الثاني)، انطلقت احتفالات في شوارع بغداد ودمشق وبيروت، لكن لا أحد كان أسعد من الأطفال السوريين في مختلف مخيمات اللاجئين على طول الحدود السورية التركية، ناهيك بالسوريين في الخارج.

وفي جميع الأحوال كان سليماني ورئيس النظام السوري بشار الأسد مسؤولين عن قتل نصف مليون سوري وتشريد 7 ملايين آخرين، وهو المسؤول أيضاً عن عمليات نهب وتدمير العراق ولبنان واليمن طبقا للتقارير الحقوقية.

في الحقيقة، يعدُّ مقتل سليماني أهمّ من مقتل أسامة بن لادن الزعيم السابق لتنظيم القاعدة وأبو بكر البغدادي الزعيم السابق لـ(داعش)، لقد كان سليماني فاعلاً إقليمياً يستند إلى دولة ثرية، بينما كان الآخرون فاعلين محليين. إن العالم هو أفضل حالاً دونهم، وربما مع موتهم يكون السلام والأمن والأمان أكثر ضماناً للناس في الشرق الأوسط.

بالطبع، كان من الأفضل لو أن سليماني قد حُوكم من قِبل الشعب الإيراني بسبب الاتهمات التي توجه إليه. يقول المعارضون الإيرانيون إن سليماني أشرف مؤخراً، إلى جانب خامنئي وروحاني والجنرال حسين سلامي، على أعمال القتل بلا رحمة لأكثر من 1500 من المتظاهرين الإيرانيين العُزّل وإصابة أكثر من 7000 شخص واحتجاز نحو 3000، بعد أن رفعت الحكومة سعر البنزين ثلاثة أضعاف.

وباعتباره قائداً لقوات برية من الحرس الثوري الإيراني، فقد شارك سليماني في قتل نصف مليون إيراني ونصف مليون عراقي خلال الحرب الإيرانية العراقية المأساوية التي دامت ثماني سنوات، وإلى جانب جنرالات الحرس الثوري الإيراني، ساعد في حماية والحفاظ على ديكتاتورية الجمهورية الإسلامية، التي هي عدو للإيرانيين والعراقيين والسوريين واللبنانيين واليمنيين، وتشكّل خطراً على السلام وأمن العالم، وبالتالي فإن الملالي في طهران هم فقط من يبكون على مقتل سليماني.

لقد كان يترأس حكومة ظل في إيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن. بالتأكيد، كان أكثر قادة فيلق القدس فعالية خلال 22 عاماً من قيادة الجناح الخارجي للحرس، كان من المستحيل تعيين سفير إيراني في الشرق الأوسط دون موافقة قاسم سليماني.

وكان داهية وخادماً موثوقا لقيم النظام الإيراني. تعلّم اللغة العربية بسرعة، وقام ببناء شبكة واسعة في لبنان، وأيّد بقوة  تأسيس حزب الله ودعمه بسخاء، واستنسخ الحزب في العراق وسوريا واليمن. وقام بتجنيد أفراد الميليشيات من بين الشيعة العراقيين والأفغان والباكستانيين واللبنانيين، وخلق قوة قوامها 80 ألف جندي، فيما تقدر قوته الإيرانية بنحو 20 ألفاً.

جعله ارتباطه الوثيق بالمرشد الأعلى خامنئي ثاني أقوى رجل في إيران، ويشاد به في تطوير عقيدة الحرب غير المتكافئة. اعتبره خصومه استراتيجياً بارعاً، وساعدته الكاريزما والقسوة والدعم الذي حظي به من جميع الأحزاب السياسية، بما في ذلك من اليساريين والقوميين الإيرانيين، في توحيد موالين من جميع الأطياف.

كان يُنظر إليه قائداً قادراً على دمج التوسعية الفارسية مع العقيدة الشيعية المتمثلة في رفض الطوائف الإسلامية الأخرى. بالنسبة للبعض، كان تجسيداً للزعيم الأسطوري للإمبراطورية الفارسية ورمزا لإحيائها.

بعد الثورة الإيرانية، بنى الخميني جمهوريته الإسلامية على مبادئ الإسلام السياسي، وولاية الفقيه وتصدير الثورة، وكان سليماني مسؤولاً عن نشر الإسلام السياسي خارج إيران من خلال سيطرة واحتلال أربع عواصم عربية، كان مسؤولاً عن إعطاء نظام الأسد ما بين 8 إلى 10 مليارات دولار شهرياً، وقدّم مليارات لحزب الله اللبناني.

قام بتجنيد وتدريب وتسليح وتنظيم مئات الآلاف من الشباب في ميليشيات عبر أنحاء المنطقة، ليكونوا قوة شيعية مرتزقة ومستقلة لتبقى قوة قابلة للاستمرار حتى بعد سقوط الجمهورية الإسلامية.

وأقدم على بناء وإنشاء ممر بري متصل يربط إيران بالعراق وسوريا ولبنان وشمال إسرائيل، لقد كان مخلصاً لآية الله الخميني وأيديولوجية خامنئي الراديكالية، وكانت قواته في فيلق القدس امتداداً ليد النظام الإيراني بالمنطقة.

كان سليماني يدير ويُحكِم وجوده في سوريا على مدى فترة الثورة هناك، حيث كان على وشك أن يُقتل في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 أثناء قتاله ضد الجيش الحر بالقرب من حلب.

شوهد سليماني وهو يتنقّل بين بغداد ودمشق وبيروت عدة مرات. في الأسبوع الماضي، خلال هجوم ميليشيا الحشد الشعبي الموالية لإيران، قام بتنظيم هجوم على السفارة الأميركية في بغداد بمساعدة نائبه أبو مهدي المهندس، الذي قُتل معه.

أظهرت الولايات المتحدة أدلة على أن سليماني كان وراء مقتل أربعة عراقيين ومقاول مدني أميركي الشهر الماضي في العراق، لكن ما لم يكن يعرفه سليماني هو أنه كان مراقباً من قِبل المخابرات الأميركية، وفي يوم الخميس 3 يناير (كانون الثاني)، بعد ساعتين من هبوط طائرته الخاصة في بغداد قصفته صواريخ أميركية وقُتل إلى جانب نائب زعيم الحشد الشعبي العراقي. كما قتل في الهجوم ثمانية عراقيين وإيرانيين آخرين.

ورغم أن الرئيس ترمب امتنع عن مهاجمة إيران رداً على هجوم أرامكو  الذي استهدف منشآت النفط السعودية، عندما أخبر البنتاغون وسي أي إيه البيت الأبيض أنهما يراقبان سليماني، وافق ترمب على مضض باستهداف سليماني هذه المرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لقد استنتج ترمب أن هذه العملية ستكون منخفضة المخاطر، ويمكن أن تنفذها قوات المارينز والقوات الخاصة المتمركزة في الكويت، وكما كان متوقعاً، ساعد الحادث في تعزيز موقف الرئيس.

ليس هناك الكثير الذي يمكن لإيران القيام به للانتقام. يمر النظام بتغيير جدي للغاية داخلياً وخارجياً، كما يتضح من الاحتجاجات الأخيرة الناجمة عن ارتفاع أسعار البنزين بثلاثة أضعاف. يقبع اقتصاد البلاد في حالة من الفوضى، ولا يمكن للحكومة أن تدفع رواتب موظفيها المدنيين.

كما أن هناك إضرابات للمدرسين والعمال على مستوى البلاد، فيما أكثر من 50٪ من المصانع معطّلة، وحركات التمرد تغلي بأشكال مختلفة. وإضافة إلى المصاعب الداخلية، لا يجد الجيش نفسه في وضع يسمح له بالقيام بأي خطوة، حيث إن معداته قديمة جداً وشبه متهالكة، ويفتقر إلى قوة جوية حديثة وبحرية مناسبة، فيما قواته البرية متضخمة ويصعب تحريكها، لذا فإن الجيش الإيراني لا يشكل ندّاً للولايات المتحدة على الإطلاق.

إن القائد الجديد لفيلق القدس إسماعيل قآني، وهو النائب السابق لقائد الفيلق، لا يتمتع بدهاء سليماني، ويفتقر إلى القبول الواسع والإمكانيات المتاحة له.

من جهة أخرى، يتعرّض أصدقاء النظام الإيراني في العراق لضغوط، وقد يتم طردهم من جميع المؤسسات الحكومية. في سوريا، هناك دينامية جديدة نحو مزيدٍ من المشاركة من قِبل أوروبا والأمم المتحدة، كما أن الغارات الجوية الإسرائيلية المتواصلة تعد عاملاً أساسياً.

في غضون ذلك لا تسير الأمور على ما يرام بالنسبة لحزب الله في لبنان، والحوثيون على وشك الرضوخ في ظل الخسائر التي يتكبدونها.

فيما يتعلق بالردع الأميركي، نشر ترمب 3500 من قوات المارينز وقوات العمليات الخاصة في المنطقة، يمكن لهذه القوات أن تساعد عملاء وكالة الاستخبارات المركزية، وأن تتصدى لأي تصرف مؤذٍ من الإيرانيين.

يبدو أن إيران لن تُقْدِم على انتقام ذي معنى، باستثناء بعض التظاهرات الصاخبة المؤيدة الحكومة في طهران وشعارات فارغة معادية لأميركا. ومن دون خيارات عملية ممكنة، ربما يجد الملالي الوقت مناسباً لرفع المستوى الحالي للدبلوماسية المتواصلة في جنيف وأماكن أخرى.

المزيد من آراء