شهريار مندني بور يفضح سلطة الملالي

دخل الروائي الشاب جحيم الحرب الإيرانية العراقية وسرد في "جبين القمر" حبا مأسويا في طهران

الروائي الإيراني المعارض شهريار مندني بور (دار النشر)

في المشهد الأدبي الإيراني المعاصر، يحتل شهريار مندني بور موقعاً متقدّماً وفريداً بفضل عشرات الأبحاث المهمة التي وضعها في النقد الأدبي والفني، وخصوصاً بفضل رواياته التسع التي بقيت لفترة طويلة محظورة في وطنه نظراً إلى فضحه فيها، بلا مواربة، طبيعة نظام الملالي وممارساته القمعية. في روايته الجديدة، "جبين القمر"، التي صدرت ترجمتها الفرنسية حديثاً عن دار "سوي" الباريسية، يتابع مندني بور انتقاده لهذا النظام عبر تصويره وضع إيران قبل الثورة وبعدها، متوقّفاً في طريقه عند أهوال الحرب التي شارك فيها مجبراً خلال خدمته العسكرية.

بطل الرواية شاب إيراني يدعى أمير ويعاني، مثل الكاتب، من آثار مشاركته في هذه الحرب. فإلى جانب فقدانه ذراعه اليسرى خلال إحدى المعارك، فقد أيضاً الجزء الأكبر من ذاكرته. معاناة تتجلى كل أبعادها حين نعرف أن هذا الشاب كان متمرّداً، قبل تجربة الحرب المؤلمة، يثير غضب والده المتزمّت دينياً بطيشه وسعيه خلف الملذات الدنيوية وإغرائه النساء، الواحدة تلو الأخرى. سلوك يقود يوماً إلى توقيفه بسبب انتحار الفتاة التي كان يعاشرها، خزار، ما يدفع والده إلى استخدام نفوذه وعلاقاته الوثيقة بالسلطة لإنقاذ ابنه من حكمٍ مؤكّد بالإعدام. هكذا يفلت أمير من حبل المشنقة ويخضع بدلاً من ذلك لثمانين ضربة سوط. ولمعاقبة نفسه على انتحار خزار، يلتحق في الجيش ويشارك في الحرب الدائرة، قبل أن تنقطع أخباره. وبعد سنوات من البحث المضني عنه، تجده أمه وأخته ريحانة في مستشفى للأمراض العقلية فتعودان به إلى المنزل.

حب وجبهة

في دارة والديه، يمضي أمير نهاراته تائهاً بلا هدف في الحديقة، تحت أنظار حرّاس أبيه. وفي الليل، تتسلّط على أحلامه صورة امرأة غامضة يظنّ أنه أحبّها أثناء تواجده على الجبهة وتبادل معها المحابس، ولا يلبث أن يطلق عليها اسم "جبين القمر" لعدم تمكّنه من رؤية وجهها في أحلامه بسبب إشعاع قمرٍ على جبينها. ولأنه لا يتذكّر شيئاً من ماضيه، ولأن والده أحرق كتبه ودفاتره، أثناء غيابه، ولم يترك له أي أثر يساعده على استعادة وقائع حياته السابقة، يتّكل أمير على أخته ريحانة لإنعاش ذاكرته، ثم للفرار من المنزل بحثاً عن تلك المرأة. بحثٌ يقوده ــ ويقودنا معه ــ إلى طهران اليوم التي بات من المتعذّر مقارنتها بطهران قبل الثورة، وإلى المناطق الجبلية على الحدود العراقية التي عاش فيها أفظع المعارك أثناء الحرب المذكورة وفقد خلالها ذراعه ومعها المحبس الذي يشكّل بالنسبة إليه المفتاح الوحيد لكشف هوية "جبين القمر" وتذكّر وجهها...

لن نكشف مآل هذا البحث المضني الذي سيستحوذ على أمير ويحتلّ الجزء الأكبر من نص مندني بور الطويل (450 صفحة)، كي لا نفسد متعة قراءته. لكن ما يمكن قوله هو إن الرواية، على رغم فصول حياة بطلها المؤلمة، تغذّي في نهايتها أملاً ملموساً في احتمال اجتماعه  مجدداً بـ "جبين القمر". كما لو أن الكاتب يريد بذلك أن يقول لنا إن ثمّة دائماً أملاً بإمكانية العثور على نوعٍ من السعادة أو، على الأقل، على توازنٍ، بعد الفظائع المختبَرة. نشير أيضاً إلى أن دور الراوي في هذا العمل لا يؤدّيه مندني بور أو بطله، بل ملاكان يقفان على كتفي هذا الأخير: الأول يضطلع بتسجيل أفعال أمير الحميدة بنثرٍ شعري رشيق، والآخر يسجّل أفعاله الشريرة بنثرٍ عادي ومسطَّح. وإذ يمنحنا الملاكان بسرديتيهما فكرة دقيقة عن تطوّر وضعه السيكولوجي، نراهما أحياناً يتخانقان حول طبيعة هذا الفعل أو ذاك، وبالتالي على مَن تقع مهمة تسجيله. خناقات تسمح للكاتب بالتشكيك بالتفسير الثنائي المبسَّط لأي فعل (خيٍّر أو شرير)، وبعملية تدوينه بالذات. إذ كيف يمكننا الحسم في طبيعته إذا كان الملاكان الموكولان بهذه المهمة عاجزين عن ذلك؟

ومن خلال قصة أمير المؤثِّرة، يمنحنا مندني بور صورة دقيقة عن وضع وطنه اليوم، كاشفاً التوتّرات والضغوط الهائلة التي يخضع لها المجتمع الإيراني إثر عبوره من نظام قمعي إلى آخر (مع سقوط دكتاتورية الشاه وصعود "الدولة الإسلامية"). وفي هذا السياق، يتوقف بالتفصيل عند الإكراهات التي فُرِضت على أبناء هذا المجتمع ، وعند التمييز العنصري الذي تعرّضت له بعض طوائفه الدينية والعرقية، مبيّناً التحوّل السلبي الراديكالي الذي شهدته الحياة في إيران مع تربّع الخميني على سدّة الحكم. تحوّلٌ يعكسه بقوة الدور الجديد الذي رُصِد للمرأة في هذا البلد، والذي نتآلف مع إحباطاته وإكراهاته عن طريق ما ستختبره شخصيّتا ريحانة وخزار.

أهوال الحرب

وضمن السياق نفسه، يغوص الكاتب بنا في سنوات الحرب الطويلة مع العراق، واصفاً بدقّة أهوالها وآثارها على مَن شارك بها، ومستحضراً المرات العديدة التي أرسل نظام الملالي فيها آلاف الجنود الإيرانيين إلى حتفهم المحتم خلال هذه الحرب، بخفّة تعكس انعدام قيمة حياة الإنسان لديهم. وصفٌ شديد الواقعية يسقطنا برعبٍ في قلب المعارك الطاحنة لهذه الحرب التي راح ضحيتها نحو 800 ألف قتيل، ويجعلنا نعيش يوماً بيوم فظائعها. وما يعزّز وقع هذا الوصف على نفوسنا تقاطُعه داخل الرواية مع وصفٍ آسِر للطبيعة وآخر مثير لملذّات الجسد، ضمن حركة دائمة داخل الزمن وبين نقيضَين.

باختصار، "جبين القمر" ملحمة عاطفية ــ حربية ــ شعرية مصبوغة بحسّية مستقاة مباشرةً من تقليد الحكايات الفارسية العريق، تفتننا بأسلوب كتابتها المبتكَر، الطريف تارةً والمعتم تارةً أخرى، وبصرحها الفريد الذي نلجه كما نلج فضاءً مفخّخاً على المستوى السيكولوجي، جذّاباً ومنفِّراً في الوقت نفسه. تفتننا خصوصاً بتمكُن مندني بور فيها من مقابلة الواقع الاجتماعي والسياسي المأساوي لوطنه بسلطة الحب الشعرية.

وأبعد من الظرف الإيراني الراهن أو اللحظة التاريخية المقارَبة، تكمن أيضاً قيمة هذه الرواية في عبورها بالأدب حدود اللغات والموضوعات والشكل والأسلوب لمنحنا رسالة ذات طابع إنسانوي شامل. فعلى طول نصّها، وخصوصاً في صفحاتها الأخيرة، لا يسعنا عدم طرح على أنفسنا السؤال التالي: ألسنا جميعاً "أمير"، بشكلٍ ما، نتأرجح بين نقيضَين، وغالباً ما تقودنا غلبة شيءٍ أو شعورٍ أو اختبارٍ ما إلى عكسه؟

المزيد من ثقافة