Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد طيّ صفحة سليماني... عاصفة أم إعصار؟

أميركا راجعت سياستها في العراق... ومجابهة متوقعة بين الميليشيات والشعب

متظاهرون يحملون صور الجنرال قاسم سليماني الذي قُتل في غارة جوية أميركية بالعراق (أ.ف.ب.)

طُويت صفحة قائد "فيلق القدس" الإيراني، الجنرال قاسم سليماني، بقرار أصدره الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حين أمر بتصفيته فجر الثالث من يناير (كانون الثاني) 2020. وكان ترمب راقب من واشنطن مشهد قيادات الحشد الشعبي وهي تشارك أتباعها في اقتحام وحرق أبواب السفارة الأميركية في بغداد، الأمر الذي دفعه إلى تعزيز أمن سفارة بلاده، الأكبر في العالم، بنخب المارينز من أجل الحماية.

 

طائرات مسيرة للتنفيذ

حلقت طائرات أميركية مسيّرة لترقب لحظة قدوم سليماني من بيروت قادماً إلى بغداد، وهو هدف أميركا الأكبر والأول على لوائح الإرهاب الدولي! لكنه ما كان يعلم أن الطائرات المسيرة تترقبه وهو يقطع شارع المطار الدولي ببغداد، حين انهالت صواريخهم على موكبه ومن معه، وفِي مقدمتهم مساعده أبو مهدي المهندس، نائب رئيس الحشد الشعبي، الذي يحرص على تأمين الحماية العراقية المباشرة لزعيمه، والذي يوصف بأنه العقل الميداني المدبّر لتوجيه أكثر من 60 ميليشيا في العراق، وليسدل الستار على فصل من فصول المشهد العراقي الملتهب.

المتظاهرون يرقصون فرحاً

استيقظت العاصمة بغداد على وقع مقتل سليماني، الذي يتحكم بالسياسة العراقية وبلدان عربية أخرى منذ 16 عاماً، وجعل إيران مزهوة بالسيطرة على العراق، بل لم يتوانَ بعض قادتها عن التصريح بأنهم يحتلون أربع عواصم عربية بفضل هذا الرجل، الذي يصفونه بـ"بطل إيران القومي وابنها البار"، ومنحوه أرفع الأوسمة في تاريخ البلاد.

بغداد، التي تنزف دماً في ساحات التظاهر، تلقت نبأ مقتله بخروج عفوي لمئات الشبان المنتفضين إلى الشوارع ليرقصوا على وقع هذا الخبر، ويهتفوا "لا سليماني بعد اليوم"، وهو ما أفرح الوزير مايك بومبيو وزير الخارجية الأميركي. وبحذر شديد تداول العراقيون هذا الخبر الذي جعلهم متيقنين بأن عهداً جديداً ينتظرهم، نأمل أن يكون سعيداً.

الحزن والانتقام في إيران

لا شك أن خبر مقتل سليماني هزّ أركان طهران ودعا مرشدها الأعلى خامنئي إلى أن يعبر عن غضبه وحزنه وهو يرثي سليماني الذي سمّاه "الشهيد الحاضر" قبل الحادث، وعدّ مقتله خسارة كبرى لنظامه، كما سارعت القيادات الإيرانية الغاضبة إلى اعتبار ذلك "تصعيدا خطيرا وأحمقا"، على حدّ وصف وزير خارجية إيران، محمد جواد ظريف، الذي أكد هو الآخر أن واشنطن ستتحمل تبعات مقتله. وسارعت أعلى الهيئات الأمنية إلى الاجتماع لبحث تداعيات الحادث، وتوعدت بالانتقام من الولايات المتحدة.

الاحتمالات المفتوحة

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رجح محللون ومراقبون أن كل الاحتمالات أصبحت مفتوحة للمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، التي عدّت مقتل سليماني تخطيا للخطوط الحمر في العلاقة المتوترة أصلاً بين البلدين، والحصار الطويل الذي كسر ظهر الاقتصاد الإيراني وخسر بسببه أكثر من مئتين وعشرين مليار دولار، على حدّ قول الرئيس الإيراني حسن روحاني.

من جهتها، عززت الإدارة الأميركية قواتها في العراق والمنطقة لحماية وجودها اللوجستي في السفارة، وفِي قواعدها لا سيما قاعدة عين الأسد في الأنبار، كما استنفرت عشرات القطع البحرية من بحر الصين باتجاه الخليج العربي، ونصبت بطاريات باتريوت في مناطق عدة من الخليج والحدود اللبنانية الإسرائيلية، وأجرت مناقشات لقطاعات عسكرية في الشرق الأوسط، بحسب "فوكس نيوز" العالمية.

ردود الفعل الإيرانية

الزعامات الإيرانية أصدرت سلسلة من ردود الفعل المتشنجة، بدأت بتصريحات لقيادات الحرس الثوري، التي كررت تهديداتها بضرب أهداف منتخبة انتقاماً لمقتل سليماني، رجل المشروع الإيراني القوي في المنطقة، كما انضمّ الرئيس روحاني إلى المهاجمين للسياسة الأميركية متوعداً إياها برد انتقامي. وكان المرشد خامنئي من أكثر المتأثرين بغياب سليماني، الذي كان يجد فيه القيادة المستقبلية لإيران كونه الأكثر طاعة وامتثالا لتوجهاته وأوامره ويعده "الشهيد الحاضر".

احتمالات المواجهة مستقبلاً

ومن بين احتمالات المجابهة وتصعيد الصراع في العراق مهاجمة الميليشيات المصالح الأميركية في المنطقة الخضراء، وفي مقدمتها السفارة، والضغط على البرلمان لاستصدار قرار خروج القوات الأميركية، وإلغاء معاهدة الدفاع الاستراتيجي لنزع شرعية الوجود الأميركي، والذي رجح مراقبون أن سليماني عاد إلى بغداد للإشراف المباشر على هذه المهمة، وهو ما أكده مارك إسبر، وزير الدفاع الأميركي، الذي قال "كنا نتوقع عمليات تحاك ضدنا، اضطرتنا إلى القيام بعمل استباقي".

والتطور المفاجئ جاء من إعلان مقتدى الصدر عودة ميليشيا "جيش المهدي"، ما يعيد للأذهان المجابهة مع الجيش الأميركي، التي حدثت العام 2004- 2008.

اتّساع كوة الأمل 

ما يحدث اليوم عدّهُ متابعون عراقيون بداية انقلاب في المواقف وانفتاح لكوّة الأمل في إحداث التغيير الشامل الذي ينشده الشعب المحتج على السياسة العامة التي رسمها سليماني وأعوانه ممن عوّموا الملفين الإيراني والعراقي تحت أنظار ومتابعة الولايات المتحدة التي انسحبت من العراق العام 2011، ظانةً أن نفوذها السياسي سيبقى لدى الحاكمين له، الذين جاءت بهم العام 2003 بعد إسقاطها نظام صدام حسين وإزالته ووضع رجالات حكمه على ورق اللعب كمطلوبين للولايات المتحدة، لكنهم خذلوا في زعامات شيعية مرتبطة بإيران أسست نحو ستين ميليشيا داخل العراق كأذرع لسياستها، وفِي مقدمتها "فيلق القدس" بقيادة سليماني، وكانت تتحكم ليس بالسياسة العراقية وحدها، بل بالاقتصاد بالدرجة الرئيسة.

سياسة أميركية جديدة

يرجح كثيرون أن تعيد الولايات المتحدة الآن النظر بسياستها في العراق والمنطقة، بعد أن تغير المناخ السياسي وأدركت أن الشعب يرفض النموذج الذي تفرضه إيران، واتضح ذلك من خلال الرسالة التي أكدها نائب الرئيس الأميركي، مايك بنس، الذي قال لرئيس الحكومة العراقية أثناء زيارته الأخيرة لبغداد "نحن شركاء في الديموقراطية وللشعب العراقي"، ولم يقل نحن شركاء للحكومة، في تعبير صريح عن تغير سياسة الولايات المتحدة التي على ما يبدو فقدت الثقة بالزعامات الشيعية، التي كشفت عن أسوأ سلطة فاسدة أضاعت فرصاً هائلة لتطوير الحياة السياسية والاقتصادية في العراق، وفق تقييمات ومؤشرات عالمية.

المزيد من تحلیل