Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مداولات أميركية سبقت اغتيال سليماني... وانتهت إليه

نقلت طهران مسرح المواجهة بالوكالة بعيداً من أراضيها... وعادت إلى تكتيكاتها السابقة ولكن بعد فوات الأوان

قوات الأمن العراقية تقف في حراسة أمام السفارة الأميركية في العاصمة بغداد (أ.ف.ب)

بعد اغتيال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، يبدو أن كفة الداعين إلى الاقتصاص من إيران رجحت في الولايات المتحدة، وأن القشة التي قصمت ظهر البعير "الأميركي" كانت الهجومين على القاعدة العسكرية "كي وان" على مقربة من  كركوك قبل أيام وحصار السفارة الأميركية واقتحامها. والإيرانيون أخطأوا الحسابات. فهم حسبوا، وحسبانهم كان في محله إلى فجر اليوم الجمعة، أن في وسعهم الضغط أكثر فأكثر على ترمب لجني مزيد من المكاسب، على ما لاحظ الشهر الماضي دنيس روس، مبعوث الرئيس الأميركي السابق والأسبق إلى المنطقة في عهد الرئيس جورج بوش الأب وبيل كلينتون وباراك أوباما، في مقابلة مع "لو موند" الفرنسية. فهم شعروا بفائض قوة حين لم ترد الإدارة رداً يُعتدّ به على هجمات أرامكو في سبتمبر (أيلول)، وانسحبت من شمال شرقي سوريا.

وربما وراء تهوّر الإيرانيين في استفزاز الأميركيين إدراكهم أن عقوبات ترمب الخانقة ترمي إلى تغيير نظام "الجمهورية الإسلامية الإيرانية"، وليس إلى انتزاع اتفاق نووي أفضل فحسب، وشعورهم بالذعر. فبين الهجوم على أرامكو المباغت من أراضيهم وبين اقتحام السفارة الأميركية، عمّت اضطرابات شعبية أصقاع إيران كلها في نوفمبر (تشرين الثاني) المنصرم، وتسرّبت أنباء تؤكد حمل أبناء الداخل الإيراني السلاح وردهم على القمع الدموي "الحرسي" وخروج مدينة ماهرشهر وضواحيها عن سيطرة النظام طوال ثلاثة أيام، على ما نقلت "نيويورك تايمز" وأكده وزير الداخلية الإيرانية.

 

أما على مستوى الداخل الأميركي، تندرج التعليقات الشاجبة لعملية الاغتيال، الصادرة عن عدد من النواب والشيوخ "الجمهوريين و"الديمقراطيين" الأميركيين، في سياقين، أولهما الانتخابات الرئاسية في نوفمبر المقبل ونازع الأميركيين إلى النهج الانعزالي، أي النأي عن التدخل في العالم وتحديداً في حروب الشرق الاوسط، وثانيهما يندرج في سياق شجب تجاوز الرئيس حدود صلاحياته في الأمر بعمليات اغتيال خارج الأصول القضائية. وهي نقاشات مدارها على صلاحيات رأس السلطة التنفيذية منذ انتهاج إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، سياسة الاغتيال "المسيّر". وهي نقاشات احتدمت بعد أمر أوباما باغتيال أنور العولقي، وهو مواطن أميركي، في اليمن جزاء دوره في تنظيم "القاعدة".

وفي ما يلي تفاصيل مداولات سبقت عملية اغتيال سليماني والمهندس:

إثر هجوم "الحشد الشعبي" على السفارة الأميركية في العراق، وهي صنو "بلدة أميركية مصغرة" على حد قول ماكس بوت في "واشنطن بوست"، أسهبت الصحافة الأميركية في تناول الحوادث، وبرز إجماع مضمر على أن كفّة طهران غلبت على كفة واشنطن في العراق.

لكن، هذا الإجماع لم يحمل على استكانة، بل على اقتراح خريطة عمل لوقف المد الإيراني. فعلى سبيل المثال، دعت "وول ستريت جورنال" في افتتاحيتها الصادرة في 30 ديسمبر (كانون الأول) إلى "ردع الإرهاب الإيراني" إذا ما واصلت طهران تأجيج التوتر. أولاً، عن طريق استهداف بنك أهداف للحرس الثوري الإيراني في سوريا والاحتذاء على الضربات الإسرائيلية. ثانياً، وفي مثابة دعوة إلى اغتياله، نبهت الصحيفة إلى أن قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني و"قائد أوركسترا" (منظّم) الأنشطة المعادية لأميركا منذ الحرب في العراق، هو هدف يُعتد به، فيداه ملطختان بدماء كثيرين من الأميركيين.

وعلى الرغم من تردد دونالد ترمب إزاء التدخل في الشرق الأوسط، فإن الانسحاب من العراق لا يخدم إلاّ مصلحةأعداء أميركا، فالميليشيات الإيرانية تتمدّد هناك، وينفخ هذا في النقمة السنية ويؤجّهها، وترتّب على هذه النقمة في يونيو (حزيران) 2014، "انفجار" الدولة الإسلامية في العراق وإعلان داعش "الخلافة" في الموصل.

ويقوّض الامتناع عن مواجهة إيران في العراق سياسة أقصى الضغوط على إيران التي تشنها إدارة ترمب، وهي بدأت تؤتي ثمارها مع تعاظم استياء الإيرانيين من النظام الحاكم، فهذا النظام يجني المكاسب الاقتصادية من إطلاق يده أكثر فأكثر في بلاد ما بين النهرين.

وتراجع الحشد الشعبي عن حصار السفارة الأميركية قد يظهر إدراك طهران أن الإدارة الأميركية لن تقف موقف المتفرج من استهداف الأميركيين، وأن مواصلة الهجوم يؤدي إلى حرب أوسع.

وليست الصحافة الأميركية فحسب من تناول حصار سفارة بلادها، فاقترح السفير الأميركي السابق في سوريا روبرت فورد، في تغريدة، شن طائرات الأباشي دورياً عمليات تستهدف تجهيزات إيرانية "حساسة"، وسلط الأنظار على وجه إيجابي في موازين القوى في العراق، فأعمال الميليشيات أو "سلوكها" على قوله، أثارت نقمة واستياءً كبيرين في جنوب العراق وغربه.

ودعا إلى ترك الغضب العراقي العام يعتمل ويفعل فعله وعدم المسارعة إلى ضربات استباقية، وهذه عملية طويلة وشائكة، وكذلك دعا إلى احتساب ثقل التاريخ في الإعداد للمستقبل. فلا يسع الولايات المتحدة اليوم إصلاح ما بدأ قبل 15 عاماً، أي بروز دور الميليشيات الإيرانية الولاء في العراق.

وفي 2005، تجاهلت واشنطن هذه المشكلة حين عُيّن سياسي مقرب من "منظمة بدر" في وزارة الداخلية العراقية، ومنذ ذاك الحين، رُسّخت الميليشيات في الأجهزة الأمنية العراقية، وإثر "خلافة" داعش، تعاونت أميركا مع هذه الميليشيات الراسخة في المؤسسات الأمنية والبيروقراطية.

أما جيرار آرو، سفير فرنسا السابق لدى واشنطن، فتوقع أن ترد إيران في ميدان معركة تصبّ فيه موازين القوى في مصلحتها، وهذا ما "رأيناه في الخليج ونراه اليوم في العراق".

الاتفاق النووي
ووجهت الصحافة الأميركية لائمة ما آلت إليه الأمور بالعراق في مواجهة إيران إلى الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، فهذا الاتفاق منح طهران 150 بليون دولار "أنفقتها بسخاء" على تسليح وكلائها في دول الجوار وتدريبهم. واليوم، تتوسل طهران هذه القوات في آن، لبسط أذرع نفوذها السياسي في دول الجوار والمياه الإقليمية والدولية، والتنصل من تبعات ما تقترفه.

لكن أميركيين آخرين، منهم ماكس بوت نبّه في "واشنطن بوست" إلى وجه إيجابي من هذا الاتفاق، واعتبر أنه كان أكثر الردود إيجابية على الخطر الإيراني منذ حرب الناقلات في عهد (الرئيس رونالد) ريغن.

فعلى الرغم من أن الاتفاق لم يقوّض قوة إيران الإقليمية، بل أسهم في تعزيزها حين رفع العقوبات الاقتصادية عن "الجمهورية الإسلامية"، إلاّ أنّه وضع حداً لتطوير البرنامج النووي الإيراني.

ولا يغفل بوت أن العقوبات الأميركية أحكمت الطوق على النظام الإيراني، فبدأ وكلاؤه بالرد: من الهجوم على ناقلات نفط في الخليج، مروراً بإسقاط طائرة درون أميركية، وشن هجوم على منشأة أرامكو النفطية في السعودية، وصولاً إلى قصف مجمع أميركي على مقربة من كركوك العراقية، فردت واشنطن بهجمات جوية في العراق وسوريا.

وواشنطن أمام مفترق طرق، إما التفاوض أو المواجهة والقتال، فما يجري حالياً من عملية مقابل عملية، قد ينفلت من عقال الضبط، لكن رغبة ترمب في التفاوض أو القتال فاترة، فهو شن حرباً اقتصادية على إيران من جهة، لكنه لم يُبادر إلى ما يقوّض اعتداءاتها الإقليمية من جهة أخرى، فقرار سحب القوات الأميركية من شمال سوريا سمح بتمدد النفوذ الإيراني. واليوم، إيران تخوض من جديد نزاعاً منخفض الوطيس مع أميركا، وجعبة الأخيرة خاوية من رد ناجع.

سبل مواجهة إيران
والبحث عن رد أو علاج ناجع "للإرهاب الإيراني" كان شاغل الأميركيين والدبلوماسيين الغربيين السابقين، فالسفير الفرنسي السابق لدى سوريا ميشال دوكلو، أثنى على سلسلة تغريدات إيلان غولدنبرغ عن سبل جبه طهران، ورأى أنها تسلّط الضوء على مكامن الضعف في جبه واشنطن التحديات الإيرانية في العراق. فغولدنبرغ عرض خلاصات توصل إليها مركز "سنتر فور نيو أميريكن سيكيوريتي"، الرامي إلى استراتيجية أمنية أميركية جديدة.

وتناول هذا المركز بالدراسة الاستراتيجية الإسرائيلية التي سمحت بأكثر من ألف غارة على أهداف إيرانية في سوريا، ولم تُشعل فتيل رد إيراني، والخطوات هي: أولاً، تجنب التبني العلني للضربات ما يخفّف الضغط على إيران، ولا تُضطّر تالياً إلى الرد والتصعيد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وليس الصمت الإسرائيلي عن عملياتها مطبقاً، فثمة مقالات تظهر بعد أيام تتناول الضربة في الصحافة من دون أن تجهر الانتساب إلى الدولة العبرية، وفي بعض الأحيان، يعلن بعض القادة والعسكريين مسؤوليتهم عن الضربة، فثمة فائدة تُرتجى من معرفة الإيرانيين مصدر الضربة، لكن التستر عن الجهة الضاربة لا غنى عنه في مستهل العمليات.

ثانياً، ضربات متكافئة وتقييد عدد الضحايا، فالإسرائيليون يتعمّدون أحياناً تفادي إصابة الهدف في المحاولة الأولى، ما يسمح لعددٍ كبيرٍ من عناصر الميليشيات الموالية لإيران وقوات الحرس الثوري بالفرار، فتصيب عصفورين بحجر: تدمير الأسلحة الإيرانية وتتجنب مفاقمة النزاع، والضربة الأميركية التي نجم عنها مقتل 24 عراقياً لم ترسِ الردع، وخالفت هذا النهج.

ثالثاً، احتساب دور لاعبين سياسيين بارزين، فبنيامين نتنياهو سعى إلى التفاوض مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وحاز موافقة من موسكو على شن عمليات في سوريا من جهة، وتجنّب تالياً اندلاع مواجهة إسرائيلية - روسية.

لكن واشنطن لم تنسّق الرد مع الحكومة العراقية، وكان في وسعها شن ضربة محدودة بعيداً من الأضواء، بوسع بغداد تأييدها أو الصمت عنها.

رابعاً، الاعتماد على معلومات استخباراتية واسعة الاطلاع، فتل أبيب تقول إنها ناشطة في هذا المجال قبل الإيرانيين وتتفوق عليهم في معرفة تفاصيل ما يجري في الميدان السوري، وهذا التقدم في المجال الاستخباراتي على الإيرانيين تُستمد منه الثقة للعمل في سوريا من دون استفزاز رد إيراني كبير.

ويرى غولدنبرغ أن واشنطن أخفقت هذا الأسبوع في التزام مثل هذه الاستراتيجية الناجحة، فواشنطن تبجّحت بالعمليات التي شنتها و"رمتها بوجه" الحكومة العراقية وإيران، ونشرت صور انتشار المارينز في السفارة الأميركية ببغداد، وذاعت تفاصيل مكالمات مع رؤساء أجانب تناولت المسألة، وعقدت مؤتمرات صحافية عن الضربات، ومثل هذه الخطوات استفزازي وغير رادع، بل ينفخ في التوتر و"التصعيد".

استئناف الحرب بالوكالة
لكن التستر على المسؤولية عن الضربات قد لا يكون الجواب الشافي عن المشكلة، على خلاف ما يزعم غولدنبرغ، ففي سبتمبر (أيلول) الماضي، لم تُعرف هوية الطائرات التي شنت هجمات على مواقع للإيرانيين في سوريا، تحديداً في مركز الإمام علي ومنطقة الحزام الأخضر والمنطقة الصناعية وفي قرية العباس بالقرب من مدينة البوكمال، والمعبر الحدودي مع العراق ومواقع أخرى في منطقة البوكمال بريف دير الزور.

ويرى مراقبون أن الهجوم الصاروخي على قاعدة عسكرية في ديسمبر (كانون الأول) المنصرم في جوار كركوك العراقية، وهو هجوم راح ضحيته مقاول أميركي، كان رداً "إيرانياً" على ضربة البوكمال.

وفي غمرة "ضباب الحرب" يعشى النظر، لكن الثابت أن طهران نقلت مسرح المواجهة  "بالوكالة" بعيداً من أراضيها بعدما غامرت بشن هجمات "أرامكو" من عقر دارها، وعادت إلى تكتيكاتها السابقة في الحرب غير المتكافئة. ولكن في الأثناء، لم تعد سياسة إدارة ترمب الانعزالية على ما عهدتها طهران، ولم تعد تنأى عن أي مواجهة ورد يعتد به. واليوم، الشرق الأوسط من جديد أمام المجهول في انتظار الرد الإيراني.

المزيد من تحلیل