هل بدأت عيوب التوافق بين الإسلاميين وخصومهم تظهر في تونس؟

ما من شك في أن التوافق التاريخي بين القوى السياسية الفاعلة في تونس أخرج البلاد من أزمات سياسية خانقة، إلا أن مساوئه بدأت تظهر لا سيما بعد القطيعة بين النهضة الإسلامي والنداء "التقدمي".

الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي (إلى اليمين) ورشيد الغنوشي زعيم حركة النهضة في مؤتمر النهضة التونسية في تونس العاصمة (رويترز)

يبدو أن التوافق بين الخصوم السياسيين الذي اختارته تونس بعد انتخابات العام 2014 لم يصمد، وبدأت أركانه تتصدّع حتى أن العديد يرون أن هذا النهج السياسي أضرّ بتونس في بعض المجالات اقتصادياً وأمنياً واجتماعياً أكثر ممّا أفادها. وعلى الرغم من إعلان رئيس الجمهورية التونسي، الباجي قايد السبسي في سبتمبر (أيلول) الماضي، انتهاء التوافق مع حليفته حركة النهضة، إلا أن الأخيرة أصدرت بياناً شدّدت فيه على التزامها مسار التفاهم القائم مع الرئيس السبسي، وتقديرها دوره الوطني منذ انطلاق الثورة، في إرساء ثقافة التشاور والحوار بين الفرقاء السياسيين، في مواجهة خيارات التفرد والإقصاء".

توافق من طرف واحد

أضاف بيان الحركة أن "الاختلاف في وجهات النظر حول قضايا البلاد لا يعني تنكُّرها للعلاقة المتينة التي تربطها بالرئيس التونسي، بل إن الاختلاف من صميم الحياة الديموقراطية ونتيجة جسامة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تشغل الرأي العام الوطني. وتواصل حركة النهضة تمسّكها بالحوار والتوافق وهذا ما بدا في بيانها الذي أصدرته أخيراً بعد انتهاء أعمال مجلس الشورى، الذي يؤكد أن ممارسات تسميم المناخ السياسي والإصرار على مهاجمة النهضة لن تزيد الحركة إلا ترسخاً في انتمائها الوطني، واستعدادها الدّائم للحوار والتعاون مع القوى الوطنية لمزيد تجذير الديموقراطية وفق البيان. وبالرجوع إلى الأسباب الحقيقية للقطيعة بين شريكَي الحكم في تونس، فإن قائد السبسي كان دعا الأطراف الشريكة في الحكم في مارس (آذار) 2018 إلى حوار جديد بخصوص وثيقة قرطاج (2)، للخروج بالبلاد من أزمتها الخانقة، وأفضت إلى توافقها على 63 نقطة اقتصادية واجتماعية في حين تركّز الخلاف على النقطة 64 المتعلقة بمصير حكومة يوسف الشاهد، فنداء تونس الحزب الذي أسّسه الباجي قائد السبسي واتحاد الشغل يريدان إسقاط الحكومة، في حين تمسّكت النهضة بالحكومة ورفضت إسقاط الشاهد، ووقفت الأطراف الأخرى في موقف الحياد. ويرى مراقبون سياسيون، أن نداء تونس "خان" ناخبيه بتوافقه مع حركة النهضة الإسلامية، خصوصاً أن حزب الباجي قائد السبسي مؤسس الحزب آنذاك أكد أن هدفهم منافسة النهضة وتحقيق التوازن السياسي.

التوافق المغشوش

وقال النائب أيمن العلوي من الجبهة الشعبية "إن حزبَي نداء تونس وحركة النهضة توافقا على طمس الملفات الحارقة التي تدينهما" بالتالي، كان مصير التوافق بينهما الفشل الذريع وفق تعبيره. وأوضح العلوي أن العمل البرلماني تأثر كثيراً بهذا "التوافق المغشوش" مفسّراً "وذلك من خلال تمرير مشاريع القوانين عن طريق الابتزاز، وتقديم تنازلات ليس لها مضمون سياسي، ولذلك كانت جملة التشريعات مشوهة". وتتهم الجبهة الشعبية حركة النهضة، باغتيال المناضل اليساري الأمين العام لحزب الديموقراطيين الموحد شكري بلعيد، ومحمد البراهمي الأمين العام لحزب التيار الشعبي.

مجبرون على التوافق

من جهة أخرى، تقول النائب عن كتلة الائتلاف الوطني والمستقيلة من نداء تونس ليلى الحمروني "نحن مجبرون على التوافق مع النهضة ككل الكتل الأخرى في مجلس نواب الشعب، لأن كتلتنا بمفردها لا تستطيع المصادقة على القوانين المهمة". وتضم كتلة الائتلاف الوطني نواباً مستقلين من نداء تونس وموالين لرئيس الحكومة يوسف الشاهد. أضافت الحمروني، أنهم منذ البداية بعد انتخابات العام 2014 كان نداء تونس مجبراً على التوافق مع النهضة، لأن حزب الجبهة الشعبية آنذاك رفض التصويت على كل قانون تصوّت عليه كتلة النهضة بسبب ملف الاغتيالات السياسية التي حصلت في فترة الترويكا وفي عهد وزير الداخلية علي العريض من النهضة. وتقول الحمروني، إن هاجسنا تكوين الحكومة والمصادقة عليها، إضافة إلى ترسانة القوانين التقدمية والطلائعية وقانون الميزانية، بالتالي، وجدنا أنفسنا مجبرين على التوافق مع النهضة لاستقرار البلاد وتمرير هذه القوانين. وسبق أن اتهمت النائب عن كتلة الائتلاف الوطني ليلى الحمروني في جلسة نواب الشعب حركة النهضة بتفتيت حزب نداء تونس والتلاعب به.

بالتوافق أبعدنا شبح الإضراب

قال القيادي في حركة النهضة رئيس مجلس الشورى عبد الكريم الهاروني من جهته، خلال انعقاد الدورة الـ 25 لمجلس شورى الحركة، إنهم بالتوافق أبعدوا شبح الإضراب العام المزمع تنفيذه هذا الشهر، مضيفاً أن حملة تشنّ ضد حركة النهضة في سنة انتخابية لتشويهها، ويضيف أنهم ليسوا طرفاً في أزمة نداء تونس ولا يتمنّون تقسيم أي حزب أو إضعافه لأن الديموقراطية وفق تفسيره، تقوم على أحزاب قوية، ويتابع الهاروني أن الحركة ترحّب بكل حزب ينافسها، متمنياً أن يكون نداء تونس حاضراً لمنافستهم في انتخابات العام 2019 مؤكداً أن حركة النهضة ترحب بكل التوافقات السياسية مع أي حزب بعد الانتخابات المقبلة. وقال الهاروني في مقابلة إذاعية بخصوص التوافق "نحن داخل النهضة مع استقرار الحكومة وحل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، ولسنا مع رئيس الحكومة ضدّ رئيس الجمهورية أو العكس. ومن يقول إن إنهاء التوافق مع رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي دفعه إلى العمل ضدنا مخطئ وفيه اتهام مباشر لأعلى هرم في السلطة". أضاف "حركة النهضة تحترم رئيس الجمهورية، وتحترم دوره في توحيد كل الأطراف، مستدركاً بأنهم ليسوا في تبعيّة له" وموضحاً "يمكن أن نختلف معه على غرار ما حدث في مشروع المصالحة الأول والمساواة في الميراث لكن الاختلاف لا يعني اندلاع فتيل الحرب بيننا".

من يحكم تونس؟

ترى الكاتبة والناشطة الحقوقية والسياسية نزيهة رجيبة أن "التوافق كان منذ البداية تلفيقاً عجيباً ولم يقم على أية فكرة أو مشروع لخدمة تونس، بل كان اقتساماً للسلطة ومناطق النفوذ"، وتعتقد رجيبة بأن عيوب هذا التوافق واضحة من الأساس، إذ لم يحصل انسجام بين القواعد (وهي كانت ولا تزال متعادية) ولا في مستوى الفريق الحكومي، الذي رُوعي فيه ملء المناصب على قاعدة الولاء لا الكفاءة، ولم ينتج من ذلك أي إنجاز وفق رأيها.  تضيف رجيبة، أن التوافق كان حلفاً بين السبسي والغنوشي، لتمرير قوانين أو سياسات لصالح الحزبين "موضحة"، أن هذا يتغاضى عن تدخّل العائلة غير المشروع، ويمرّر قانون حماية الفاسدين، والسبسي، يتغاضى عن أسلمة المجتمع في العمق ويوفر له شهادة حسن سلوك أمام الغرب"، مضيفة "خصوصاً أنه يحميه أو بالأحرى، يهدده ببعض ما ينسب إليه من علاقة بالإرهاب والاغتيالات". هذا التوافق تقول رجيبة "كل هذا انتهى الآن، فتونس لا تعرف من يحكمها... ولم يعد هناك أي تحالف إلا في تأخير نشأة المؤسسات الدستورية (المحكمة الدستورية)، والتصويت على قوانين سيئة بالنسبة إلى المسار الديموقراطي مثل قانون العتبة المزمع سنّه، الذي يراد منه إقصاء القوى الأخرى وبقاء الوضع على ما هو عليه". وتشير رجيبة إلى ما "يقال، إن السبسي الذي كان كشفُ حقيقة اغتيال بلعيد من بين وعوده الانتخابية... يعرف هذه الحقيقة، لكنّ إخفاءها لضرورات التوافق"، وأنهت رجيبة كلامها بلهجة لا تخلو من التهكّم "يبدو أن حزب رئيس الحكومة الجديد "تحيا تونس"، سيخلف النداء في التوافق المغشوش والمعطل للمسار الثوري والديموقراطي".

المزيد من العالم العربي