الخلافات الداخلية في حركة السترات الصفر دليل على عمق الانقسام في صفوفها – لكن هذا لا يكفي ليُلحق ماكرون الهزيمة بها

جميع المخرّبين الذين رأيتهم بدا وكأنهم يتظاهرون إيماناً بامتيازات العرق الأبيض. لسبب غامض لم يُتصدَ لكثير من المخربين في العاصمة.

 صورة لإيريك درويت ، أحد الشخصيات البارزة في حركة "السترة الصفراء" ، في بداية مسيرة في باريس (أ.ف.ب)

كل من تابع تظاهرات حركة السترات الصفر الفرنسية في شوارع باريس للسبت الثالث عشر على التوالي نهاية الأسبوع الماضي، شهد بضعة حوادث مرعبة تكاد لا تصدّق.     

أحد المتظاهرين فقد أربعة من أصابع يده في تفجير سببته توسل قوات الشرطة بذخائر أمام مقر الجمعية الوطنية الفرنسية. حدث ذلك أثناء سعي رجال الشرطة إلى منع اعتداء كبيرٍ على مقر البرلمان الفرنسي.

في وقت لاحق، أُحرقت مركبة تابعة لدورية مكافحة الإرهاب أسفل برج إيفل. وأثناء تصاعد ألسنة اللهب البرتقالية اللون، لفّت غيوم كثيفة من الدخان الأسود برجَ إيفل، والذي يُعتبر عادةً رمزاً راسخاً يمثّل مدينة الحب والأنوار. هل باريس تحترق؟ هذا عنوان فيلم حربي كلاسيكي من بطولة كيرك دوغلاس وآلان ديلون وأورسون ويلز، واليوم صار سؤالاً وثيق الصلة بالحالة الراهنة. ولكن هذا المشهد لم يكن أكثر المشاهد إثارة للصدمة ذلك اليوم.

المشهد الصادم فعلاً وقع في مدينة ليون، جنوب شرق فرنسا، عندما حوّلت عصابات متخاصمة من أعضاء حركة السترات الصفر هذه المدينة إلى ميدان معركة. مشاهد غريبة نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي أظهرت موالين لليمين المتطرف يتواجهون مع يساريين مناهضين للرأسمالية. وكان من المفترض أن يكون هذان الطرفان متّحديْن ضد الرئيس إيمانويل ماكرون ونظام الحكومة التي يمثّلها، لكنهما عوض ذلك خاضا مواجهات.

والمثير للحيرة هو كيف تمكّن المتواجهون من الطرفين من التمييز بين الصديق والعدو، لا سيما أنهم جميعاً يرتدون سترات راكبي الدراجات النارية العاكسة للضوء التي تُميّز أعضاء حركة السترات الصفر. وهذا الاقتتال بين الطرفين هو أكثر إنباءً بحال حملتهم المشتتة الصفوف وغير المنظمة من أي أمر آخر. ومع أنّ خلافات شديدة تمزّق هذه الحركة، إلّا أنها لا تزال إحدى أكثر الحركات الاحتجاجية نجاحاً في التاريخ الفرنسي الحديث.

ما عليك إلا أن تعود بالزمن ثلاثة أشهر لترىَ مآلهم ومسار تقدمهم. ففي 17 نوفمبر (تشرين الثاني) خرج حوالي 300 ألف من محتجّي السترات الصفر في تظاهرات عمّت فرنسا، مطالبين بخفض أسعار الوقود. لم يكن للحركة أي قادة رسميون، وكان قوامها آلاف من الناس الذين يتواصلون عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وبالإضافة إلى جعل السبت يوماً للتظاهرات، أمضى بعض المحتجّين أيام الأسبوع في إغلاق الميادين والمستديرات ومصافي النفط ومحطات الخدمات على الطرق السريعة.

في بادئ الأمر كانت الغاية تنظيم تظاهرات سلمية، لكن سرعان ما اتخذت الأمور منحى قميئاً: تزامن الشغب مع جرائم، بما في ذلك إحراق أملاك تعود إلى مَن تعتبرهم الحركة أعداءً لها. مع ذلك، أذعن ماكرون للحشود. فتراجع الرئيس الفرنسي في خطوة نمّت عن ضعف كبير عن أبرز الالتزامات السياسية الحكومية، ومنها ضرائب بيئية على الوقود والديزل.         

إن الرؤساء الفرنسيين معروفون بإذعانهم لمطالب الشارع، لكن سخاء ماكرون فاق سخاء معظمهم. وإلى تراجعه عن الضريبة البيئية، برزت رحابة صدره في قرارات أخرى اتخذها، بدءاً من رفع الحد الأدنى للأجور 7 في المئة، وانتهاءً بدعوة ممثلي السترات الصفر إلى زيارة مؤسسات الجمهورية الخامسة التي يبغضها كثير منهم. وسوّغ ماكرون انعطافه هذا بالحاجة إلى المصالحة واستمالة أشدّ منتقديه إلى جناحه المحظي.

لكن كل هذه القرارات ارتدت عليه وأدت على نحو مذهل إلى نتائج عكسية. فعوض أن تكون فاتحة تعاون، عمّت فوضى عارمة البلاد. "ماكرون دفعني إلى التطرف" هو أحد الشعارات التي كُتبت على ظهر كثير من السترات في مظاهرات يوم السبت.

في اليوم نفسه، قدّم ريشار فيران، رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية وحليف ماكرون المقرّب، شكوى أمام المدعي العام ضد مجهولين أحرقوا منزله في دائرته الانتخابية بمنطقة بريتاني. وهذا الحادث فاقم القلق من رؤية عصابات الشباب الملثمين – معظمهم طلاب من الطبقة الوسطى – وهم يحطّمون الزجاج المقوّى الذي يغطي واجهات عشرات البنوك والمكاتب العقارية في باريس، ويضرمون النار في سيارات تحمل شارات أبرز الماركات.

كما هي الحال مع المخرّبين الذين استهدفوا فيران، لسبب غامض لم يُتصدَ لكثير من المخرّبين في العاصمة. فجميع المخرّبين الذين رأيتهم بدا وكأنهم يتظاهرون إيماناً بامتيازات العرق الأبيض، لذا يتصرفون وكأن مكانتهم كفرنسيين "أقحاح" تعطيهم الحق بالتخريب. والاعتقالات اقتصرت على عدد قليل منهم. وكان الاعتقال ليكون مصيرهم في أقل من خمس دقائق إذا تصرفوا على هذا المنوال في وضح النهار لو كانوا من أصحاب البشرة الداكنة المتحدرين من المهاجرين، وهؤلاء يُلاحظ غيابهم عن الساحة منذ بداية الاحتجاجات.

حتى عندما بدأ متظاهرو السترات الصفر بتحطيم الزجاج المضاد للرصاص المصمّم لحماية برج إيفل من الهجمات الإرهابية، اكتفت الشرطة بإطلاق أسلحة كيماوية، غازات مسيّلة للدموع، باتجاه المتظاهرين عموماً. ولم تأخذ الشرطة أبداً في الاعتبار أن الكمية الكبيرة من الغاز المُركّز ستزعج السياح، بما في ذلك الأطفال، وتعرضهم للخطر. ويرجح أن يؤجج استخدام مثل هذه المواد المؤذية العنفَ أكثر مما يوقفه.

وعلى الرغم من أن الشرطة أصابت بعض المتظاهرين بأضرار بالغة مزقت أعضاء وأعين بعضهم بواسطة قنابل غير فتاكة ورصاص مطاطي، وعلى الرغم من أن ضباط الشرطة انهالوا بالضرب على الرجال والنساء بالهراوات، تبقى جهودهم المبذولة لمنع الشغب وحفظ النظام بالمحصلة مُقيدة ومنضبطة. وإلى اليوم، فاق عدد قتلى تظاهرات السترات الصفر عتبة العشرة قتلى، والغالبية العظمى من المآسي كانت وراءها حوادث سير.

حين نظرتُ السبت إلى صفوف ضباط قوة مكافحة الشغب، وهم يعملون بأجر منخفض، خرجت بانطباع أن ثمة رابطاً قوياً بين كثيرين منهم وبين من كُلفوا بالسيطرة عليهم، أي متظاهري السترات الصفر من أصحاب البشرة البيضاء العنيفين والساخطين.

 في الحقيقة، بغض النظر عن طابعها الاستعراضي فإن حركة السترات الصفر لها وزنها. فهي ظاهرة جديدة في أوروبا الغربية، وهي حركة فضفاضة للتعبير عن المعارضة، وهي مقسمة الصفوف على قدر ما هي فعّالة. والسبت الماضي، رفع المتظاهرون رايات حمراً كثيرة، بما في ذلك أعلام قديمة للاتحاد السوفياتي ورايات تشي غيفارا، كما رُفعت أعلام تُظهر قرباً بين فرنسا وفنزويلا بقيادة نيكولاس مادورو. وحمل غيرهم رايات ملكية ورايات تُظهر رموزاً تدعم خروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي، "فريكست"، ووضع حد نهائي للهجرة إلى فرنسا.

تسلط الأضواء اليوم على الأيديولوجيات المتطرفة – النازيون الجدد من اليمين المتطرف من جهة، والماركسيون التروتسكيون من جهة أخرى – لكن هناك كثيرين في منزلة الما بين. سيترشح بعض أعضاء حركة السترات الصفر إلى انتخابات البرلمان الأوروبي في مايو (أيار)، وهم يدعون إلى استفتاءات تحاكي استفتاء بريكست في كل المسائل المهمة. ويشارك بعضهم الآخر في النقاشات المطوّلة التي ينظمها ماكرون لمحاولة امتصاص غضب المتظاهرين. كما يطالب كثيرون بإقالة أعضاء الحكومة الفرنسية الفاسدين، الذين يخدمون مصالحهم الشخصية، من مناصبهم المريحة – باستخدام القوة إن تطلب الأمر. 

وتتسم رسوم الغرافيتي في التظاهرات الفرنسية عادة بالفصاحة والحكمة، واسترعى الانتباه يوم السبت اقتباس من القس الكاثوليكي هنري كرويي، المعروف بأبي بيار. خُطَّ الاقتباس على جدار قريب من مقر الجمعية الوطنية، البرلمان، ومفاده "من يملكون كل شيء...هم من يريد السلام!". وحركة السترات الصفر لا تريد السلام. وهي تسبغ على كل من ضاق ذرعاً بالوضع الحالي في فرنسا مكانةً فورية أو مرتبة، وتسلّط عليه الأضواء الإعلامية. ونفخت قرارات ماكرون في قوة السترات الصفر وزادتها قوة، وعليه الآن أن يُقرّ بأنها حركة طموحة، على الرغم من عمق الانقسام بين صفوفها.

© The Independent

المزيد من آراء