Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لبنان في زمن الأعياد... أمنية واحدة

"تضيع الأماني بين رغبة في الموت والأمل في حياة أفضل"

عندما تكون الأعياد مناسبة لتبادل الهدايا والاجتماع حول وليمة بالنسبة إلى البعض ثمة مَن يختلف هذا الزمن لديه تماماً (اندبندنت عربية)

عندما تكون الأعياد مناسبة لتبادل الهدايا والاجتماع حول وليمة بالنسبة إلى البعض، ثمة مَن يختلف هذا الزمن لديه تماماً. فالعيد لا يعني للكل الهدايا والفرح والمتعة، بل قد لا يحمل معه للبعض إلا الفقر والمزيد من الأسى والحزن والدموع. هكذا يأتي العيد لعائلة أيوب في لبنان التي تبدو الهدايا أمنية كبيرة لأفرادها، لا يجرؤون عليها. أما تمنياتهم في العيد فتنقل كل الوجع الذي في حياتهم وتعكس أحزاناً تعجز زينة العيد عن تخفيفها.
 

الموت أرحم

 

الياس وتيريز وميشال ثلاثة أشقاء يعانون إعاقات منذ الطفولة، وليس لهم في الحياة إلا شقيقتهم جان-دارك التي تخصص حياتها لرعايتهم. أكثر ما يلفت في الأشقاء الأربعة الذي هم في السيتينيات من العمر، عزة النفس التي لديهم وحرصهم الشديد على كراماتهم التي تشكل أولوية لديهم. إلا أن ظروف الحياة وضعتهم في موقف أصبحوا فيه يتمنون الموت بدلاً من الاستمرار في حياة لم تبق فيها أي لذة ولا يجدون فيها إلا الفقر والعوز والبؤس. لا يذكر الياس المرة الأخيرة التي خرج فيها من المنزل فهي تعود إلى أكثر من 20 سنة. فيمضي نهاره جالساً على كرسيه الخشبي بانتظار المساء إلى أن يحين موعد النوم. أما تيريز التي أصيبت في طفولتها بشلل الأطفال، فكانت تتنقل إلى حد ما على عكازيها، لكن شاء القدر أن تقع أرضاً في إحدى المرات وتكسر كتفها ويتزايد ضعف عضلات ذراعيها. وفقدت منذ ذلك الوقت، القدرة على الاتكاء على عكازيها اللذين لا يزالان منتصبين قربها على الكنبة التي لم تبارحها منذ أكثر من سنة ونصف السنة، علّها تحقق حلمها باستخدامهما من جديد في يوم من الأيام. تروي جان-دارك عن أشقائها الثلاثة بحرقة وبعينين دامعتين "مذ كانت شقيقتي في الشهر الثاني من عمرها أُصيبت بالحمى ثم بشلل الأطفال. كذلك بالنسبة إلى شقيقي الذي أُصيب بالشلل بسبب خطأ طبي. أما شقيقي الثالث فمنذ سن 8 سنوات أُصيب بداء في المفاصل بسبب حادثة تعرض لها. لذلك هو عاجز تماماً عن الحركة ويضاف إلى ذلك أنه أُصيب بفتق (فتاق بالعامية) بلغ وزنه إلى اليوم 30 كيلوغراماً بعدما تزايد حجمه بسبب عدم قدرته على إجراء العملية الجراحية اللازمة. لا يمكنني أن أتركهم أبداً وأخصص وقتي كاملاً لرعايتهم والله معي لا يتركني ليزودني بالقوة حتى أبقى إلى جانبهم وأعتني بهم. لا أريد من الحياة إلا الصحة لأظل قادرة على رعايتهم".
 
فترة صعبة
 

 

تشبه فترة الأعياد هنا بقية أيام السنة، فيحتار أفراد العائلة حول ما لهم من أمنيات وكأنهم لا يجرؤون على ذلك. فيبدو وكأنهم يخجلون من التمني أو الحلم، فكأن الأحلام غير مسموحة لهم في ظل ظروف الحياة القاسية. فهل يتمنون لو تؤمَن لهم إمكانات العلاج الذي لا يتوافر لهم على الرغم من بطاقة المعوقين التي بحوزتهم من دون أن تفدهم يوماً بشيء ولم يعترف بها أي مستشفى؟ أو أنهم يتمنون لو يؤمَّن إيجار المنزل الذي يسكنون فيه والذي لم يدفعوا بدلاته إلى المالك منذ سنتين؟ أم يتمنون لو تُسدّ ديونهم التي أرغموا عليها ليتمكنوا من تأمين أبسط حاجاتهم؟ أم قد يكون الغذاء أمنيتهم الأهم في العيد؟ هم ينظرون بعيون حائرة حول ما يمكن أن يتمنوه في العيد لأن الحاجات كثيرة والأحلام كبيرة إنما الواقع مر وصعب. بعد تفكير تحني تيريز رأسها بخجل لتطلب غطاءً جديداً بدلاً من ذاك الذي تبدو عليه علامات الزمن بسبب استخدامه المتواصل أثناء جلوسها على كنبتها. وتعجز عن حبس دموعها حين تذكر أن أصعب ما في حياتها هو عجزها عن الاتكال على نفسها والنهوض من على الكنبة، واضطرارها إلى الجلوس عليها طوال الوقت منذ حوالى سنتين.
أما الياس فيومئ برأسه بحياء وابتسامة كون الأماني تبدو كلّها بعيدة المنال في ظل هذه الحياة التي يعيشها مع أخواته.
 

"الله معنا"
 
في المقابل تؤكد جان-دارك أن في مشوارها في هذه الحياة إلى جانب أشقائها، يبقى الله إلى جانبهم ولا يتخلى عنهم ويبقى للعيد أهمية خاصة لديهم على الرغم من هذا الوضع، نظراً إلى ما يحمله من معاني ذات أهمية كبرى بالنسبة إليهم. فلا تتمنى في العيد إلا الصحة لتظل قادرة على رعاية أخوتها.
كما تؤكد أن ثمة أيادي بيضاء خيّرة تتقدم بالمساعدة لهم من وقت إلى آخر وإن بشكل رمزي ليتمكنوا من تأمين أبسط حاجاتهم والأدوية الكثيرة التي يحتاجونها. وتتذكر اليوم الذي توفي فيه والدها وأوصاها بأشقائها طالباً منها عدم التخلي عنهم. وتقول "الصعوبات كثيرة نواجهها في الحياة اليومية لكن أصعب ما يمكن أن أواجه هو أن يُصاب أحد أخوتي بمكروه فهذا ما لا يمكن أن أتحمله. هم يصلون إلى الموت في كل مرة ويعودون ولا يمكن أن أحتمل ذلك. منذ فترة اضطررنا إلى إدخال شقيقي الياس إلى المستشفى لكن لا تغطية صحية لنا واضطررنا إلى الاستدانة كي توافق المستشفى على استقباله". وتتابع ودموعها تنهمر على خديها "يتمنى أخوتي الموت يومياً ليرتاحوا من هذه الحياة التي يعيشونها. إذ أمضوا حياتهم كلها بهذا الشكل. أي أمل لهم ونحن نعيش حياتنا بانتظار أن نجد من أهل الخير مَن يساعدنا في تأمين لقمة العيش؟ ومَن يرأف بحالهم فيمد لنا يد العون؟ لا أوفر جهداً لأحقق ما يتمنونه على الرغم من أن هذا صعب عليّ في هذه الظروف. لكنني قد أفعل أي شيء من أجلهم فأقول لنفسي دوماً أنه يكفي ما يعيشونه من مآسي هذه الحياة الصعبة في المنزل، حيث يمكث الياس في المنزل منذ 20 سنة لم ير خلالها الطريق العام وكذلك تيريز التي باتت عاجزة عن التنقل حتى في المنزل منذ عام ونصف العام وكذلك ميشال على كرسيه المدولب. نخشى المرض لأننا لا نملك إمكانية الاستشفاء".
في زمن الأعياد تغيب أجواء العيد في منزل العائلة ويطغى حزن وفقر تعانيه عائلة لم ترحمها الأيام بما فيها من مآسٍ منذ 50 أو 60 سنة. تضيع الأماني بين رغبة في الموت علّه يكون بمثابة خلاص لهم وبين الأمل في حياة أفضل وإن كان ذلك الحلم أكبر من الواقع الذي يعيشونه.