السيستاني يدعو البرلمان إلى سحب الثقة من الحكومة... وعبد المهدي يلوح بالاستقالة

العراقيون يحتفلون في ساحة التحرير والتظاهرات تعود إلى الناصرية والنجف وسقوط 15 قتيلا

أعلن رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، الجمعة 29 نوفمبر (تشرين الثاني)، عزمه على الاستقالة بعيد دعوة المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني مجلس النواب العراقي إلى سحب الثقة من الحكومة.
وأعلن البرلمان انه سيعقد جلسةً طارئة الأحد، لمناقشة احتمال استقالة عبد المهدي.

وعلى الرغم من ذلك، استمرت دوامة العنف في مناطق الجنوب الزراعية والقبلية حيث تهدد الفوضى المنطقة منذ أن ظهر مسلحون قبليون لحماية متظاهري الناصرية من جهة ومسلحون مدنيون أطلقوا النار على محتجين في النجف.

وقتل الجمعة 15 متظاهراً في الناصرية التي تشهد صدامات دموية منذ الخميس، كما قتل آخر في بغداد وخمسة في النجف حيث أطلق مسلحون بلباس مدني النار على متظاهرين أمام مقر حزبي، وفق شهود وأطباء.

واللافت أن قرار عبد المهدي (77 عاماً) يأتي بعد شهرين من حركة احتجاج ضد النظام وعرابه الإيراني. وقد شهدت الاحتجاجات سقوط 420 قتيلاً في العاصمة بغداد ومناطق الجنوب ذات الغالبية الشيعية.

ويبدو أن موقف المرجع السيستاني هو المؤثر الأول في توجه عبد المهدي إلى الاستقالة، إذ إن الاحتجاجات الغاضبة دعت منذ الأول من أكتوبر (تشرين الأول) إلى "إقالة الحكومة" وتغيير الطبقة السياسية التي تسيطر على العراق منذ 16 عاماً، مع اتهامها بالفساد وهدر ثروات هذا البلد. وقد جاء تصريح عبد المهدي بعد ساعات من خطبة الجمعة.

وقال السيستاني في خطبة الجمعة التي تلاها ممثله السيد أحمد الصافي في كربلاء، إن "مجلس النواب الذي انبثقت منه الحكومة الراهنة مدعوّ إلى أن يعيد النظر في خياراته بهذا الشأن ويتصرف بما تمليه مصلحة العراق والمحافظة على دماء أبنائه، وتفادي انزلاقه إلى دوامة العنف والفوضى والخراب".

وجاء في بيان عبد المهدي "سأرفع الى مجلس النواب الموقر الكتاب الرسمي بطلب الاستقالة من رئاسة الحكومة الحالية ليتسنى للمجلس إعادة النظر في خياراته".

معاودة الاحتجاجات بعد يوم دام

بعد يوم دام، سقط فيه مئات القتلى والجرحى في ثلاث مدن عراقية، نزل المحتجون مجدداً إلى الشوارع والساحات يوم الجمعة في عدد من المحافظات، فيما غصت ساحة التحرير وسط بغداد بآلاف المتظاهرين، في تحد واضح للقمع الدموي الذي مارسته الحكومة ضد المتظاهرين منذ مطلع الشهر الماضي.

وفي الديوانية جنوب العراق، خرج السكان لاستقبال قتلى تظاهرات الليلة الماضية، وقد شيّعهم ذووهم للدفن في مقبرة السلام بمدينة النجف، التي أرسلت هي الأخرى كوكبة من محتجيها الذين سقطوا بنيران الأمن إلى مثواهم الأخير.

وما إن توجهت قوافل التشييع نحو النجف، حتى عاد محتجو الناصرية إلى ساحة الحبوبي وبعض الشوارع الرئيسة، فيما عاودت قوات الأمن استخدام الرصاص الحي بزعم تفريق متظاهرين اقتربوا من مقر قيادة الشرطة، وأبلغ مسعفون عن سقوط ثلاثة قتلى وعدد من الجرحى، يوم الجمعة.

"الاستخدام المفرط" للقوة

وقالت متحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية الجمعة "نشارك المتظاهرين أسباب قلقهم المشروعة"، مضيفةً "نواصل حض الحكومة العراقية على المضي قدماً بالإصلاحات التي يطالب بها الشعب وبينها تلك المرتبطة بالبطالة والفساد وإصلاح النظام الانتخابي"، من دون أن تتطرق مباشرة إلى قرار رئيس الوزراء.

وندّدت باريس بـ"الاستخدام المفرط" للقوة ضد المتظاهرين، وقالت الخارجية الفرنسية في بيان إنّ "فرنسا تدين بشدة الاستخدام المفرط وغير المتكافىء للقوة بحق المتظاهرين في بغداد ومدن الجنوب، خصوصاً الناصرية، ما أدى إلى سقوط قتلى وعددٍ كبير من الجرحى".

وأضافت الوزارة "تكرر فرنسا تمسكها بحق التظاهر السلمي وتدعو جميع الأطراف إلى الامتناع عن أي عمل عنيف يعرض المشروع الديموقراطي الذي يطمح إليه الشعب العراقي للخطر".

وكان جنوب العراق اشتعل الخميس بعد عملية قمع نفّذها قادة عسكريون، أرسلتهم سلطات بغداد بعيد حرق القنصلية الإيرانية في النجف وسط هتاف المحتجين "إيران برا".

وأُقيل كبير الضباط الذين أوفدتهم بغداد الخميس إلى الناصرية وذلك بعد مقتل 28 متظاهراً في بضع ساعات ببالرصاص الحي.

وندّدت الأمم المتحدة بذلك، قائلة إن "العدد المتنامي للقتلى والجرحى أمر لا يطاق".

الرقص فرحاً

وأشاع إعلان عبد المهدي عزمه على الاستقالة أجواء بهجة في ساحة التحرير مركز حركة الاحتجاج. وتخلّى الشبان عن الحجارة التي يدافعون بها عن أنفسهم لينخرطوا في الرقص فرحاً بالخبر.

وقال أحد المتظاهرين لوكالة الصحافة الفرنسية "هذا أول نصر لنا، وستكون هناك انتصارات أخرى على الآخرين" من السياسيين الذين يعتبرونهم فاسدين وغير أكفاء ويعملون لحساب القوى النافذة في العراق وأولها إيران.

وأضاف وسط هتافات وأبواق عربات "التوك توك" الثلاثية العجلات التي باتت رمز الاحتجاجات في بغداد "إنه إنتصار كذلك للشهداء الذين سقطوا" خلال الاعتصامات.

واعتبر المتظاهر علي حسين من ساحة الحبوبي وسط مدينة الناصرية، جنوب بغداد، أن "هذه خطوة مهمة على الرغم من كونها متأخرة، وبعد أيام دموية، خصوصاً هنا في الناصرية".

في مدينة الديوانية، جنوب البلاد، حيث أُقيم تشييع رمزي تكريماً لـ46 متظاهراً قُتلوا الخميس بالرصاص في مدن متفرقة من البلاد، أعرب متظاهر عن سعادته، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن "مشكلتنا ليست رئيس الوزراء (فقط)، نريد أن ترحل جميع الأحزاب"، في إشارة لفشل السياسيين في إدارة البلاد وما ترتب على ذلك من سوء الخدمات وفساد وارتفاع معدلات البطالة في العراق الذي يُعد بين أغنى دول العالم بالنفط.

أغنى دول العالم

وفي العراق الذي يُعتبر أحد أغنى دول العالم نفطاً، فإن خمس السكان يعيشون تحت خط الفقر، وتعاني البنى التحتية من الترهل ولم يتم أبداً تجديدها، في وقت تبخر في 16 سنة ضعفا الناتج الإجمالي في جيوب سياسيين ومستثمرين مشبوهين.
ورحبت جهات بينها كتل سياسية بالدعوة التي كان أطلقها المرجع الشيعي، وقال تحالف النصر بزعامة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي "ندعو مجلس النواب العراقي إلى عقد جلسة خاصة غداً (السبت) لسحب الثقة من الحكومة وتشكيل حكومة جديدة مستقلة".
وكان الزعيم الشيعي مقتدى الصدر أكد مراراً أن عدم استقالة الحكومة سيكون "بداية النهاية بالنسبة إلى العراق".

وأعرب تحالف "الفتح" الذي يمثل فصائل الحشد الشعبي، المدعومة بغالبيتها من إيران، ويعتبر ثاني أكبر الكتل البرلمانية، عن موقفه المؤيد لتوجيهات المرجعية الشيعية. وقال قيس الخزعلي، أحد أبرز قادة فصائل الحشد الشعبي في تغريدة "أمري لأمركُم مُتبع"، في إشارة إلى المرجعية الشيعية.

ومن المقرر أن يجتمع البرلمان الأحد في وقت لم يشهد العراق منذ الإطاحة بالرئيس صدام حسين في 2003، رحيل رئيس حكومة قبل نهاية ولايته.

وعلى الرغم من قمع التظاهرات، يواصل المحتجون التمسك بمطالبهم بـ"إسقاط النظام" السياسي الذي شكله الأميركيون بعد القضاء على نظام صدام حسين، خصوصاً مع النفوذ المتنامي لإيران سواء في صفوف الطبقة السياسية أو على الصعيد الاقتصادي.

إبادة جماعية

في السياق، أوضح الخبير القانوني علي التميمي أن رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي خرق الدستور عندما ذهب إلى تشكيل خلايا أمنية للتعامل مع التظاهرات، مشيراً إلى أن هذه الإجراءات تصل إلى حد إعلان "الأحكام العرفية".

وأشار التميمي إلى إن "ما حصل من قرارات مستعجلة، أدت إلى قتل المتظاهرين في الناصرية والنجف وغيرهما، بمثابة إبادة جماعية وفق اتفاقية منع الإبادة الجماعية 1948 التي عرّفتها بأنها القتل المنظم واستهداف فئات المجتمع"، مؤكداً أن "العراق مُوقع على هذه الاتفاقية".

ورأى التميمي أن "استمرار التجاوزات للقانون الدولي ومنها قتل المتظاهرين وحجب الحرية الصحافية والاعتقالات الإدارية، كلها تضع رئيس الوزراء في واجهة الاتهام الدولي وفق المواد 6 و7 من قانون المحكمة الجنائية الدولية وأيضاً المادة 28 من قانون هذه المحكمة التي قالت إن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم".

وأضاف أن "توثيق هذه الجرائم مهم مستقبلاً سواء عن طريق الفيديوات أو الصور أو الشهود، فهذه هي الأدلة التي تعتمدها المحكمة الجزائية الدولية".

بالون استقالة الحلبوسي

لم يكن مفاجئاً، البالون الذي أطلقه رئيس البرلمان محمد الحلبوسي بشأن استقالته المحتملة، فحالة التخبط السياسي السائدة حالياً في العراق، تسمح باختبار أي نوع من الأفكار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكانت وسائل إعلام مقربة من السلطات نشرت أنباء عن نية الحلبوسي تقديم استقالته، احتجاجاً على الاستمرار في قتل المتظاهرين، ليتبين لاحقاً أن هذه الأنباء انتشرت بالتنسيق بين مكتب رئيس البرلمان وصحافيين متعاونين.

وقال معلقون سياسيون إن الحلبوسي، اختار أن يسرب هذه الأنباء قبيل موعد خطبة السيستاني يوم الجمعة، إذ كان يتوقع أن تتضمن إشارة المرجع الأعلى إلى استقالة رئيسَيْ الحكومة والبرلمان.

توجيهات إيرانية للإعلام العراقي

في إجراء يعكس عمق الأزمة التي تواجهها إيران في العراق، وزع "اتحاد الإذاعات والتلفزيونات العراقية"، وهو تشكيل تابع للحرس الثوري الإيراني، متخصص في إدارة وسائل الإعلام العراقية التي تمولها طهران والتي يبلغ عددها نحو 26 محطة فضائية وإذاعية، على أعضائه تعميماً يطلب منهم التوقف عن تغطية التظاهرات السلمية والانتقال إلى التركيز على الانتهاكات وأعمال الشغب، على الرغم من أن جميع القنوات التابعة لهذه الجهة لم تكن تبرز أي ملمح سلمي في حركة الاحتجاج.

وذكر التعميم، الذي أصدره حميد الحسيني، الذي يرتبط بعلاقة وثيقة مع الحرس الثوري، ويحمل جنسيتي العراق وإيران، مخاطباً "السادة مدراء القنوات والإذاعات"، إنه "نظراً إلى أعمال القتل والتخريب والحرق للممتلكات العامة والخاصة وما رافق الاحتجاجات في البلد من تجاوز على القوات الأمنية، نوصي بما هو آت: لم تعد هنالك تغطية لتظاهرة سلمية اعتباراً من هذا اليوم، إنما هي انتهاكات وتجاوزات وأعمال حرق وتدمير للممتلكات العامة والخاصة وتهديد السلم الأهلي وقطع أرزاق الناس وتوقف حركة التعليم والدراسة بشكل عام".

وطالب التعميم بـ "إجراء حوارات ولقاءات سواء في الاستوديوات مع الضيوف أو مع المواطنين في الشارع العام للتعبير عن آرائهم في شجب أساليب القتل والاعتداء على أملاك الدولة والمواطنين وتهديد السلم الأهلي"، مشيراً إلى ضرورة الاهتمام بـ "مخرجات اجتماع الكتل السياسية ومهلة الـ45 يوماً التي منحت للحكومة لتلبية المطالب الشرعية للشعب".

ووجه الحسيني المحطات والإذاعات العراقية على "حث الحكومة والقوات الأمنية على أخذ دورها في الحفاظ على أرواح الناس وسيادة البلد والممتلكات العامة والخاصة"، مشدداً على ضرورة "كشف المخططات التي تقف وراء هذه الجهات التي حرفت التظاهرات السلمية عن منهجها، وعرض ما قامت به هذه العصابات من تجاوزات وانتهاكات وحجم الخسائر".

وختم تعميم الحسيني بالإشارة إلى "دعم القوات الأمنية للقيام بواجباتها وضرورة منحهم كامل الصلاحيات في ذلك".

 

 

 

المزيد من العالم العربي