بصريح العبارة... نحن بلاد مستعمَرة

في الجزائر كمثال تبين أن حرب التحرير اتخذت صوراً مختلفة لكنها لم تنته بعد

في ليبيا الجديد هو القديم ذاته (ويكيبيديا)

أنا أتحدثُ عن الليثي. ولا أقصدُ بذلك الحي الذي ببنغازي، على بعد خمسة كيلومترات من المطار، حيث يبني أبي بيتاً، من دون مهندس، من دون خريطة، من دون مقاول ومن دون أية تجميلات.

تقول أمي: أنه كبير جداً. يقول أخي: لا فرق بينه وبين البيت القديم.

"الشاعر خالد مطاوع".

هذا ما يحدث

الشاعر الليبي الأميركي خالد مطاوع ذَكّرهُ أخوهُ، أن البيت الجديد ما بناه أبوه، هو البيت القديم نفسه تقريباً، وثوار ليبيا أثناء ثورة فبراير (شباط) 2011، كانوا عند انتزاعهم مدينة أو بلدة من أيدي وسيطرة الديكتاتور، يتحدثون عن تحريرها. بلاغة بيان الثورة استعادت لفظ التحرير، لا باعتبارها مجازاً، تستدعيه لغة الثورة، لكنه تعيين للحقيقة ما استدعى اللفظة، بل أن الديكتاتور وأتباعه، في حربه للسيطرة، على البلاد التي تزلزلت تحت أقدامه، كان يتهم الثوار بأنهم ثوار الناتو.

للعملة وجهان ولكن حقيقتها أنها عُملة، أن البلاد لم تكن عند الثوار بلاداً محررة، وعند الديكتاتور أن من يريد سلبها منه، تحريرها، هم عملاء الاستعمار، الحقيقة المغيبة، أن البلاد فعلاً ليست بلاداً محررة بعد، ولهذا فعل استعادتها من براثن الديكتاتور، هو فعل تحرير، أو مواصلة لحرب التحرير من المستعمر، فالحاكم العقيد معمر القذافي، قناعٌ لهذا المُسَتعْمِر.

فبالنسبة للغالبية الساحقة من الليبيين، الوقائع هي ما تُفصح عن ذلكم، فالنتائج واحدة، سلب إرادتهم وحقوقهم، فأرضهم وثروتها، ومن ذا أموال الليبيين وثرواتهم النفطية، تذهب لبنوك المستعمر، ليستثمرها في مشاريعه، مما زاد البلاد فقراً، عن الحاصل أثناء وجود الإيطاليين على الأرض، المحصلة هي ما جعلت لسان حالهم، أن البلاد مستعمرة، أن البيت الجديد، ما ظنهم أنه صار بيتهم، ذاته البيت القديم، لذا لا بيت لهم يؤويهم، أي أنهم ليسوا بمواطنين بعد.

كيف ذلكم؟... (قد يكون الغربيون غادروا مستعمراتهم القديمة، في أفريقيا وآسيا فيزيائياً، غير أنهم احتفظوا بها، لا كأسواق فقط، بل أيضاً كمواقع على الخريطة العقائدية، التي استمروا يمارسون، حكمها أخلاقياً وفكرياً)، هذا ما يوضحه (إدوارد سعيد)، في كتابه (الثقافة والإمبريالية)، وهذه نظرة مفكري ما بعد الاستعمار جملة، ومن منهم إدوارد سعيد.

هذا ما بالنسبة لآل البلاد المحليين، وقائع يومية، ففرنسا ما استعمرت الجزائر 1830/ 1962، لم تغادر البلاد، ليس مجرد تحليل مفكرين فحسب، لكن منذ الاستقلال، وحتى الموجة الثانية من الربيع العربي، الذي تعيشه الجزائر الآن وهنا، الجزائر مسألة فرنسية!، فرنسا ما الحديث عن تدخلها، في الشأن الجزائري، من نافل القول، وذلكم يحدث بالفعل، وليس بالقوة فحسب، فمن سلمت فرنسا له البلاد، يحكمها منذ يوم التسليم وحتى الساعة، ما هو كوريث ليس إلا، لحكم المستعمرة السابقة الحالية!.

والأزمة الحالية في المنطقة جملة، وفي الجزائر كمثال، تبين أن حرب التحرير، اتخذت صوراً مختلفة، لكنها لم تنته بعد، وحتى لو ذهبنا أن المسألة الآن، تخص السكان المحليين للمستعمرات السابقة، فإن للمسألة أضلع مثلث: المحلي ثم الإقليمي فالدولي. وإذا كان الإقليم، لم يحقق بعد تحرره، فللدولي مصالح ونفوذ بيّن وجلي، ولا يتحقق التوازن الدولي، من دون تحقق هذا النفوذ وتلكم المصالح، كما لا يتحقق التحرير من دون تحقق الحقوق.

تعليق على ما يحدث

حيث (تقدم فترات الأزمة، مناسبات مفيدة لفهم، كيفية تجميع وإعادة تنظيم هذه العوالم. غالباً ما يكون الإعلان، عن أزمة محاولة، لإدخال قوى جديدة، أو تحديد مخاطر، يجب اتخاذ قرارات إزاءها، وهي تتطلب أيضاً، تحديد الموضوع أو الموضوعات المجمعة، المعرضة للخطر. وقد تفلت القوى المدخلة، والمخاطر المحددة، والموضوعات المجمعة جميعاً، من سيطرة من يحاولون تعبئتها، أو السيطرة عليها) أو كما جاء في كتاب: ديمقراطية الكربون، السلطة السياسية في عصر النفط -تيموثي ميتشل.

ويقول المتصوف الكندي إريك باريه، الذي يعيشُ في كشمير: نحتاج إلى الكوارث كي نستيقظ. هذه الحقيقة التي تبدو من تجليات الصوفي، هي ما نحيا في التو والساعة، وما يجعل استيعاب لحظة مفارقة، لا يتجلى من دون الاستعانة، بالأدب وعلم السياسة وحتى التصوف، ففي لحظات التحول والتغيير، بخاصة في هذا العصر السبراني، ما يتمظهر فيه العالم كعالم افتراضي، والوقائع كشطحات فنان: فنحن لم نتبين ما نرنو إليه، ما نرنو إليه تبين أنه نحن.

لذا فاغر الفاه تلقيت، تصاريح عمائم السلطة الإيرانية، أن ما يحدث في إيران، مؤامرة أجنبية، وأن الجماهير الضخمة، المحتجة على الغبن والفقر، عملاء للأجنبي، ومن هذا تذكرت، ما ذكرت أول المقال، الشعب الإيراني عميل للأجنبي، وسلطته التي يتظاهر ضد تعسفها، سلطته هذه القوى الوطنية وحيدة، تتسربل في وطنيتها، رجال الدين رجال السلطة، وحدهم ومن دون شعب، يذودون عن الوطن، عن حرية الوطن، من دون شعب، فالشعب قد تحول إلى أداة ضد الوطن.  

تصريح كهذا يتجلى، ليوضح أن البلاد التي سلطتها غصباً، هي سلطة تستمد وجودها فقوتها، مما تدعي أنها تحاربه، فخمينائي وأتباعه، يتهمون من يتظاهر ضدهم، بأنه يستمد قوته من الخارج، وأن ما حدث مؤامرة كبرى، تجعل المنطق في دهشة: إذاً من أين يستمد ملالي إيران، شرعية سلطتهم؟.

لقد كانت الثورة الإيرانية، في النتيجة كما استعادة للماضي، استعادة لأمجاد قومية في مسوح رهبان، وعلى أثرها، تصاعد تيار الإسلام السياسي، ما رفع الإسلام هو الحلّ، على رؤوس مدافعهم، وكانوا يلقون الدعم من الإمبريالي، حليفهم ساعتها، في الحرب الدينية، ضد دولة الإلحاد.

الآن، ومنذ الساعات الأولى للربيع العربي، ينهض آل المستعمرات القديمة، في حرب تحرير ثانية، لتحرير البلاد من المستعمر، ما تمثل في أزمتهم، أنهم من لم يستطيعوا حتى الساعة، التخلص من آثاره، ومن هذا جاء اتهام الملالي، للمنتفضين ضدهم، بأنهم عملاء. في الخلاصة، أن ما يحدث في عالمنا اليوم، وفي هذه المنطقة بخاصة، ما هو إلا نهاية تاريخ، أي أن الماضي، يحترق في لحظة، تبدو كما لو أنها، استعادة له.

المزيد من آراء