عامل المصعد... "الرجل القارئ" يثير دهشة الجميع

يحمل الشهادة الإعدادية... ورحلته مع القراءة بدأت من السادسة... ونيتشه وتوفيق الحكيم وديكارت على قائمة من قرأ

"عم رجب" عمل في مهن عدة قبل أن يستقر به الحال عاملاً للمصعد (اندبندنت عربية)

يعرفه الجميع بـ"الرجل الذي يقرأ" أو "الرجل القارئ". لا تخطئه عين أو يتجاوزه مارٌ دون أن ينظر ملياً إليه. كل ما فيه ليس مأهولاً أو مطابقاً للمعايير المتعارف عليها. تجده صباحاً وظهراً ومساءً جالساً على مقعد بلاستيكي مجاور للمصعد المؤدي إلى المطعم في الطابق الأول، جالساً واضعاً ساقا على ساق، ومدققاً في كتاب. الكتاب لا يفارقه إلا إذا جاء الرواد بغرض استخدام المصعد. يتجاذبون معه حديثاً ودياً لا يتعلق غالباً بالمصعد، ولكن يصب في الكتاب الذي يقرأه. فإن كان كتاباً فلسفيا جاء الحديث فلسفياً، وإن كان رواية تطرقوا إلى الأبطال والأحداث، ولو صادف وكان تاريخياً تبادلوا وجهات نظر في مصائر الأمم ومساراتها.

ثورات متواترة

مسار "عم" رجب عثمان، 58 عاماً، لم يكن يوماً مساراً تقليدياً. كل ما فيه يعصف بقواعد التقليد، ويأتي بقيم الخروج الحميد عن المألوف والميل إلى نبذ يمليه الواقع بمعطياته المحبطة وظروفه المؤلمة. لكن "عم رجب" يثور ثوراته المتواترة على المألوف دون أدنى ادعاء أو أي رياء. كل ما يفعله هو ما يحب في حدود المتاح، وما يميل إليه حسبما تسمح الظروف. لا تقيده في ذلك إملاءات أو تحد من حركته توقعات.

المتوقع من عامل بسيط في نادي هليوبوليس الرياضي – أحد أبرز وأرقى نوادي مصر الرياضية والاجتماعية- أن يمضي ساعات عمله دون أن يلحظه أحد. لكن "عم رجب" يلحظه الجميع ويعرفه الكل من أكبر كبير إلى أصغر صغير. بشرته السمراء وملامحه الصارمة الجادة تتحد مع ابتسامة خجولة لكن واثقة حين يتحدث إليه أحدهم. ولأنه عامل مصعد، فلديه متسع من الوقت في غير أوقات الذروة التي يقبل فيها رواد النادي على الصعود والهبوط من المطعم في الطابق الأول. على مدى 13 عاماً – هي طول مدة عمله في النادي- أمضى هذه الساعات في قراءة آلاف الكتب.

القراءة الدينية

المعتاد في مصر هذه الآونة أن تقتصر القراءة على الدين. ولت ودبرت أيام كان الكتاب يتمتع فيها بشنة ورنة. فلا كتب التاريخ تجد عقولاً باحثة، ولا كتب الفلسفة تحظى برغبات متعمقة، ولا كتب العلوم بأنواعها تلقى جمهوراً واعياً. حتى الروايات قضى على أوصالها التلفزيون، ثم جاء "نتفليكس" وأعوانه ليطلقوا على كتبها رصاصة الرحمة إلا فيما ندر.

ولندرة القراءة في مصر، فإن أحد أحدث استطلاعات الرأي وقياساته في هذا الشأن تعود إلى عام 2013. مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء وجد في دراسة عنوانها "ماذا يقرأ المصريون؟" أن الشباب المواظب على القراءة يقرأ الكتب الدينية في المقام الأول بنسبة 65%، ثم التاريخية بنسبة 36%، والعلمية بنسبة 34%. ووجدت الدراسة أن نحو 22 مليون أسرة مصرية فيها على الأقل شخص واحد يقرأ. صحيح أن النسبة مرتفعة جداً، لكن يزول العجب إذا عرفنا أن "القراءة" هنا تشمل قراءة القرآن الكريم.

دين ونيتشه

"الرجل القارئ" يقرأ القرآن الكريم والتاريخ الإسلامي ومسيرة الصحابة، لكنه أيضاً يقرأ "إنساني مفرط في إنسانيته" و"العلم المرح" و"ماوراء الخير والشر" لنيتشه، و"تجديد الفكر العربي" و"الشرق الفنان" و"نافذة على فلسفة العصر" لزكي نجيب محمود، و"انفعالات النفس" و"حديث الطريق" لديكارت، و"عودة الروح" و"أهل الكهف" و"عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم، و"سيطر على حياتك" و"أيقظ قدراتك" و"قوة التحكم في الذات" لإبراهيم الفقي وقائمة طويلة جداً فيها آلاف العناوين.

العناوين التي يقرأها "عم رجب" لا تعكس إلا اتساع أفق ثقافي. يقول "لم أقل يوماً لا لكتاب أجده أمامي. ربما أفكر مرتين قبل الغوص في كتاب قد يحمل نقداً شديداً لمعتقداتي أو هدماً لها. وحتى في هذه الحالة، لا أنبذ الكتاب، بل أؤجله قليلاً إلى أن أقرأ المزيد عن معتقداتي لأكون مسلحاً بمزيد من العلم عنها".

 

"الرجل القارئ" يحمل شهادة الإعدادية. عمل في عدد من المهن قبل أن يستقر به الحال عاملاً للمصعد في النادي الشهير. عمل وهو طفل، ثم مراهق إلى مرحلته العمرية الحالية. ورغم ذلك، فإن رحلته مع القراءة بدأت في سن السادسة في بيت أسرته. ورغم هذه الظروف، وعدم إكمال التعليم، فإن والده كان دائم القراءة ومشجعاً له عليها. يقول، "بدأت بمجلات ميكي وسمير في سن السادسة. كبرت وأن أرى أبي وإخوتي الأكبر سناً يقرأون. حاولت أن أحاكيهم، وظلت المحاكاة معي حتى يومنا هذا رغم إنهم توقفوا عن القراءة بسبب ضغوط الحياة والانشغال في العمل والأسرة".

تشجيع الصغار

حياة "عم رجب" الأسرية تبقى سراً لا يحب التحدث عنه. يقول، "لا أحب الخوض في خصوصياتي. لكن كل ما أستطيع قوله هو أنني أشجع صغار العائلة على القراءة. هم يعتبرونني شخصاً غريباً لأنني أقرأ طيلة الوقت، وهو ما يثير فيهم حب الاستطلاع، فتبدأ الأسئلة وأبدأ في الإيجابية عما فعلته بي القراءة".

يستطرد قائلاً، "أحدث الصغار كيف بدأت بمجلات الأطفال، ثم انتقلت إلى كتب بسيطة سهلة عن معارف مختلفة، ثم أصبحت أقرأ كل ما تقع عليه يدي ويقوى عليه جيبي".

الأعضاء الصغار في النادي ينظرون إليه بدهشة. علق أحدهم ذات مرة قائلاً، "كيف لهذا الرجل أن يظل يقرأ طيلة الوقت هكذا رغم أنه ليس مجبراً على ذلك؟"

فكرة القراءة كإجبار لأن أحدهم في المدرسة أو الجامعة تزعج "الرجل القارئ" كثيراً. يقول: "التعليم المدرسي لا علاقة له بالقراءة كقيمة ومفهوم. القراءة اختيار واحتياج. وإذا كان تناول الطعام احتياجاً لإبقاء وظائف الجسم الحيوية تعمل، فإن القراءة احتياج لإبقاء وظائف التفكير والفهم والنقد الحيوية تعمل. القراءة غذاء للعقل نحتاجه طيلة العمر".

سر القراءة الدائمة

في البداية، كان الأعضاء الأكبر سناً يسألون "عم رجب" عن سر القراءة الدائمة. دائماً كانت ردوده تدور في إطار الراحة النفسية والقدرة على رفع المعنويات وزيادة الثقة في النفس التي تمنحها القراءة. اليوم، يتوقف الأعضاء ليسألونه عن أحدث ما يقرأ من كتب. البعض يهاديه كتباً، والبعض الآخر يناقشه فيما يقرأ، أو يقترح عليه عناوين أخرى. المثير أن طريقة تعامل الأعضاء معه بات يطغى عليها نوعاً من الاحترام والتبجيل لما يفعل. ولم لا؟ وهم أمام نموذج متفرد من "العمال".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى "عم رجب" أن الأجيال الأصغر سناً ربما تقرأ لو أتيحت لها الفرصة، لكنها لا تفعل إما لأنها تلهث وراء لقمة العيش في ظل ظروف اقتصادية صعبة، أو لأن طريقة التنشئة والتعليم صرفتهم بعيداً عن عالم القراءة، "وهذا مثير للحزن لأن من لم يعتد القراءة في صغره لن يقرأ على الأغلب حين يكبر".

يختار "عم رجب" أغلب الكتب التي يقرأها بنفسه. يقول إن العنوان في البداية يجذب، ثم يأتي دور الفهرس الذي يعطي صورة عامة عن المحتوى. لكنه في الوقت نفسه يشير إلى نماذج يكون فيها العنوان بالغ الإثارة، وكذلك الفهرس، لكن المحتوى صفر، وهنا يأتي دور الخبرة الطويلة في القراءة لتقييم المحتوى تقييماً مبدئياً. أما اسم الكاتب، فيقول "عم رجب" أن الاسم لا يشكل له أهمية كبرى، إذ كثيراً ما يقرأ لكتّاب غير معروفين لكن كتاباتهم تحميل قيمة معرفية كبيرة.

قيمة معرفية متجددة

ويشير "الرجل القارئ" إلى قيمة معرفية متغيرة ومتجددة متمثلة في إعادة قراءة كتب قرأها قبل 20 أو 30 عاماً. يقول: "أحياناً أعيد قراءة كتب قرأتها من قبل، وأجد نفسي أفهمها بطريقة جديدة وأخرج منها بقيم إضافية. وهذا يعود إلى اختلاف العمر وتراكم الخبرات وتغير الطريقة التي نفهم بها ما حولنا. الكتب ثروات لا تفنى وتجدد نفسها بنفسها".

تجديد النفس والترويح عن الذات يتم بالقراءة أو بالتمشية، هكذا يقول "عم رجب". "البعض من الأعضاء هنا يعتقدون أنني خال من المشكلات لأنني غارق طيلة الوقت في القراءة. لكني مثل الآخرين، لدي ضغوط مادية كثيرة ولدي أحلام محبطة عديدة".

أميركا وهوليوود

أحلام "الرجل القارئ" كانت تتجه صوب الولايات المتحدة الأميركية. يقول: "كنت أحلم بالسفر إلى أميركا وأنا شاب. كنت أود أن تطأ قدماي أرض هوليوود. أحب التمثيل وأرى في نفسي قدرة على المنافسة هناك. وللعلم مازلت أؤمن أنني قادر على ذلك لو أتيحت لي الفرصة".

وتبقى الفرص الأكثر واقعية كامنة في مزيد من الكتب التي يشتريها أو تلك التي يهاديه بها الأعضاء. الشيئان الوحيدان اللذان ينأى بنفسه عن قراءتهما هما: الصحف والكتب الإلكترونية. يقول "عم رجب"، "كنت أقرا الصحف حتى نحو عشر سنوات مضت لا سيما وأني تربيت في بيت كان الوالد يقرأ فيه الصحف القومية الثلاث بصفة يومية" وعن سبب توقفه عن قراءتها يقول، "اليوم تصدر كل صحيفة وعنوانها الرئيس "لا جديد تحت الشمس". العناوين هي نفسها، والمحتوى هو نفسه، والحروب ذاتها، والأحداث تكرر نفسها".

لا للكتب الإلكترونية

أما الكتب الإلكترونية فيقول بحسم شديد ورفض بالغ، "الكتاب يعني ورقاً وغلافاً وصوت أوراق تقلبها. والكتاب الإلكتروني لن يدق مسماراً واحداً في نعش الكتاب المطبوع. أما ما عدا ذلك، فهو كتاب منقوص مثلها تماماً مثل الشخص الذي لا يقرأ، إذ يعتبر شخص ينقصه الكثير".

لكن هل لديه القدرة على التفرقة بين القارئ وغير القارئ، يبتسم "الرجل القارئ" ابتسامة صغيرة لكنها تدل على ثقة بالغة ويقول، "طبعاً. طريقة الكلام والمفردات المستخدمة ومحتوى الحديث جميعها عوامل تمكن من التفرقة بين من يقرأ ومن لا يقرأ". ويضيف، "وللعلم المتعلم ليس بالضرورة قارئاً، وكم من متعلم وحاصل على شهادات عليا لكن علمه ينتهي عند حدود تخصصه لأنه لا يقرأ".

في الوقت نفسه، يحذر "عم رجب" من قدرة القراءة على أن تضخم من ذات القارئ. "فهي تمده بعلم واسع ومعرفة عميقة واطلاع على شؤون الكوكب لا سيما إن كانت قراءاته في مجالات مختلفة، وقد يجعله هذا يشعر أنه أفضل من الآخرين. وعلى القارئ أن يذكر نفسه بأنه إن كان قد قرأ 100 كتاب، فهناك ألف كتاب لم يقرأها بعد حتى يظل لصيقاً بالأرض".

تبرير مرفوض

أرض الواقع تقول إن كثيرين يبررون ابتعادهم عن القراءة بارتفاع سعر الكتب، وهو ما يجعل "عم رجب" يمتعض ويقول: "هناك الآلاف من الكتب المستعملة في كل مكان ناهيك عن الكتب التي تصدرها مؤسسات حكومية في متناول الجميع. ارتفاع الأسعار حجة البليد".

"عم رجب" يقرأ في كل المجالات دون استثناء. ورغم استنكاره لسؤال "ما أفضل ما قرأت؟" إلا أنه يقول أن يحب كل ما قرأ، لكن يظل كتاب "إرادة القوة" لنيتشه أهمها. لماذا؟ "هذا الكتاب يعطيني باور (قوة) ويمدني بفيتامينات تتسلل إلى الوجدان والنفسية".

تتركه "اندبندنت عربية" ليستكمل قراءة الكتاب الحالي "زيغلر يتحدث عن البيع: الدليل الكامل لمحترفي المبيعات" لزيغ زيغلر.

المزيد من ثقافة